نقد

البار الإسباني ووحشية النفس البشرية-الغرب وقت الازمة

 

ضياء حسني

وسمت الحضارة الحديثة، والتي تتصف بأنها غربية، نفسها بأنها أعلى مراحل الإنسانية وتقدير النفس البشرية، في مواجهة حضارات أخرى تتسم بعنف ووحشية أقرب إلى قوانين الغاب. ولكن الفيلم الاسباني "البار أو الحانة" يقدم لنا رؤية صادمة لمدى زيف تلك الصورة التي يروجها الغرب عنه نفسه، وأن في مرحلة الأزمة يتحول الجميع لوحوش متناسيين تلك الرقة الإنسانية، التي يتسم بها سلوك أفراد تلك المجتمعات، والتي تنهار عند مواجهة الخطر، فيصبح الشعار المسيطر في تلك اللحظة كلا ينجو بنفسه. الفيلم من إخراج ذلك المخرج الإسباني المثير للجدل، "اليكس دي لاجلاسيا"، والذي يثير جدلا كبيرا مع كل فيلم جديد له منذ فيلمه (النزهة التعيسة 2010) الحائز على جائزة الدب الفضي لمهرجان برلين.

 

 

تدور أحداث الفيلم في داخل حانة الحي، أو المقهى الأوربي الشهير، حيث يمكث المارون لشرب فناجين القهوة، أو أقداح الشراب. داخل تلك الحانة أو المقهى تجتمع مجموعة مصغرة من المجتمع في مواجهة خطر ما، وهنا الوضع مثل الحال مع أفلام فقدان حافلة في الصحراء، أو سقوط طائرة في مكان ناء، مع معاناة الباقين على قيد الحياة، أو حتى اجتماع مجموعة داخل مصعد معطل ومحاولتهم النجاة بأروحهم.

 

يبدأ الفيلم مع هذا الجمع المتناقض المتنافر الذي يجتمع داخل الحانة، رجل أعمال، وشاب عصري يمتلك كل تكنولوجيا الاتصال الحديثة المحمولة، وفتاة جميلة رمز لفتيات العصر العاملين في الشركات الكبرى، صاحبة الحانة المستبدة، ساقي الحانة المطحون، سيدة في سن اليأس شديدة البخل، بائع متجول، ثم، لتكتمل الصورة، متشرد من قاطني الشوارع، الذي تمتلئ بهم أزقة المدن الكبرى في أوربا.

 

 

تسير الأمور عادية حتى لحظة خروج أول زبون في تلك الحانة للشارع، ليتلقى طلقة في رأسه من قناص غير مرئي ترديه قتيلا في لحظة.

 

هنا تبدأ التساؤلات، ماذا يحدث؟ هل نحن أمام عملية إرهابية مثل تلك التي شهدتها أوربا مؤخرا، هل هو قاتل مجنون من هؤلاء المنتشرين في العالم المتقدم؟ لا نعرف. وتتعقد الأمور من بعد خروج ثاني زبون لمعاينة جثة الزبون الأول الملقاة أمام الحانة، ليتلقى بدوره رصاصة أخرى من القناص ترديه قتيلا في الحال. الاتصال بالعالم الخارجي مقطوع، فلا إشارة تلتقطها الموبيلات، وكذلك الخطوط الارضية، وقبل أن يتوجه المحتجزون في الحانة لجهاز التليفزيون، يكتشف أحدهم أن الجثث الموجودة في الشارع قد اختفت، وأن رجال البوليس قد أتوا ملقيين إطارات السيارات في الشارع، بعد أن أفرغوه من المارة، وأشعلوا النيران فيها، مانعين المارة من المرور به. ويعلن التليفزيون أن هناك حرائق غير معروفة السبب انتشرت في العاصمة، وهنا يدرك من داخل الحانة أن هناك ما يحاك في الظلام ضدهم، ويبدئوا في اتهام الشاب الموجود معهم بأنه ارهابي، وذلك لأنه يطلق اللحية، قبل أن يتذكروا أن هناك شخص دخل مسرعا لدورة المياه ومازال بها.

 

 

هنا يكتشف رواد الحانة أو البار أن بينهم شخص مصاب بفيروس قاتل ينتشر بسرعة، وأنه دخل دورة المياه لحقن نفسه بمصل شافي، لكن الوقت كان قد فات، فقد تمكن الفيروس منه. يقرر البعض من رواد المقهى، بالاستعانة بمسدس، عزل كل من لمس المصاب بالفيروس، في قبو أسفل المقهى أو البار، ليضمنوا سلامتهم من انتقال الفيروس لهم.

 

ليتحول الصراع الدرامي، من صراع مع العالم الخارجي، (الدولة التي تريد القضاء عليهم لمنع انتشار الفيروس)، إلى صراع داخلي فيما بينهم، كل يرد النجاة بنفسه، مختلقا ميزة نسبية لصالحه، تتيح له قمع الاخريين والتخلص منهم. هذا هو نفس ما يحدث بين المواطنين ضحايا الازمة الاقتصادية، حين يلقون بغضبهم على المهاجريين، والمعوزين، والضعفاء، ونعتهم بكل الصفات والمطالبة بالتضحية بهم، ولكنهم لا يفكروا أبدا في سبب الأزمة، أو يحاولوا محاسبة المتسبب فيها.

 

 

 وتأتي الريح بما لا تشتهي السفن، حيث قامت قوة خاصة من الأمن بحرق المقهى بمن فيها، وبالتالي فأن من كانوا معزولون في القبو هم فقط من يكتب لهم النجاة.  عندما ينتبه المعزولون في قبو المقهى لحريق المقهى ومن فيها، يقررون الصعود للبحث عن المصل الذي كان المصاب بالفيروس يحاول أن يحقن نفسه به، آملين ان يكون هذا هو ترياق الحياة الذي يبعد عنهم شبح الموت. وبما أن المنافذ مغلقة أمامهم للخروج، والحكومة متربصة لقتل من يظهر منه قيد أنملة خارج المقهى، بل أن السلطات تعتقد أنها تخلصت بحريق المقهى من كل من كان بالداخل، فلم يجدوا لهم مخرج سوى المجارير أسفل المقهى.

 

 

ينفذون إلى المجاري عبر فتحة مجرور في القبو، وهناك يبدأ المتبقون على قيد الحياة في الصراع على حقن المصل التي تقل عن عددهم، فيقتلوا بعضهما البعض، ولا يتبقى على قيد الحياة سوي الفتاة التي شهدناها في أبهى حلالها في بداية الفيلم، لتخرج من فتحة بلوعة الشارع عارية متسخة بكل النفايات البشرية وغيرها. الفيلم في رمزية شديدة يصور تخلى الدولة عن ضحايا أي أزمة، اقتصادية كانت، أو بيولوجية كما قدم الفيلم، حيث أن الحل تجاهلهم، أو التخلص منهم كما يقدم الفيلم، وأن كان التجاهل في ظل الأزمة هو شكل من أشكال التخلص منهم ببطء. الفيلم بالرغم من جودته، لم يجد دار عرض تجازف بعرضه في فرنسا، لجسارته وسوداويته، وخرج فقط على اسطوانات دي في دي، ولكنه عرض في مصر ضمن بانوراما السينما الأوربية.    

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى