رأي

إيران.. سينما رغم أنف الأزمات‎

مروان مجدي حبيب

ملامح السينما قبل الثورة الإيرانية

مع الثورة الإسلامية في إيران عام1979، إنهارت سينما العصر الملكي بجانب الهياكل السياسية التي كانت تدعم نظام بهلوي، السينما الإيرانية في العصر الملكي أو كمان كان يُطلَق عليها في الوسط النقدي “السينما الفارسية”.

أفيشات لأفلام ما قبل الثورة
أفيشات لأفلام ما قبل الثورة

كانت سينما يغلب عليها الطابع التجاري الترفيهي، واقتبست الكثير من روح السينما الهندية والمصرية من الجانب التجاري فقط لجذب المتفرجين وتحقيق الربح، سينما كان إعتمادها الأول والأخير على الكليشيهات العاطفية، النهايات السعيدة، إستعراضات دخيلة على الخط الدرامي دون مبرر، وبالطبع مشاهد القتال التي لا مفر منها، كانت الأفلام غالباً ذات جودة متوسطة ومنخفضة تتعامل مع مواضيع لا علاقة لها بالواقع اليومي بالمجتمع الإيراني.

فيلمأين منزل صديقي؟عام1987
فيلم(أين منزل صديقي؟)عام1987

مع مجيء الثورة بمبادئ ومطالب جديدة، أيقن قادة الثورة أن سينما النظام البائد أو كما أطلقوا عليها “السينما الفاسقة”، لن تتماشي مع ما هو قادم من تغيرات جذرية في ملامح المجتمع الإيراني، وأن محو ذِكرها هو واجب ثوري ورغبة ملحة تتوافق مع محو كل رموز العهد القديم.

أفيش فيلم العداءعام1984 للمخرج امير نادري،و نموذج لمرحلة طفولة السينما الإيرانية
أفيش فيلم (العداء)عام1984 للمخرج امير نادري،و نموذج لمرحلة طفولة السينما الإيرانية

موقف الثورة من السينما

في أعقاب الثورة أدلي (آية الله الخميني)، المرشد الروحي للثورة بتصريح هام بخصوص السينما قائلاً:”ليس لدينا عداء ضد السينما، إنما نحن ضد الفساد في السينما”، كان هذا التصريح بمثابة إشارة البدء في أولي محاولات إعادة تأهيل وهيكلة السينما بإيران، مع ذلك لم تكن هذه السينما قادرة على نقل القيم الناشئة في الجمهورية الجديدة بعد.

مظاهرة ضخمة مناهضة لحكم الشاه و تظهر صورة القائد الروحي للثورة آية الله الخميني
مظاهرة ضخمة مناهضة لحكم الشاه و تظهر صورة القائد الروحي للثورة آية الله الخميني

أزمات وضوابط

في عام1981، واجهت السينما الإيرانية أزمة خطيرة، بالكاد وصل عدد الأفلام التي تم إنتاجها إلى 3 أفلام، ومع تصاعد أزمة احتلال الطلاب الثوريين للسفارة الأمريكية لمدة تزيد عن 400 يوم (1979_1981)، أضطرت جميع دور العرض لإغلاق أبوابها، وتم حظر استيراد الأفلام الأمريكية، وعانت إيران من أزمة إقتصادية عنيفة، مع إعتقاد الجميع أن السينما في إيران قد إنهارت بشكل كامل لا رجعة فيه.

دار عرض سينمائي بإيران عام 2016 و يظهر أفيش فيلم التنين يصل الذي نافس علي الدب الذهبي بمهرجان برلين الدولي

لم يستمر إغلاق دور العرض سوي 8 أيام تقريباً، بعد إرسال رسالة من وزير الثقافة إلي رئيس الجمهورية، تم فحص الوضع عن كثب وتم إعادة افتتاح دور العرض والمسارح، إنه ميلاد جديد للسينما الذي راهن الجميع على انهيارها، لكنه ميلاد تُسلسله قيود لا تنتهي على الصناعة دون أن تتسبب في تراجعها، على العكس أظهر الفن السابع في إيران تقدم ملحوظ منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا بالإضافة حضورهم الدائم في المهرجانات الدولية.

عام1984، سُنَّ تشريع جديد يتضمن الضوابط التي يجب مراعتها في مجال صناعة السينما، كان من ضمن هذه الضوابط “يجب أن يكون الفيلم مفيداً للمجتمع، يجب على المرء عدم تدنيس الأديان الرسمية للبلد، وتجنب الترويج للأيدولوجيات التخريبية”.

فيلمالسحلية لكمال تبريزي
فيلم(السحلية) لكمال تبريزي

هذه القواعد المكتوبة كانت مصحوبة بسلسلة طويلة من الضوابط الغير مكتوبه التي روج النظام لها من خلال الوسائل الإعلامية والصحف اليومية من ضمن هذه الضوابط،”عدم تعاطف المتفرج مع شخصية إجرامية، أو تحميسه للخطيئة، عدم وجود أحداث ذات صلة بالإتجار أو تعاطي المخدرات.

كذلك إحترام حجاب المرأة علي الشاشة حتي في اللقطات المصورة داخل المنزل، حظر تصوير اللقطات الحميمية بين الرجل و المرأة، و تجنب المواضيع المبتذلة “، يعتقد الكثير من النقاد أن هذ القيود التي تبدو في ظاهرها غير منسجمة مع طبيعة صناعة السينما قد تكون أيضاً أحد أسباب نقل السينما الإيرانية أكثر فأكثر بعيداً عن ما يسمي بالسينما التجارية و بزوغ تجربة سينمائية غير مسبوقة.

فيلمأين منزل صديقي؟ عام 1987 للمخرج عباس كياروستامي
فيلم(أين منزل صديقي؟) عام 1987 للمخرج عباس كياروستامي

تحدي حرب الخليج الأولي

حرب الخليج الأولي (1980_1988)، كانت من أهم وأخطر التحديات التي واجهت صناعة السينما في إيران بل وهددت بانهيارها مع تفاقم الأزمة الإقتصادية، في ظل هذه الظروف لم تتخلي الدولة عن هذه الصناعة، بل اتخذت بعض التدابير لمنع إنهيار هذه الوسيلة الثقافية الهامة، من أبرز هذه التدابير: توفير العملة الأجنبية لاستيراد المعدات الفنية، وتخفيض الضريبة على بيع الأفلام من 20% إلى 5%، منح 10% من الضريبة المحصلة على بيع الأفلام الأجنبية للإنتاج المحلي.

بيمان معادي و ليلي حاتمي أبطال فيلمإنفصال نادر و سيمين الحائز علي جائزة أوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية عام2012
فيلم (طعم الكرز)عام1997 لعباس كياروستامي و الحائز علي السعفة الذهبية من مهرجان كان

طفولة ونضج السينما الإيرانية

من أهم ما يميز هذه السينما في السنوات الأولي للثورة، أنه في ظل غياب النجوم، ومع مراعاة الأزمات الاقتصادية وضبابية أيدولوجية الثورة لدي الكثيرين، اختارت السينما الإيرانية في العقد الأول من الثورة وضع الطفل في المقدمة، كانت من أبرز هذه الأفلام التي يحتل فيها الطفل مكانة بارزة: the runner (1984) للمخرج (أمير نادري)، the white ballon (1995) للمخرج) جعفر بناهي).

الطفلة عايده محمدخاني من فيلم البالون الابيضعام1995 للمخرج جعفر بناهي
الطفلة عايده محمدخاني من فيلم (البالون الابيض)عام1995 للمخرج جعفر بناهي

في بعض الأحيان يواجه المخرج استحالة نقد المجتمع بشكل مباشر، فيلجأ لاستخدام الطفل كوسيلة غير مباشرة للاقتراب من عالم الكبار، مثل تجربة homework (1990) للمخرج(عباس كيارستامي)، حيث طرح اسئلة علي تلاميذ مدرسة حول اسلوب التعليم التقليدي، و مشاعرهم تجاه واجباتهم المدرسية، و حول أمية الأسرة وعدم مقدرتها علي مساعدة اطفالها في الدراسة، طريقة ملتوية لفهرسة المجتمع الذي ينشأ فيه هؤلاء الأطفال، سحر الطفولة وبراءتها تجذب انتباه المتفرجين خصوصاً المتفرج الأجنبي الذي سئم من الصيغ المبتذلة و المكررة للسينما الغربية.

مشهد من فيلم أطفال السماء
مشهد من فيلم (أطفال السماء)

استمر وجود الطفل علي الشاشة حتى العقد الثاني من الثورة، قبل أن تبدأ تدريجياً السينما الإيرانية بالإبتعاد عن طفولتها، خلال هذه الفترة ظهر نجوم مثل (هدية طهراني) التي اصبحت فيما بعد من أهم نجوم شباك التذاكر، وأصبحت السينما تستخدم الأسلوب المباشر في نقد المجتمع.

مشهد من فيلم أين منزل صديقي؟
مشهد من فيلم (أين منزل صديقي؟)

التسجيل الصوتي المباشر، إستخدام ممثلين غير محترفين، إقتحام كاميرة السينما لواقع المجتمع كما هو من خلال تجولها في الشوارع دون ترتيبات مسبقة، كل هذه الأشياء تُضاف إلى مميزات السينما الإيرانية في العقدين الأولين من الثورة، والتي صبغت السينما بطابع الفيلم الوثائقي الواقعي لأبعد الحدود.

فيلم دايره لجعفر بناهي .......و ما تعانيه المرأة بإيران
فيلم (دايره) لجعفر بناهي و ما تعانيه المرأة بإيران

شارك السينما الإيرانية في العديد من المهرجانات الدولية من العقد الثاني من الثورة، وكانت أهمها حين فاز taste of cherry (1997) للمخرج (عباس كياروستامي) على السعفة الذهبية من مهرجان كان.

فيلم طعم الكرزعام1997 لعباس كياروستامي و الحائز علي السعفة الذهبية من مهرجان كان
فيلم (طعم الكرز)عام1997 لعباس كياروستامي و الحائز علي السعفة الذهبية من مهرجان كان
المخرجين عباس كياروستامي و مارتن سكورسيزي
المخرجين عباس كياروستامي يتسلم جائزة من المخرج الكبير مارتن سكورسيزي في مهرجان مراكش

والآن

بعد مرور 41 عام من الثورة، يواصل الفن السابع بإيران محاولاته في التطور والتكيف مع المعايير العالمية في صناعة السينما، بالرغم من الأزمات التي لا تنتهي ابداً في تلك الجمهورية.

فيلمالسحلية للمخرج كمال تبريزي و الذي اثار جدلاً واسعاً بإيران و إتهامات بالسخرية من السلطة الدينية
فيلم(السحلية) للمخرج كمال تبريزي و الذي اثار جدلاً واسعاً بإيران و إتهامات بالسخرية من السلطة الدينية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى