نقد

ألم ومجد: تعرية ذاتية لبيدرو ألمودفار

محمد كمال

 

(الحب ليس كافيا لإنقاذ من نحب).. تلك الجملة أراها الأهم للمخرج الإسباني الكبير بيدرو ألمودوفار في أحدث أفلامه "Dolor y Gloria" أو "ألم ومجد" ومن عند تلك الجملة بدأت الألآم تظهر على السطح وتسيطر ويصبح لها الكلمة العليا، وتتحول الامجاد إلى ماضي سحيق، فلم يكن الحب ضامنا للمخرج المتقاعد (سلفادور مالو) في أن يستمر في مجده، فقد المهنة، الحبيب، الأم، الأصدقاء ولم يتبقى منها سوى مجموعة من الذكريات.

 

المخرج الإسباني الكبير دائم التطرق في أفلامه السابقة إلى ذكرياته وهواجسه وإحباطاته وأيضا ميوله الجنسية كأنها أسئلة محورية يحاول الإجابة عنها طوال الوقت يرتكز على المساحة العميقة في العلاقة الإنسانية بين الشخص وعوالمه المختلفة مهما تباينت مساحات تلك العلاقات ، وفي أفلامه إرهاصات لعلاقته بوالدته وأهل قريته وحياته في العاصمة بعد ذلك ، لكن هذه المرة في "ألم ومجد" نحن أمام عمل يشبه السيرة الذاتية لمخرجه وهو ما يتم التأكد منه بمجرد النظرة الأولى إلى البوستر الدعائي للفيلم الذي يحتوي على صورة البطل الرئيسي أنطونيو بانديراس وفي الخلفية نجد ظل صورة المخرج بيدرو ألمودوفار كأنها رسالة منه إلى المشاهدين بأن ألمودوفار ظل لشخصية سلفادور التي جسدها بانديراس.

 

 

في المشاهد الأولى يضعنا ألمودوفار أمام خطين رئيسين سلفادور المخرج المتقاعد بسبب ظروفه الصحية والتي سببت له آلام جسدية ونفسية وإحباطات كبيرة، وسلفادور طفلا حيث نشأته في أسرة فقيرة تعيش في بيت أقرب إلى الكهف وعلاقته بوالدته (بينلوب كروز) التي ألحقته بمدارس دينية نظرا لفقر الأسرة، لكن كعادة ألمودفار في أفلامه بمرور الاحداث تزداد الخطوط وتنتقل من حيز ضيق إلى مساحة أكبر بشكل تصاعدي، كما ظهر في الفيلم فالأمر أشبه بمراحل رسم لوحة فنية أو بناء منزل.

 

 

يعيش سلفادور وحيدا حياة محبطة محاطة بالألم رغم أمجاد الماضي ويقوم أحد المراكز السينمائية في مدريد بترميم أحد أفلامه القديمة ويدعوه مع بطل الفيلم لافتتاح النسخة الجديدة وحضور مؤتمرا صحفيا بعد 32 عاما من العرض الأول للفيلم الذي لم يكن سلفادور راضيا عن أداء البطل ألبرتو "أسير إتكسينديا" ولم يسمح له بحضور العرض وقتها والأمر الذي تسبب في قطيعة بينهما طوال 30 عاما ، واضطر سلفادور للذهاب إلى ألبرتو بعد كل هذه الأعوام و الذي بدوره ساعد سلفادور في تناول الهيروين الذي كان سبب رئيسي ليعود من خلاله أكثر إلى ذكريات ماضيه في القرية مع والدته.

 

 

اتجه مسار الأحداث ناحية عودة العلاقة بين سلفادور وألبرتو خصوصا وانهما يشتركا في مسألة تناول الهيروين ثم ينتقل ألمودوفار إلى مساحة أكبر قليلا مع سيناريو "إدمان" الذ كان قد كتبه سلفادور عن الانفصال الذي حدث له مع عشيقه فريدريكو "ليوناردو سباراجليا" والذي يقدمه ألبرتو على مسرح صغير في مدريد وللمصادفة يكون فريدريكو حاضرا ويبكي أثناء العرض، مع فريدريكو يخرج ألمودوفار الخط الثالث من جعبته لتظهر شخصية العشيق الذي انفصل عن سلفادور وهاجر إلى الأرجنتين وتزوج وأنجب ابنين أخبر أحدهما بعلاقته القديمة مع سلفادور.

 

 

 والخط الرابع يظهر مع إدواردو جار سلفادور في القرية الذي يكبره في المرحلة العمرية يعمل كبناء ويرسم اللوحات لكنه غير متعلم فيعقد صفقة مع والدة سلفادور ان يتولى تعليمه القراءة والكتابة بينما يقوم إدواردو بترميم وبناء الحوائط داخل كهف المعيشة المتواضع ، ومن خلال إدواردو أيقن سلفادور ولعه بأجساد الرجال ومعرفة ميوله الجنسية ، وبرغم انتهاء علاقتهما بعد دخول سلفاردو المدرسة اللاهوتية الا أن ظهور اللوحة التي رسمها له إدواردو بعد مرور 50 عاما تلوح باحتمالية بحث سلفادور عن جاره القديم رغم نفيه القيام بذلك.

 

 

الخط الخامس والأهم في قصة ألمودوفار الذاتية كان علاقته بوالدته في أيامها الأخيرة ففي البداية ظهرت العلاقة بين الأم وسلفادور الطفل بشكل طبيعي لكن بمرور الوقت قطع سلفادور تلك العلاقة بعدما رفض أن تعيش والدته معه في مدريد متعللا بزخم تجربته السينمائية لكن في حقيقة الأمر أن تخبط سلفادور وترنحه بدأ بعد ان ابتعد عنها ثم أحبط تماما في الحياة بعد أمرين الأول وفاة والدته والثاني انتهاء العلاقة بينه وبين فريدريكو.

 

 

استطاع بيدرو ألمودوفار أن يعرض مجموعة من الخطوط الدرامية بتحكم كبير وعبقريته أن كل هذه الخطوط ليست بين الشخصيات وبعضا لكن كلها مرتبطة بشخصية واحدة "سلفادور" نشعر كأن كل شخصية تحصل على حيزها الصغير على الشاشة ثم تبتعد لتفتح المجال أمام ظهور شخصية جديدة تحمل خط آخر أكبر وأعمق لتظهر جانب آخر في شخصية سلفادور كأن ألمودوفار الذي بدأ حياته بالغناء في الكنيسة والمدارس الدينية يعترف بآلامه ويعري أخطائه أمام جمهوره صحيح هي عادة ألمودفار في كل أفلامه لكن في "ألم ومجد" نشعر بأنه يجلس على كرسي الاعتراف في الكنيسة.

 

 

اختلفت الشخصيات الرئيسية للفيلم في طبائعهم وذكرياتهم ومشاكلهم لكنهم اتفقوا في أمر واحد وهو قسوة العاصمة وما تحولت إليه مدينة مدريد من قبح فلم تعد ملاذ آمن مثل الماضي فجميعهم تخلوا عنها ماعدا سلفادور هو كما قال يريد أن يتركها أيضا لكنه يحتاج إليها كأمل أخير لعودة أمجاد الماضي التي حققها أثناء حياته فيها.

 

الأداء التمثيلي كان أحد أهم نقاط القوة في الفيلم أنطونيو بانديراس لا يقلد ألمودوفار بل يجسد روحه ومشاعره وظله إن جاز التعبير ، برغم أنها ليست التجربة الاولى للثنائي معا الا انها الأفضل لبانديراس مع ألمودوفار لكن هذا لا يمنع أن أداء بانديراس ومساحة دوره الكبيرة غطت وظلمت ممثلين أخرين خصوصا الثنائي الأفضل في الفيلم رغم صغر مساحة دورهما " آسير إتكسنديا" و"ليوناردو سباراجليا" خصوصا الثاني فقد قدم أفض أداء في ثلاثة مشاهد فقط وتفوق تماما في المشهد الذي جمعه مع بانديراس في منزل الأخير فقد كان حضور سباراجليا أفضل بكثير من آخر أعماله في الفيلم الأرجنتيني "المتهمة".

 

 

"ألم ومجد" تعرية ذاتية لبيدرو ألمودوفار اعترف فيها بآلامه وحالة الفقدان والإحباط رغم هالات المجد المحيطة به ، عن مخرج وجد في السينما ودرب للحياة وخلاص من الفقر والتدين ،وضع نفسه الهشة الضعيفة أمامنا ، كشف عن أخطائه وشعوره بالذنب تجاه والدته التي اعترفت بأنه لم يكن الابن المثالي رغم أنها قدمت له كل شيء ، ألمودوفار يصل لقمة مجده السينمائي وأيضا إلى قمة آلامه سواء كانت الجسدية أو الأخرى التي تتعلق بالذكريات ، يخشى من الأحباء إذا توقف عن العمل لهذا كان البكاء بعد أن انهى سلفادور تصوير آخر مشهد في فيلمه الجديد "الرغبة الأولى" الذي جمع بين الأم "بينلوب كروز" و سلفادور الطفل.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى