رأي

استقالة على وقع التنمر الإلكتروني

 

إسراء الردايدة

 

يقول المهاتما غاندي: "الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء، وإلا لكنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء"، ومن هنا لا ينبغي أن نجعل آرائنا الحرة وتعبيراتنا وسيلة تعزز العداوة والكراهية.

 

 في ظل هيمنة منصات التواصل الاجتماعي وكونها المنبر المؤثر الأكبر اليوم في إيصال الأفكار ونشر الآراء فهي أيضا يجب ألا تكون وسيلة لتجاوز حدود الآخر، وهو تماما ما نصت عليه المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة (1948).

 

 وهي مرتبطة بحرية الرأي والتعبير كشروط أساسية مهمة في هذه المنصات وحق شرعي مكتسب لكل فرد، وبذات الوقت تؤكد الحق في حرية التعبير عن الأفكار والمعلومات بغض النظر عن الحدود.

 

 اليوم في عام 2020، ومع التطور التكنولوجي الذي من المفترض أن يعني توسعا في الأفق والحريات، عززت مشكلة احترام الآراء الشخصية والحريات الفردية في التعبير خصوصا للعاملين في مجال الفن والثقافة.

 

  مجالان لا يمكن إنكار أثرهما في تطوير الإنسانية وتوسعة مداركها وكسر قيوده الفكرية وتحريرها من الجمود، وبات كل من هو فاعل وناشط فيها يتعرض للظلم والقمع بسبب اختلاف مع أفكاره.

 

 وبدلا من الحوار الذي يعد ركيزة التواصل الإنساني، تتم الإدانة، ودون أي محاكمة تصدر أحكام تغتال الشخصيات، لاسيما في الوطن العربي، حيث هذه الحريات مقيدة إلى حد كبير مهما تعالت أصوات تقول عكس ذلك.

 

الأمر ليس دفاعا عن شخص أو اسم معين ولكن قرار استقالة المدير الفني النقاد أحمد شوقي لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي بدورته 42 المقبلة، بعد حملة واسعة من الانتقادات طالته مع إدارة المهرجان بسبب آرائه الشخصية، يلفت النظر لمدى التنمر الكبير الذي يمكن أن يتعرض له أي شخص مهما كان ذنبه، ويغدو العالم أجمع جلادا له.

 

 ويتناسى الجميع أن تلك الأخطاء مهما بدت غير مبررة ولا مقبولة هي رأي فردي، قابلة للتغير ويمكن الخوض فيها بطرق مختلفة للتعبير عن الاختلاف ولفت النظر للمآخذ عليها دون الإساءة للأفراد والتقليل من إنجازاتهم وتجريدهم من إنسانيتهم.

 

الفن وسية للتعبير والحياة كما هي السينما مرآة المجتمع، فنحن نسعى للعيش بسلام لا لنكون مثاليين، وتقبلنا للاختلاف وحتى الخطأ والتعامل معه بعقلانية من خلال وسيلة مؤثرة يعد سلاحا ذو حدين، وأمر حيوي ومهم اليوم كي لا نرتكب الخطأ نفسه!

 

 ليس كل ما نكتبه اليوم ثابت فالأفكار تتغير، والناس كذلك، وما كان بالأمس خطأ يمكن تصويبه ولو بعد حين للمضي قدما في علاقات مبنية على احترام الآخر ورأيه ومساحته، وخلافنا معها لا يعني أن نرد بالأذية.

 

فقمع الرأي لن يبني عالما جميلا ولن يجلب سوى الدمار.

وشعارات الحرية والمثالية لن تتحول لواقع مادامت أفكارنا لا تتوافق مع أفعالنا، الفن سلام، والفكر سلام.

 

إسراء الردايدة صحفية وكاتبة من الأردن

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى