رأي

اغتيال العرقية المصرية (صحيفة المصري اليوم نموذجاً)

محمد الإدريسي

لم تعد الحروب في عصرنا الحالي تعتمد فقط على الذخيرة والإمكانات العسكرية، بل إن الحروب أصبحت أشرس دون إطلاق رصاصة واحدة، فعلى سبيل المثال يمكنك عن طريق صفحة فيسبوك أو حساب فعال على تويتر أن تدمر رواسخ أمة كاملة، فقط قم بالكذب واجمع حولك الحمقى والدهماء وسوف تنشر ما تريد وستجعل لكذبتك قاعدة جماهيرية لا بأس بها!

هذا تماماً ما تقوم به حركة المركزية الأفريقية أو الأفروسنتريك Afrocentrism، وهي حركة أُسست في الولايات المتحدة بهدف إحياء الحضارة الإفريقية كما يزعمون وهم بلا ريب مجموعة عاهات متعصبة للعرقية السوداء، ومن أشهر منظريهم الأمريكي من أصل إفريقي موليفي كيتي أسانتي والسنغالي أنتا ديوب، هذه الحركة تزعم بأن المصريين القدماء ينتمون إلى العرق الأسود!

علم المصريات

ورغم أن جميع أقسام علم المصريات Egyptology في العالم ترفض نظرياتهم الخرقاء، لأنها نظريات وهمية لا تملك أدنى مقومات الأدلة المخبرية أو الأركيولوجية، بل بالعكس كل تلك الأدلة ضدهم، إلا أنهم يسوقون لفكرتهم عبر الصحافة والإعلام بمختلف أشكاله، يستغلون سطحية جزء لا بأس به من القاعدة الجماهيرية في البلاد المستهدفة ويراهنون على سذاجة المتلقي.

لدرجة أن بعض أتباع تلك الحركة لا يؤمنون أصلاً بفحوصات الحمض النووي DNA وعندما تثبت لهم أن كذبهم أصبح مكشوفاً سوف يتهمونك مباشرة بالعنصرية ومُعاداة السود، ويساعدهم في غيهم هذا أحزاب اليسار والصحف التابعة لهم بمنطقية الصوابية السياسية.

يؤمن الأفروسنتريك أن مصر هي أرضهم الموعودة وهم يصرحون بذلك علانية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقاموا سابقاً بشن حملات تشويه عبر تويتر تحديداً تنادي بطرد المصريين الحاليين من بلادهم!!

وبعد هذا التفصيل حول ماهية تلك الحركة وماهية أهدافها، نأتي الآن لاستعراض الجهل المقدس الذي تعاني منه الصحافة المصرية للأسف، وهذا الجهل يساهم عن عمد في الترويج لتلك الخرافات.

خرافات المصري اليوم

في يوم 22 فبراير 2021، نشرت جريدة (المصري اليوم) عبر صفحتها الموثقة على فيسبوك مقالاً تدعي فيه أن إخناتون وزوجته نفرتيتي كانا سوداوي البشرة!! هذه الكارثة قامت بها للأسف الصحفية المصرية “سارة سيف النصر” عندما نقلت رسوم مُعالجة عبر الذكاء الاصطناعي لوجهي الملك وزوجته تصورهما بملامح ذات بشرة سوداء فجة على خلاف الواقع، تلك الرسوم قام بها المصور الهولندي “باس أوترڤيك” غير المتخصص بعلم الآثار وغير المؤهل أساساً ليكون مصدراً لمعلومة شديدة الدقة أكاديمياً كهذه، فضلاً عن كونه متعاطفاً مع حركة الأفروسنتريك وهذا يغنينا عن أي مقال.

هذه السقطة هي اغتيال مباشر للعرقية المصرية، ومن قام بهذه الجريمة لا يُعذر بجهله، فهو كونه صحفي فقد اختار بإرادته أن يتصدر الميدان الثقافي والخبري، ولا يمكن أن يسمح أي مجتمع مُنصف يحترم تاريخه ويتطلع لمستقبل أفضل أن يمتلك محدودي الثقافة منصات بحجم جرائد لينشروا الهراء وغثيث القول ويتحولوا لسكين ينحر عنق الهوية الوطنية، ولكن في مصر للأسف هذا النوع من الصحافة موجود!

نأتي الآن لتبيان علاقة المصريين القدماء بالأفارقة السود، وفي الأغلب كان التعامل المباشر مع كوش -شمال السودان حالياً- أكثر من غيرها.

جدارية الهدايا

دعونا نستعرض معاً لوحة جدارية غنية، ذات أهمية كبيرة من مقبرة طيبة TT40  لـ(أمنحتب) المسمى (هوي)، وهو نائب الملك في «كوش» تحت حكم الملك (توت عنخ آمون): «ويصور المشهد وصول (هوي) والعديد من أفراد العائلة المالكة الكوشية إلى بلاط الملك في طيبة لتقديم الطاعة والولاء لمصر، وهم يجلبون القرابين والهدايا والجزية من الأراضي الجنوبية إلى الملك المصري -لاحظ الفنان أراد تمييز المصريين والكوشيين حسب لون بشرتهم- وتشمل الهدايا منتجات كوشية من الأثاث الفاخر، والدروع المغطاة بجلد البقر، وجلد الفهد، والأقواس، والعربات، والذهب، والجلود الغريبة، والعبيد، وحتى الحيوانات مثل الأبقار والزرافة».

تعكس هذه الجدارية عظمة وقوة مصر القديمة وتفوقها على الممالك المجاورة لها، وإجبارهم على فروض الطاعة والولاء وتقديم القرابين والهدايا، فعجباً لمن يقولون بأن أرض مصر ملك لهم! ونشاهد في السطر الأخير من اللوحة أن المصريين يدخلون من الباب الملكي بينما الكوشيين يدخلون من البوابات العادية، وهذا يدل على أن في السطر الأخير من اللوحة المصريين والكوشيين شعبين مختلفين عرقياً.

لوحة الحدود الخالدة

يعد «سنوسرت الثالث» أو «خع كاو رع»

عند المصريين من أشجع ملوكهم الذين خاضوا حروب طاحنة دفاعاً عن حدود مصر من جهة الجنوب ضد السودان، ومن جهة الشمال ضد الأسيويين، غير أن الحروب التي قام بها جنوباً كانت شغله الشاغل طوال مدة حياته، من أجل ذلك عدَّه المصريون من أكبر غزاتهم، حتى إنهم ألَّهوه فيما بعد.

هذا وقد نقش سنوسرت الثالث تفاصيل حملاته جنوباً ورؤيته الخاصة بالعرق الأسود ووصاياه لأبناء مصر على لوحة الحدود الخالدة، حيث فيما يلي ترجمة جزء مما تحويه اللوحة حرفياً:

(إن السود ليسوا بقوم أشداء ولكنهم فقراء كسيرو القلب، ولقد رآهم جلالتي، وإني لست بخاطئ في تقديري، ولقد أسرت نساءهم، وسُقت رعاياهم، واقتحمت آبارهم، وذبحت ثيرانهم، وحصدت زرعهم؛ وأشعلت النار فيما تبقى منها. وبحياتي وحياة والدي لم أنطق إلا صدقًا، دون أن تخرج من فمي فرية. وكل ولد أنجبه ويحافظ على هذه الحدود التي وصل إليها جلالتي يكون ابني، وولد جلالتي، وألحِقه بنسبي، وإن من يحافظ على تخوم الذي أنجبه، يكون منتقماً لأبيه حقّاً، أما من يتخلى عنها، ولا يحارب دفاعاً عن سلامتها فليس ابني ولم يولد من ظهري.)

هل هناك أوضح من هذا على عدم وجود صلة عرقية بين المصريين والأفارقة أصحاب البشرة السوداء؟

الحمض النووي DNA يتحدث

١- الغالبية العظمى من المصريين الحاليين وبنسبة (77.3 %) على الأقل يحملوا نفس الصفات الچينية للمصريين القدماء.

٢- أما الصفات الچينية المنتمية لشعوب الشرق الأدنى فنسبتها حوالي (10.3 %).

٣- وأما الصفات الچينية الأوروبية فنسبتها حوالي (5.5 %).

والنسبة الباقية (6.9 %) موزعة على صفات چينية متباينة من أصول مختلفة غير محددة المنشأ، بمعنى أنها موجودة في كل العالم لكن المنشأ غير معروف.

٤ – توزيع فصائل الدم في مصر في العصر الحالي يوضح أن الجماعات السكانية متجانسة تماماً، ولا يوجد أي فروق ذات دلالة إحصائية بين المسلمين والمسيحيين، فالفحوص المقارنة للرأس ومقاييس الجسد (البشرة – الشعر – العين – الأسنان.. إلخ) تصل بنا دائماً لنتائج متطابقة.

٥- باختصار كان لمصر هيئة چينية واحدة وراسخة قبل ظهور الأديان السماوية الثلاثة وهذا سمح للجينات بالبقاء رغم الاجتياحات البشرية القادمة من الشرق أو الشمال، فصورة الحمض النووي المصري كانت حينها في طورها النهائي لذلك استطاع الچين المصري التسيد على البقية بنسبة تفوق 60% على أقل تقدير، لدرجة أن بعض الدراسات قدمت طرحاً مفاجئاً بأن الحمض النووي للمصري القديم يُماثل الحمض النووي للمصري الحديث بنسبة 90%.

شهادات العلماء

العالم “ستيفين كون” عالم الأنثروبولوجيا الطبيعية، يقول في كتابه “أعراق أوروبا”:

“لا بد أن تظل مصر القديمة أبرز مثال معروف في التاريخ وحتى الآن لمنطقة معزولة طبيعياً، أتيح فيها لأنواع الجنسية المحلية الأصيلة أن تمضي في طريقها لعدة آلاف من السنين دون أن تتأثر إطلاقاً باتصالات أجنبية”

وكلام ” كون ” يؤكده العالم والباحث الأثري المعروف “برودريك” في كتابه “شجرة التاريخ البشري”:

“من الواضح طوال الستة آلاف سنة الأخيرة أو يزيد أنه لم يكن هناك أي تغيير ملحوظ في مظهر عموم المصريين، فالبراريون وأهل حضارة نقادة الأولى والثانية ومصريو الأسرات والفلاحون الذين نراهم يعملون في الحقول اليوم كلهم من نفس النمط القاعدي المتوسط”

أما عالم الأنثروبولوجي وأحد مؤسسي علم التشريح “أرثر كيث” في كتابه “نظرية جديدة عن التطور البشري” يجزم بالاستمرار الچيني للمصريين حيث يقول:

“المصريين ليسوا فقط أقدم أمة سياسية في التاريخ، ولكنهم أيضاً جنس بكل معني الكلمة. ولكن ليس هناك شيء اسمه النقاوة الجنسية عموماً، بل إننا ليمكننا أن نذهب إلى حد القول بأنه ما من شعب، مهما كان منعزلاً أو معزولاً، إلا وهو مختلط بدرجة أو بأخرى.. وإن كان النمط الجنسي المصري قد امتاز بالثبات لا شك”

الأمة المصرية لا يمكن اغتيال هويتها، الأمة المصرية ستظل دائماً محتفظة بنفس الدماء التي سرت في عروق بناة الأهرام إلى منتهى الزمن.

المصادر والمراجع العربية:

١- سليم حسن، موسوعة مصر القديمة (الجزء الثالث): في تاريخ الدولة الوسطى ومدنيتها وعلاقتها بالسودان والأقطار الآسيوية والعربية.

٢- جمال حمدان، شخصية مصر.

٣- سليمان حزين، تاريخ الحضارة المصرية: العصر الفرعوني.

٤- صفحة القومية المصرية على فيسبوك.

المصادر والمراجع الأجنبية:

Frank Yurco, “An Egyptological Review” in Mary R. Lefkowitz and Guy MacLean Rogers, eds. Black Athena Revisited. Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1996. p. 62-100

Genetics, Egypt, and History: Interpreting Geographical Patterns of Y Chromosome Variation

History in Africa, Volume 32, 2005, pp. 221-246 (Article)

Published by African Studies Association DOI: 10.1353/hia.2005.0013

http://muse.jhu.edu/journals/hia/summary/v032/32.1keita.html
http://wysinger.homestead.com/keita.pdf

History in the Interpretation of the Pattern of p49a,f TaqI RFLP Y-Chromosome Variation in Egypt: A Consideration of Multiple Lines of Evidence S.O.Y. KEITA*

National Human Genome Center at Howard University, and Department of Anthropology, Smithsonian Institution, Washington, DC 20060

http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/16136533
http://wysinger.homestead.com/keita6.pdf

” Clines and clusters versus “Race:” a test in ancient Egypt and the case of a death on the Nile “

American Journal of Physical Anthropology , Volume 36, Issue Supplement 17, pages 1–31, 1993

http://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/ajpa.1330360603/abstract
http://wysinger.homestead.com/brace.pdf

” Y chromosomal haplogroup J as a signature of the post-neolithic colonization of Europe “

Department of Biology, University “Tor Vergata”, Rome, Italy

Hum Genet (2004) 115: 357–371 , DOI 10.1007/s00439-004-1168-9

http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/15322918
http://www.familytreedna.com/pdf/HaploJ.pdf
http://www.springerlink.com/content/82u750arj33bmnta/

“Tracing Past Human Male Movements in Northern/Eastern Africa andWestern Eurasia: New Clues from Y-Chromosomal Haplogroups E-M78and J-M12”

The Author 2007. Published by Oxford University Press on behalf of the Society for Molecular Biology and Evolution

http://www.academia.edu/392850/Tracing_past_human_male_movements_in_northern_eastern_Africa_and_western_Eurasia_new_clues_from_Y-chromosomal_haplogroups_E-M78_and_J-M12

” Mitochondrial DNA Sequence Diversity in a Sedentary Population from Egypt “

Annals of Human Genetics , Volume 68, Issue 1, pages 23–39, January 2004

http://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1046/j.1529-8817.2003.00057.x/full

” mtDNA analysis of Nile River Valley populations: A genetic corridor or a barrier to migration? “

Am. J. Hum. Genet. 64:1166–1176, 1999

http://genapps.uchicago.edu/labweb/pubs/krings.pdf

” Egypt;Y-chromosome haplotypes;Nile River Valley “

American Journal of Physical Anthropology , Volume 121, Issue 1, pages 63–66, April 2003

http://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/ajpa.10190/abstract
http://wysinger.homestead.com/haplotypes_in_egypt.pdf

“The Racial History of Egypt and Nubia”

The Journal of the Royal Anthropological Institute, 75:1945, pp. 81-101; 76:1946, pp. 131-56),

http://www.catchpenny.org/race.html

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى