نقد

الاستعمار التركي و”خلافة الدراما”

مصطفى الكيلاني

إذا كان من الممكن أن نمارس طقوسا شيعية في يوم من الأيام، فعلينا أن ندمي أنفسنا كما يفعلون في أعيادهم، بسبب سماحنا بعودة الاستعمار التركي الدموي لمنطقتنا، بعد أن فتحنا لهم الباب طواعية في بداية الألفينات.

علينا أن نضرب أنفسنا بكل ما تطاله أيدينا، ونغلق جرحنا بالملح، حتى يترك الجرح آثارا على أجسادنا تذكرنا بأن المستعمر التركي لم يبذل أي مجهود في التموقع داخل بلادنا، سوى أنه قدم لنا مسلسلات، دعم وجودها غلمانه الذين زرعهم في القنوات العربية، سوقت لنا “الحلم التركي”.

كتبت عدة أقلام منذ بداية الألفية عن الغزو التركي، وقدمت وصفا تفصيليا لما سيحدث بعدها، ولكن لا أحد استطاع أن يستوعب مدى الخطر المقبل، حتى أصبحت تركيا الآن تسيطر فكريا على ملايين العرب، وفعليا تتحرك في ليبيا وسوريا واليمن وقطر والعراق والسودان، وأصبحت على حدود مصر وتونس والجزائر والسعودية والكويت والإمارات وعمان.

سوريا

فتحت سوريا الباب أمام غزو تركي من خلال الدراما، عملت الدولة السورية ضد نفسها، لدرجة تجريم الحديث عن مذبحة الأرمن، من الأرمنيين السوريين، وسمحت بدخول المسلسلات من بوابتها إلى باقي الوطن العربي، وكانت هي أولى ضحايا ذلك الاستعمار.

تم استقبال الأعمال التركية وكأنها المنقذة، فأوقفت القنوات الخليجية شراء المسلسل المصري لصالح التركي، وتوقفت بعض قنوات شمال إفريقيا عن الإنتاج وفتحت الباب لاستعمار أدمغتها، مع وجود ظهير إسلامجي يتغلغل في المجتمع ليطرح المستعمر التركي بديلا عن الأوطان، ويقدم النموذج التركي بديلا عن القيادة الوطنية.

ظهير شعبي

أصبح للعثمانلي ظهيرا سياسيا وشعبيا قويا، وأجيال كاملة تكون وعيها على ما يقدمه المسلسل التركي من عنف ودموية وزنا محارم ومهانة للمرأة، لدرجة أن الممثلة التركية الشهيرة لدى العرب بيرين سات أشارت في أكثر من لقاء صحفي أنها غير راضية على ما يتم عرضه في الشاشة التركية من مسلسلات تشجع على تعنيف النساء واضطهادهن.

تلك الأجيال التي تربت على المسلسل التركي، تخرج جماعات في مظاهرات وداخل صفحات التواصل الاجتماعي لكي تدعم المستعمر التركي ضد بلدها، بحجة ما أسموه “الخلافة الإسلامية”، وكأن الخلافة الراشدة كانت في تركيا، وكأنه لم تكن هناك خلافة في المدينة ودمشق وبغداد والقاهرة، ولا عجب في أنهم يحرفون القرآن والحديث لكي يثبتوا أن تركيا فقط تمثل الإسلام، ولا نستغرب أن هناك أجيالا ستخرج فيما بعد لتحدثنا أن نبي الإسلام كان تركيا، مثلما يتحدث مجتمع السود في أمريكان أن النبي محمد كان من إفريقيا.

مكاسب تركيا

وبعيدا عن الخسارات في المجتمع العربي من تبعية الأدمغة لما تقدمه تركيا، فهناك مكاسب على الجانب الآخر، أهمها أن تركيا بلغت إيراداتها من بيع مسلسلاتها ما يقترب من مليار دولار عام 2020 من العرب فقط.

وذكر مقال على أحد المواقع التابعة للحلف التركي أن الأعمال الدرامية التركية أدت إلى وصول عدد السائحين العرب ما يزيد عن 3 مليون سائح عربي في العام، ومن الخليج وحده أكثر من مليون يزورون تركيا سنويا، حتى بعد المقاطعة، مازال هناك الكثيرين من مسلوبي العقل ممن يدعمون الاقتصاد العثمانلي والسياحة التركية.

بخلاف زيادة صادرات تركيا من الملابس والإكسسوارات في دول الشرق الأوسط، وافتتاح فروع كثيرة للماركات التركية في معظم الدول العربية بعد زيادة الإقبال الشعبي على ما يشاهدونه في المسلسلات والأفلام التركية، وتحول العثمانلي إلى علامة هامة في “الموضة الإسلامية” التي اخترقت الأسواق العربية مؤخراً بالتزامن مع الغزو الدرامي.

مسلسلات العثمانلي أدت أيضا إلى إقبال المواطن السعودي على اقتناء الأثاث الذي يشاهده فيها، ما أدى إلى زيادة واردات السعودية من الأثاث التركي من 81.2 مليون دولار عام 2013 إلى 159.7 مليون دولار عام 2015.

جزيرة الأميرات

واشترى الأثرياء العرب منازل في تركيا بأرقام خرافية وخاصة في جزيرة الأميرات، بعد أن تم تقديمها في أكثر من 10 مسلسلات تركية.

ووصل الأمر بتأثير الدراما التركية إلى أن العرب أصبحوا يسمون أبنائهم بأسماء شخصيات المسلسلات، أو الممثلين الأتراك، وتناسوا تماما الجرائم التي ارتكبها الاستعمار التركي ضد المنطقة، وجعلها تتراجع أكثر من 1000 سنة في سلم التطور البشري، بعدما سحب منها كل الأدمغة والأطباء والمهندسين والعمال المهرة، لكي يبني مدنه ويعالج شعبه، وتعمد إفقار مستعمراته وتجهيلها.

الدراما التركية هي واجهة جيش الأطماع التركية في المنطقة العربية، ويجب مواجهته بقوة، وغلق كل الأبواب أمامه، سواء على القنوات أو في وسائل التواصل، وتقديم منتج من المسلسلات والأفلام يغطي جوع المواطن العربي لمنطقتي الرومانسية والبطولة، التي غلف العثمانلي رسائله المبطنة داخلها.

لدينا الكثير من الأبطال العرب، وبدلا من أن يتم صرف المليارات على تقديم منتج درامي ضعيف، علينا فتح الباب أمام دعم كامل لمنتج مصري سوري لبناني خليجي بمواصفات عالمية، وترويجه بكل الطرق، ولدينا مثال مسلسل “الاختيار” في مصر، لو صنعنا مسلسلات على مثاله من كل قطر عربي، لكان لدينا حصيلة كبرى تقف أمام الغزو الثقافي العثمانلي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى