نقد

أكثر من رأفت الميهي (3-6)

أسامة عبدالفتاح

قدم الميهي "للحب قصة أخيرة" في منتصف الثمانينيات، ومنتصف مسيرته السينمائية، ليكون شاهدا على وصوله إلى ذروة نضجه الفني، حيث أعتبر أهم أفلامه على الإطلاق، سواء على مستوى التأليف أو الإخراج، لتعدد مستويات تلقيه، وتحميله رسائل ومعان شديدة الأهمية من دون مباشرة ولا فجاجة ولا صوت عال.. يضعنا الفيلم في مواجهة المرض والموت من خلال المدرس المثقف "رفعت" (يحيى الفخراني)، المريض بالقلب والذي ينتظر الموت في أي لحظة، لكنه يقرر أن يكذب على زوجته "سلوى" (معالي زايد) – بالاشتراك مع طبيب الجزيرة "حسين" (عبد العزيز مخيون) – ويوحي لها بأنه شُفي.. وتظن الزوجة أن "المعجزة" من "كرامات" الشيخ "التلاوي" الدجال الذي كانت قد لجأت إليه بعد أن أقام له أهل الجزيرة "مولد" إثر عودته إلى الحياة من الموت!

 

 

وعندما يموت "رفعت" في مشهد بليغ، وتنكشف حقيقة التلاوي، تذهب "سلوى" – في النهاية – إلى مقر الدجال وتحطمه بالفأس، في واحد من أهم مشاهد الفيلم، لأنه دعوة مباشرة للتخلص من الغيبيات والخرافات التي تحكم تفكير وسلوك الكثير من المصريين وتعطل تقدمهم، مسلمين ومسيحيين، حيث يشير الفيلم إلى جارة مسيحية طيبة تدعى "دميانة" تأتي ب"البشارة" على طريقتها بأن الله سينجي "رفعت".

ويحسب لرأفت الميهي أنه كان – في ذلك الفيلم – من أوائل الذين نبهوا إلى خطورة تجار ومهاويس الدين، قبل سنوات قليلة جدا من موجة الإرهاب الديني الأسود التي ضربت مصر في بدايات التسعينيات من القرن الماضي.

 

 

وعلى مستوى آخر من التلقي، يطرح الفيلم قضايا فلسفية مثل الحياة والموت، وهناك معادل موضوعي للشاب الذي ينتظر الموت المؤكد – ورغم ذلك يتفاءل ويتمسك بالأمل – يتمثل في والدة الطبيب البالغة من العمر 95 عاما، والتي تظل وابنها يتوقعان الموت لمدة 15 عاما من دون أن يأتي، ويكون موتها بعد ذلك نذيرا بموت البطل.. ومقابل المدرس الحيّ / الميّت، هناك الميّت / الحيّ، المتمثل في شاب من أبناء الجزيرة يُقتل في حادث، ورغم ذلك يظل والده (عبد الحفيظ التطاوي) ينتظره كل ليلة – على مدار 15 عاما – عند "المعدية" التي تربط الجزيرة بالعالم الخارجي.

ويرمز المدرس المريض بالقلب للمثقف المأزوم الذي لا يستطيع تحمل الضغوط المحيطة به، حتى أنه من فرط اليأس والإحباط يفكر في فكرة تناسخ الأرواح، على أمل أن تعيش روحه بالشكل الذي يريده ويحلم به في جسد آخر بعد موته.. لكن الحقيقة أن الفيلم لا يتمسك بذلك الأمل، ولا يترك للمشاهد سوى الشجن النبيل الذي من المفترض أن يدعوه للتأمل وإعادة الحسابات.

 

 

ورغم التميز الفني الواضح لفيلمي "الأفوكاتو" و"للحب قصة أخيرة"، اللذين قدمهما الميهي في قمة توهجه الفني خلال ثلاث سنوات فقط (من 1983 إلى 1985)، إلا أنه لم يسلم من أعداء الإبداع من خفافيش الظلام، الذين أشهروا في وجهه سلاح محاكم التفتيش المصرية ولا حقوه قضائيا من دون أي مبرر.. فقد حوكم "الأفوكاتو" ومخرجه ومنتجه، وكذلك بطله (عادل إمام)، بتهمة "تشويه مهنة المحاماة"، وهي قضية كانت تعد – في ذلك الوقت – سابقة خطيرة في تاريخ السينما المصرية.

أما قضية "للحب قصة أخيرة"، فكانت أخطر، حيث اتهم المخرج وبطلا الفيلم (معالي زايد ويحيى الفخراني) ومنتجه (حسين القلا) بتهمة تصوير فعل فاضح وأحيلوا إلى نيابة آداب القاهرة. أما "الفعل الفاضح"، فكان مشهد حب جمع بين الزوجين في الفيلم، علماً بأن كل مشاهد الحب في ذلك العمل لم تكن لها أي علاقة بالإثارة، حيث كانت حزينة، تنعي علاقة عاطفية شاعرية مصيرها الموت.

 

بتلك القضية المؤسفة، انتهت المرحلة الثانية من مسيرة رأفت الميهي السينمائية، وبدأت المرحلة الثالثة عام 1987 بإخراجه فيلم "السادة الرجال"، وكانت – كالعادة – مختلفة تماما عن سابقتيها، ولابد من التوقف طويلا عندها، ليس فقط لأنها آخر مراحله واستقرت عندها شخصيته الفنية، ولكن أيضا لأنها شهدت أكثر تحولاته حدة، وأكبر كم من الصعوبات واجهها في مشواره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى