نقد

أسامة أنور عكاشة.. قصة حب لم تكتمل

 

أسامة عبدالفتاح

 

لم يكن أسامة أنور عكاشة (27 يوليو 1941 – 28 مايو 2010) كاتب مسلسلات لتسلية ربات البيوت، ولم يكن شاعرا شعبيا مهمته حكاية الحواديت، بل كان مفكرا صاحب مشروع فكري قومي قضى عمره كله لإنجازه، وحاول تحقيقه بأكثر من طريقة حتى استقر على الدراما التليفزيونية عندما تأكد من جماهيريتها وقدرتها الفائقة على الوصول للناس.

 

بدأ بالأدب وأنتج أعمالا فيه، وعندما اتجه للدراما التليفزيونية كان يعتبر ذلك جزءا من مشروعه الأدبي، لأنه يعتبر هذه الدراما أدبا مثل الدراما المسرحية.. وأذكر أنه في أحد حواراتنا المتصلة حكى لي أنه توقف عن كتابة القصص والروايات في بداياته وقال لنفسه: كيف يكون هناك كاتب بلا قارئ؟

 

كان عليه أن يبحث عن حل للمعادلة، ووجده في الدراما التليفزيونية، فقرر أن يتفرغ لها، ودارت مساجلات كثيرة حول توقفه عن الأدب بينه وبين عدد من أصدقائه الأدباء الذين بدأوا معه أو سبقوه، لكنه أصر على اختياره قائلا لهم إن انتشار الأدب في مصر محدود جدا، والأدباء في حقيقة الأمر يقرأون لبعضهم البعض ماعدا بعض الاستثناءات التي لم تحقق بدورها الشهرة إلا بعد أن قدمت أعمالها في السينما.. بل أنه طلب من أصدقائه الأدباء أن يكتبوا الدراما لإيمانه بأن كتاب القصة في مصر أكثر من قرائها، وضرب لهم مثلا بنجيب محفوظ الذي كتب 40 سيناريو للسينما.

 

 

ولم يعد أسامة لكتابة الأدب إلا بعد أن صنع اسمه وتحققت شهرته، وشعر بأن ما يكتبه سيحظى بالاهتمام والمتابعة، والأهم: أنه عاد للأدب عندما لم يعد في حاجة إليه، لا لتحقيق الانتشار ولا لكسب المال.. كما أكثر في السنوات الأخيرة من حياته من كتابة المقالات الصحفية، مما عرضه للكثير من الانتقادات، حيث اتهمه البعض بأن موهبته نضبت وأنه لم يعد لديه ما يقدمه للدراما، فرد عليهم قائلا إنه لا يكتب للصحافة لأنه لا يجد ما يكتبه للدراما أو للأدب، بل لأنه مهتم بالشأن العام، والدراما ليست صحيفة يومية لكي يعبر من خلالها عن رأيه فيما يدور حوله كمواطن وليس ككاتب.

 

وفى ظل سعيه لإنجاز مشروعه بكل الأشكال الأدبية والدرامية، كتب للسينما، وقدم اثنين من أهم أفلام المخرج الكبير الراحل عاطف الطيب: "كتيبة الإعدام" و"دماء على الأسفلت"، بالإضافة إلى فيلمين آخرين هما: "تحت الصفر" و"الهجامة"، وحلم سينمائي كبير لم يتحقق باسم "الاسكندراني" أصدر السيناريو الخاص به في كتاب بعد أن فقد الأمل في تنفيذه.

 

 

ورغم قلة إنتاجه السينمائي، كان يقول إن السينما ليست منطقة إحباط بالنسبة له، لأن سينما الموضوع انتهت عندنا منذ بدايات التسعينيات من القرن الماضي، ولأن السائد نوع من الفن الاستهلاكي كان يسميه "فن الكلينيكس والهامبورجر"، لا يصلح إلا لتسلية الشباب السارح في المولات طوال النهار، والذي يمثل مصدر التمويل الرئيسي للسينما المصرية الحالية.

 

وكتب أسامة للمسرح والإذاعة، وحقق نجاحا لافتا، سواء في مسرحيات مثل "الناس اللي في التالت"، أو في مسلسلات إذاعية كانت تقدم في رمضان وتنافس الدراما التلفزيونية.. لكن لا شك أن الشاشة الصغيرة شهدت إنجاز أكثر من 90% من مشروعه الفكري الوطني، وتحول من خلالها إلى نجم يفوق في جماهيريته وشعبيته أبطال أعماله من الفنانين.

 

 

يقوم مشروع أسامة أنور عكاشة الفكري الفني على عدة محاور رئيسية حول هذا الوطن أولها تساؤل عن الشخصية المصرية وهويتها الحقيقية، وهوية مصر التي تقلبت عبر تاريخها الطويل من الفرعونية إلى القبطية إلى العربية الإسلامية، فضلا عن انتمائها الإفريقي بحكم الجغرافيا، وانتمائها المتوسطي، وعلاقتها وسط كل هذه التقلبات والانتماءات بالآخر، خاصة علاقات التأثير والتأثر المتبادلة مع الغزاة والمستعمرين على طول التاريخ المصري.

 

وانشغل أسامة طوال مشواره الدرامي بالشخصية المصرية وتحولاتها مع التطورات والتغيرات التاريخية، وعلاقتها هي الأخرى بالآخر، خاصة أن عددا كبيرا من الأجانب كان يعيش في مصر مستقرا كالمصريين حتى بدايات الستينيات من القرن الماضي.. وقد طرح السؤال بوضوح ومن دون مواربة على لسان شخصية "وفائي"، التي اختار أن يتوارى خلفها ليقول من خلالها ما يشاء في مسلسل "أرابيسك"، والتي أداها الممثل الكبير حسن حسنى.. وكان السؤال: "من نحن؟ فراعنة، أم عرب، أم أفارقة، أم متوسطيون؟"

 

 

وإذا كان قد طرح السؤال في "أرابيسك"، فقد حاول الإجابة عليه في "زيزينيا"، من خلال علاقة المصريين – سواء من السكندريين أو من الصعايدة والفلاحين الوافدين إليهم – بالجاليات الأجنبية التي كانت منتشرة في الإسكندرية في النصف الأول من القرن الماضي، وفى مقدمتها الجاليتان الإيطالية واليونانية، وكذلك اليهود.

 

وللتعبير عن الحيرة التي يقصدها، والخليط العجيب الكامن داخل كل مصري، ابتكر شخصية درامية غير مسبوقة، لمصري من نصفين، أب مصري وأم إيطالية، يعيش ما يقرب من حياة الانفصام، حيث يضع صباحا زي المصريين ويتعامل مثلهم، ويرتدى مساء ملابس "الخواجات" ويصير واحدا منهم، وأحيانا يقف حائرا أمام "الشماعة" متسائلا: ماذا أرتدي.. القبعة أم الطربوش؟

 

لكنه ينتصر بحسم ووضوح للجانب المصري، ويجعله يتفوق على النصف الأجنبي، بل ويحول بطله "بشر عامر عبد الظاهر" – الذي جسده يحيى الفخراني – إلى مناضل وطني، للتأكيد على ما يؤمن به من أن مصر "معدة" عملاقة تهضم كل ما يدخلها فتحتفظ بما يفيدها وتلفظ الباقي.

 

 

أما المحور الرئيسي الثاني الذي يقوم عليه مشروع أسامة أنور عكاشة الفكري، فهو الرصد الدرامي للتطور الاجتماعي في مصر، والذي بدأه على مستوى الأسرة في مسلسل "الشهد والدموع" وغيره، ثم على مستوى الحي في "ليالي الحلمية" و"زيزينيا" وغيرهما.. وبعد رحلة طويلة بين القاهرة والإسكندرية، اختار أن يجرى رصده في "المصراوية" على مستويي القرية والمدينة الإقليمية، أو المركز الواقع بين الريف والحضر، محاولا كشف أسرار العلاقة الفريدة بينهما، وعائدا إلى جدلية التأثير المتبادل بين أبناء الريف والمدينة، والتي كان قد بدأها في "أبواب المدينة" من خلال القرويين النازحين إليها، لكنه في "المصراوية" يقوم بالرحلة بالعكس.

 

وتأخرت إطلالته في "المصراوية" على كفر الشيخ، المحافظة التي نشأ فيها بعد أن ولد في طنطا بالغربية، ليس فقط لأنه كان يحتفظ بها ل "الثقيلة" كما قال، لعمل كان يقدر له أن يمتد إلى ستة أجزاء، ولكن – من وجهة نظري – لأنه سار طويلا على درب نجيب محفوظ في التنقل بين القاهرة – خاصة في أحيائها القديمة – والإسكندرية. ولم يكن ذلك وجه تأثره الوحيد بعملاق الرواية العربية، بل تأثر أيضا بتقنياته الروائية في كتابة الدراما التلفزيونية، حيث كان يفضل أن يحتوي المسلسل على رؤية ملحمية وتوال للأجيال وتعدد للشخصيات، وهذا لا يتوفر إلا في مساحة زمنية عريضة يغطيها عدد كبير من الحلقات، لذلك تألق في مسلسلات الأجزاء التي ابتدعها، وكان "يتمطع" فيها ويأخذ راحته في الكتابة، وحقق بها مجده وشهرته، في حين كانت معظم الانتقادات تأتيه من مسلسلات الجزء الواحد مثل "مازال النيل يجرى" و "النوة" و"أنا وانت وبابا في المشمش".

 

 

وكان أسامة يقول إن جيله كله خرج من عباءة محفوظ، وتربى على أعماله، كما كانت له مقولة شهيرة بأنه "ابن نجيب محفوظ بالجينات الأدبية".. وقد قرأ الثلاثية لأول مرة عام 1954 في مجلة "الرسالة الجديدة" فسحرته، فأسرع بشراء كل أعماله، ودخل عالمه الذي اعترف لاحقا بأنه عاش فيه طويلا وترك داخله بصمات غائرة، وبأن ملامحه ظهرت في أعماله بحكم "قانون الوراثة".

 

وكنت أزور أسامة أنور عكاشة في مكتبه بشقته بحدائق الأهرام فلا أجد على الحائط سوى صورة تجمعه بمحفوظ، وبعد دقيقة واحدة يتلقى اتصالا هاتفيا من الجزء الآخر من الشقة فيضع السماعة ثم يقول بكرم الفلاح الأصيل: "البوفيه بيسألك تشرب إيه؟"

 

في هذا المكتب، الذي كان يشهد تجمع عدد من خيرة المثقفين والفنانين فيما يشبه الندوة اليومية، أجريت حوارا مع صاحب "الليالي" نشرته في "القاهرة" عام ٢٠٠٥، وفيه قال بالحرف الواحد إن "المصراوية" ستكون آخر أعماله للتلفزيون، وإنه سيكتفي بوضع "الفرشة" والخطوط العريضة حتى يكمل المشروع غيره من دون عناء.. وعندما طلبت منه ألا يقول ذلك ودعوت له بطول العمر، رد بأنه لم تعد لديه اللياقة التي كان عليها زمان، وأن العمر لم يعد يتبقى منه الكثير.. وتحقق ما توقعه ببصيرة الفنان، ورحل بعد أن اكتفى بإنجاز جزءين فقط من ستة خطط لها في "المصراوية".

 

 

كما ترك أسامة "زيزينيا" ناقصة، حيث كان من المفترض إنتاج جزء ثالث لها من بطولة فاروق الفيشاوي – بديلا ليحيى الفخراني – وإخراج هاني إسماعيل، بديلا لجمال عبد الحميد، الذي استاء أسامة للغاية من أسلوب إخراجه للجزءين السابقين، خاصة الثاني، وقال إنه ملأ كراسة من 40 صفحة بالملاحظات على الإخراج، وقرر عدم التعامل مع جمال مرة أخرى.

 

وكان من المفترض أن يمتد الجزء الثالث إلى 1962، عام خروج الأجانب من مصر، بعد أن توقف الجزء الثاني عند عام 1951. ولكنه لم يكن يقلقه كثيرا أن يترك عملا ناقصا، حيث قال لي – في نفس الحوار – إنه يصر على أن يكتب ما يعتمل داخله حتى لو كان سيبدأ فقط، وحتى لو كان العمل سيظل مثل السيمفونية الناقصة!

 

 

وفى رأيي تتجلى عبقرية أسامة أنور عكاشة الحقيقية في حفاظه على مشروعه الفكري/ الدرامي، وإلحاحه على عناصره وأفكاره أكثر من مرة، من دون أن يصيب المشاهد بالملل، ومن دون حتى أن يلاحظ بعض المشاهدين هذا الإلحاح، مع تأثرهم الكامل به.

 

ومتابعة أعماله تكشف بسهولة عن تكرار بعض التيمات، مثل "اختبار الثروة" الذي أخضع له الكثير من أبطاله، بدءا ب "المشربية" ومرورا ب "ضمير أبلة حكمت" وانتهاء ب "عفاريت السيالة".. حيث تهبط الثروة فجأة على البطل ويصبح السؤال: ماذا سيفعل بها؟ فأسامة يؤمن بأن المال محك ويسعى دائما لأن يعرف: هل يكفي لحل مشكلات المصريين أم أن المشكلة الحقيقية في الفكر والسلوك؟

 

 

وهناك تيمة "الدون كيشوتية"، أو الفارس الذي يتواجد في زمن لا يعترف بالفرسان، فيظل يحارب طواحين الهواء من دون جدوى.. وقد تكررت في أعمال مثل "عابر سبيل" و"الفارس الأخير" و"رحلة السيد أبو العلا البشري".

 

وفى العديد من الأعمال تكررت تيمة المرأة التي تربى عن طيب خاطر وبكل الحب أبناء غيرها، سواء كانت زوجة أب أم غير ذلك.. وقد وصف هو إلحاحه على هذه الفكرة بأنه "عقدة شخصية"، حيث أن التي ربته هي زوجة أبيه، وكانت امرأة طيبة ظلت تهتم به حتى تجاوز الستين.

 

 

وأخيرا فإن من يتابع أعماله يلاحظ أن معظم قصص الحب لديه لا تكتمل.. وعندما تنتهي قصة منها بالزواج، فإن هذا الزواج يفشل، كما حدث مع "علي" و"زهرة" في "ليالي الحلمية".. وهذه ليست عقدة شخصية، بل رأيه الذي يتلخص في أن قصة الحب تفشل عندما يوضع الحبيبان على محك الزواج، وأن الزيجات الناجحة القائمة على الحب، نادرة جدا.. فهو يؤمن بمبدأ في علم النفس يقول إن الرغبات التي لا يتم إشباعها تظل تؤرق صاحبها حتى نهاية العمر.. وهذا هو – في رأيه – بقاء الحب، حيث أن عدم انتهائه بالزواج يساعد على بقائه داخلنا.

وبالتأكيد سيساعدنا الرحيل المفاجئ على بقاء أسامة أنور عكاشة أكثر داخلنا.

(اليوم ذكراه العاشرة)

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى