نقد

«الإيرلندي» التشكل والاستلاب في بوتقة المافيا

نوار عكاشه

 

فتنة لا تخبو، مبهجة بِحكائيتها وكيفيتها، تُقاس بِتوسع الحدقات والكيلومترات الذهنية، إنّها أفلام العصابات الراسخة في السينما مذ كانت، جزء من نوعية، نوع أفلام الجريمة بِما تحمله من عناصر التشويق والمتعة والانعكاسات اللاذعة للذوات.

 

يعود المخرج الأمريكي «مارتن سكورسيزي» (1942) لِذاك الجزء المرتبط بِمسيرته الممتدة عقوداً من أفلام غيّرت النظرة التي كانت سائدة لهذا النوع، من التجارية الجماهيرية إلى الفنية القيّمة، إنّه جيل «فرانسيس كوبولا» أيضاً، صاحب تحفة «العرّاب» التي قلب بِها مفاهيم القبول والاهتمام بِتلك النوعية، فيلموغرافيا سكورسيزي زاخرة بِرصيد سينمائي على أرفع المستويات أحدثت فرقاً جوهرياً في التقبل الانتاجي والجماهيري، فَهو صاحب (سائق التاكسي، الثور الهائج، صحبة طيبة، كازينو، عصابات نيويورك، المغادرون، ذئب وول ستريت…)، وها هو يقدم أحدث أفلامه «الأيرلندي» (2019، 209د) عن التشكل والاستلاب في بوتقة المافيا وتضامنيتها مع السياسة، صفعة قبل الرحيل لِمن اِجتُث عن نفسه حتى فقد الشعور.

 

 

أنساق سرديّة زمنية متقاطعة

 

تغوي الحقائق وشخصيات أحداثها سكورسيزي دوماً، ينبش في دهاليز قصصها ويُطّعِمها بِروحه السينمائية، في «الإيرلندي» يُوكل كتابة السيناريو لِلكاتب «ستيفن زايليان» الذي سبق أن تعاون معه في فيلمه «عصابات نيويورك»، ويطلب منه تحويل كتاب «سمعت أنّك تطلي المنازل» للمحقق والمدعي العام السابق «تشارلز براندت» لِسيناريو سينمائي، الكتاب يقدم اعترافات شخصية حقيقة تُدعى "فرانك شيران" وهو بطل الفيلم الذي أدى دوره "روبرت دينيرو"، مذ كان جندياً في الجيش الأمريكي بِإيطاليا إبان الحرب العالمية الثانية حتى العام 2003 السابق لوفاته، بِكل ما مرّ من انغماسات وتورطات ونجاحات، وصداقات… في عالم المافيا الإيطالية الحاكمة بِشكل يبدو محكماً للسياسة الأمريكية طوال عقود من الزمن!

 

 

رحلة عبر الزمن يأخذنا بِها الشريط بِأنساق سردية زمنية متقاطعة لِشخصية صلداء، البداية مع المضارع التام الذي يتحول لِمستمر في النهاية، نرى "فرانك" جالساً على كرسيه وقد أنهكته السنون يروي اعترافات لِشخص لا نتعرف بِه حتى الدقائق الأخيرة من الفيلم، يرافقنا صوت فرانك طوال الشريط كَمُرشد يُنبهنا كي لا نتوه وسط الدوامة السردية متعددة الأزمنة.

 

تلك الاعترافات هي حكاية الفيلم، ولها حصة الأسد من الزمن الكُلّي للشريط، تغوص في الماضي بمراحل عدة زمانياً، متشعبة ومتجاورة تضج بالأحداث المتصاعدة، ننتبه في أقدمها لِفرانك شاباً جندياً في البحرية الأمريكية بِايطاليا يقتل الأسرى بِدم بارد بعد أن يجبرهم على حفر قبورهم بأنفسهم تنفيذاً لأوامر قادته، إنّها الحرب! تُقسي القلوب وتُجمِد الدماء في العروق، فَتُحيل البشر إلى أشباه.

 

 

من ذاك المشهد نُمسك طرف خيط الشخصية، نعود، رحلة طريق في العام 1975 تجمع فرانك وشخص يُدعى"راسل بافالينو" يؤدي دوره "جو بيسكي" لِحضور زفاف نكتشف لاحقاً أنّها رحلة المهمة الأصعب في حياة فرانك، نتعمق في الماضي ونتتبع فرانك في مطلع الخمسينيات، ونتعرف على ظروف ودوافع عمله، من سائق إلى رجل مافيا، لاشك أن نسبة الخوف والعاطفة منخفضة لِمن عاد حديثاً من الحرب مُعتاداً الطاعة.

 

وفي عمر الشباب يأخذ الطموح من كان بذاك العُتْل للانخراط سريعاً في أخوية العصابات والمافيات بِعالمها المثير حيث السلطة والمال والنشوة في أبهى صورها، يتعرف فرانك بِراسل، يُلقي سريعاً فروض الولاء ويتخذه عراباً لهُ، يتلاشى شخصه في تضامنية المافيا، ويغدو أداة متقدة وحاضرة دوماً لتنفيذ الأوامر دونما جدال، حتى أنّ نظرة واحدة من راسل تصبح كفيلة بتنفيذ مهمة دونما نقاش في تفاصيلها!

 

 

مع تطور دور فرانك في المافيا يصبح مُهيئاً لِمهمات أكبر، يطلب منه راسل حماية حليف هام، هو "جيمي هوفا" أداء "آلبتشينو"، رئيس نقابة سائقي الشاحنات الذي تربطه ونقابته علاقة وثيقة بالمافيا، كما يرتبطان بشكل وثيق بالسياسة الأمريكية وحُكمها.

 

تعارف فرانك وجيمي وتعاملهما يتطور لمستوى الصداقة، شخصياً وعائلياً، يقضيان أغلب الوقت سويّة، يحققان المنافع المتبادلة في العمل، لا حدود بينهما ولا أبواب مغلقة، يصلان لعتبة الثقة المطلقة، وهنا الخطأ في عالم العصابات وشهدنا عواقبه في الثلث الأخير من الفيلم.

 

 

هناك قوانين متبعة في الأخوية المافوية، دستور متعارف عليه، أو ما يمكن تسميته "أخلاقيات المافيا"، الفرد يذوب في الجماعة، مصلحته الشخصية جزء ضئيل من المصلحة العامة ويُهدَر ببساطة حين الضرورة، ذاك ما تمرد "جيمي" عليه مدفوعاً بِغروره، فَنال جزاءه وتحول لِرماد انتثر دون أن يُعرف له عنوان، أما فرانك فَكان الأكثر حكمة، الحكمة هنا تعني الخضوع والاستجابة والعبودية، وقد أدرك ذلك مُعتبراً أنّه عمله، القتل أياً كان القتيل عمل! والشماعة التي تعلق عليها ضميره هي الأُسرة وتأمين حمايتها ومتطلباتها.

 

سيكولوجيا الإجرام البارد

 

فرانك مجرم بِدم بارد، إنسان مهجن يحترف القتل والضرر، البذرة كانت في الحرب، وحين العودة للوطن؛ نمت بِعناية ورعاية مُعلم ذو شأن وخبرة في الإجرام، في البدء كان إنساناً بالفطرة، لكنه تحول بِفعل الظروف والمغريات إلى آلة تُنفِذ أوتوماتيكياً ما يُوعَز لها، بالتأكيد ليس بطلاً في المفهوم الأخلاقي السليم، إنّه نقيض البطل، هذه هي تيمة الفيلم، التضاد، يضع سكورسيزي الشخصية الرئيسية بِفيلمه تحت المجهر، ينهال عليها بالأحداث ثمّ يسألها عمّا كانت وما أصبحت، ماذا فعلت وما مبرراتها وما اكتسبت؟ بحث في سيكولوجيا الإجرام البارد.

 

 

هو ذا تفوق «الإيرلندي» عن سابق أفلام سكورسيزي، تلك النهاية الآسرة للفيلم، دعوة للتأمل في القسم الختامي ونحن نرى فرانك وقد أنهكه الزمن، نكتشف أنّه يروي اعترافاً بآثامه لرجل دين في مأوى العجزة، متروكاً هناك وحيداً، كان الفيلم قد أسس لتلك النهاية في تفاصيل عديدة، العائلة لدى رجال المافيا ثانوية الاهتمام وإِنْ كانت حجة لما يفعلون، هجر الزوجة وضيق الابنة من عمل والدها، الجميع يتخلى عن الشخصية السلبية، فَهل آن الأوان للإحساس بالندم؟ المعضلة فقدان الإحساس، وحتى في أحلك الظروف وهبوط الحياة قبيل الرحيل؛ يستعصي الندم على من قضى عمره في تلك المهنة الوحشية، ولكن لندع الباب مفتوحاً، ربما يتسرب الأمل.

 

 

عناصر فنية تتناغم في زحمة الثراء

 

كم هائل من بديع الصور والأفكار يغتني بها الشريط، سيناريو مركب بِنضج وثقل، حذر ومعطاء، يعطي ويعطي بِرتم فريد، حوارات ترسم الشخصيات وتستدعي الصور، ثراء مزدحم يتناغم مع العناصر الفنية لانتاج شريط فخم، تعدد الخطوط السردية في مساحة الشريط الزمنية الطويلة أمر يصعب ضبطه، ليست المواد الزمنية المتنقلة هي العائق الوحيد، إنّما وحدة الزمن الفيلمي.

 

المقصود هو ضبط الإيقاع، القطع والتنقل بِرشاقة وسلاسة، الفيلم مثال يُدَرَس على ذلك، ضجيج سينمائي تمّ كبحه بإحكام بِتوليف أبدعت بِه المونتير "ثيلما سكونماكر" التي أصبغت الفيلم بِتكنيكها المونتاجي، تعاونها المثمر مع سكورسيزي، يُعد أطول تعاون بين مخرج ومونتير حتى اليوم، خمسة عقود من العمل المشترك، وهي صاحبة 7 ترشيحات للأوسكار، حاصلة على 3 منها.

 

 

أما التصوير فَكان من إبداع المكسيكسي "رودريجو برييتو" الذي أجاد بِكاميراته التقاط الشخصيات بِكامل حيويتها، وأتقن عيارات زواياه بِأدق الدرجات، كما إتقانه ضبط فوتونات أجهزة الإضاءة بِما يتناسب مع ضرورات كل مشهد، تصدى للزمن وهي معركة خطرة، فالشخصيات بِمراحل عمرية مختلفة دون أن يتبدل مؤدوها.

 

لذا استعان في المشاهد التي تتطلب عمراً أصغر؛ بِمنصة معقدة مكونة من 3 كاميرات مركبة على كاميرا مركزية سُميت "الوحش ذي الرؤوس الثلاثة"، اثنان منها تعملان -مع حلقات إضاءة- بالأشعة تحت الحمراء، كما استعان سكورسيزي باستوديوهات "Industrial light and Magic" للمؤثرات البصرية التي استخدمت برنامج رقمي لتصغير سن الممثلين استغرق عامين في التطوير، أثناء عملية ما بعد الإنتاج لم يتغير شيء في أداء الممثلين، قام البرنامج أولاً بصناعة طبقة أساسية للوجوه ومن ثمّ أنتج مضاعفات رقمية استناداً إلى ما تم التقاطه داخل الكاميرا، لكن تلك التقنية لم تُؤتِي النتيجة المطلوبة، ولم تقنع المتفرج بِما يكفي.

 

 

للأداء التمثيلي الرفيع حظوة في الشريط، ثلاثة من كبار نجوم السينما يقفون تحت إدارة مخرج عظيم، أعمارهم المتقدمة ليست سوى أرقام من الخبرة والاحترافية، تصدى "روبرت دينيرو" للشخصية الرئيسية بِاقتدار، لكنه لم يُوفَق جسمانياً في المشاهد التي تطلبت عمراً صغيراً، بينما في العمر المتقدم تطلبت الشخصية هدوءاً واتزاناً أتقنه، مع اشتغال على الصوت بدا بِهِ جُهده؛ وقع بِثغرة بيان الجهد وهو أمر محظور في حسن الأداء، بينما جاء أداء "جو بيسكي" مثلجاً للصدور ببراعته وعمقه، تلك النظرات التي يرمق الجميع بها مُحيرة في هدوءها وصلابتها ولطافتها أيضاً، نظرات رجل مافيا بِحق، وتنقلاته الحركية تُعرِف بِه شخصية عظيمة الشأن تُهاب، أما "آلبتشينو" فَهو يثبت على الدوام أنّه وحش الشاشة الكبيرة، حضوره لا يشبه أي حضور، يكتسح الكوادر ويستأثر بِها، آخاذ بِأفعاله وردوده وتجلياته.

 

 

ومن العناصر الفنية التي تلامسك بِحساسية عالية؛ الموسيقا التصويرية، استعراضية موائمة للأحداث المتتابعة، ولِثيمة الشريط في تصاعده وصداماته، تتفاعل مع التحركات ببانورامية رهيفة، يلفتنا أيضاً الانتاج الفخم، الديكورات البازخة والكوادر الغنية، يمكننا القول أنّ فريق تصميم الانتاج استطاع خلق مرحلة بِشكل تام.

 

 

تشابكات المافيا والسياسة

 

نتتبع في خلفية الفيلم أحداث وتحولات سياسية شهدتها أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، خارجية متوترة بعد غزو كوبا وداخلية متخبطة بالرئاسة وتبدلات البيت الأبيض واغتيال كيندي، المافيا مشاركة دوماً، يُعرفنا الشريط على دورها، فَمصالحها فوق الجميع، والأمان شرط لِازدهارها، ذلك استلزم دعمها للمعارضة الكوبية بالسلاح، كما استلزم ضمان مصالحها الداخلية بِاستلام البيت الأبيض رئيساً يحتلف معها، حتى لو اضطرت لتزوير الانتخابات، ولا مانع من اغتيال الرئيس كما ورد في الفيلم حين يقضّ مضاجعها.

 

 

هذا في الأحداث، فَماذا عن بواطن الشخصيات وما الفرق بين أفراد العصابات والسياسيين؟ لا فارق بينهما سوى التسميات الوظيفية، شخصيات رتيبة محاطة بالغموض، المصلحة أولاً وتعلو فوق الجميع، البشر أرقام، القتل بِنظرهم هو النهاية الوحيدة للحياة ولَمِن المستغرَب أن يموت إنسان بِطريقة طبيعية! لهم خصوصية في نظام تعاملاتهم وأخلاقياتها، لا أمان ولا ائتمان، حكاؤون بِحكم حذرهم، فالكلمة تخرج ولا تعود، لا تترك أثراً، لاسيما حين تُنطَق بِلُغتهم الخاصة، أو لِنقُل لغة أمريكا الخاصة.

 

الفيلم مرشح ل 10 جوائز BAFTA و10 جوائز OSCAR

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى