رأي

التسويق السينمائي طوق نجاة.. أم وسيلة غرق

شروق الشناوي

بغض النظر عن مقدار البريق والسحر لصناعة الأفلام، لكنها تبقى في النهاية صناعة تهدف الى الربح، ربما يكون هدف المخرج فيها التعبير عن رؤيته الإبداعية، وهدف المؤلف ايصال صوته وأفكاره الى جموع المشاهدين، وربما أيضا هي صناعة لتجسيد التجربة الإنسانية وتجسيد المشاعر والمعانى من ألم وفرح وحزن وحب وكراهية وثورة وتحويلها إلى صور حية ناطقة، رغم كل هذا وذاك تبقى صناعة، الهدف الأول لشركات الانتاج فيها هو تحقيق الربح.
  
لذلك كأى صناعة يلزمها تسويق، وتعتبر الحملة الترويجية جزءا مهما جدا من صناعة الفيلم، بل ربما الجزء الأهم، فالسينما ليست فناً وابداعاُ فقط، بل صناعة متكاملة، وتجارة وتسويق يحتاج الى تخطيط علمي احترافي.

توزيع الفيلم وبيعه ليس بالمهمة السهلة، وعلى مر السنين ازداد الأمر صعوبة، حيث ازادت حدة المنافسة بين شركات الانتاج وزاد عدد المنتَج من الأفلام سنويا، لذلك يجب أن تكون الحملات الترويجية للأفلام خلاقة ومختلفة ومدروسة بعناية لجذب انتباه المشاهدين، وسط بحر الدعاية عن الأفلام، وأن تخرج خارج حدود التقليدية، وتبحث عن أفكار تجذب المشاهدين باستمرار، حيث ان التسويق يمثل المغناطيس لجذب الجمهور الى دور العرض لمشاهدة الفيلم.

وكما تمثل الحملات الترويجية الناجحة عنصرا اساسيا في مساعدة الفيلم على النجاح، يمكن ايضا ان تتسبب الحملات الترويجية غير المدروسة في الحاق أضرار جسيمة بالفيلم.

أسباب فشل الحملات التسويقية للأفلام

تتعدد أسباب فشل الحملات الترويجية للأفلام، ولعل أولها وأهمها هو عدم تحديد الجمهور المستهدف بدقة، مما يتسبب بالفشل في اختيار استراتيجية التسويق الناسبة للفيلم. 

أيضا لا تنحصر اسباب فشل الحملة التسويقية للفيلم في حملة دعائية ضعيفة فقط، بل أيضا قد تتسبب احيانا الدعاية المكثفة والتى تقوم حرفياً بإغراق المتابعين بإعلانات الفيلم قبل عرضه، بشكل مبالغ فيه، في عزوف المشاهدين عن الإقبال على الفيلم، وقد يتسبب أيضا الفيديو الدعائى بتدمير الفيلم للمشاهد، عن طريق التوقعات الزائفة وتحريف الفيلم في الإعلان، واعطاء صورة مشوهة عنه قبل عرضه. 

أيضا البوسترات التى تمثل عنصر جذب أساسي للمشاهدين، قد يتسبب أحياناً الإختيار الخاطئ للبوسترات الدعائية في تدمير الفيلم قبل عرضه، والإستخدام غير المنظم او المدروس للتسويق الإلكتروني، أيضا قد يتسبب في فشل الفيلم.
والعبرة في الحملة التسويقية ليست بتكلفتها فمضاعفة تكاليف التسويق بشكل مبالغ، في حملة غير مدروسة قد يتسبب في فشل الفيلم كما حدث في Terminator: Genisys 

Terminator: Genisys
ويقدر خبراء التسويق السينمائى الحد الادنى المناسب للحملات الدعائية للأفلام لحوالي 20-25 % من تكلفة الإنتاج، وهناك أفلام عديدة جيدة المحتوى أفسدها التسويق السئ أو اختيار إستراتيجية تسويق غير مناسبة نذكر منها:

 John Carter

 الفيلم يعد من أضخم ميزانيات الانتاج حيث تكلف إنتاجه 250 مليون دولار وهو أحد أغلي الافلام التي انتجتها ديزني على الإطلاق، مصحوباً بحملة دعائية كبيرة وباهظة، ولكن الحملة الدعائية الغير مدروسة تسببت في ضعف إيرادات الفيلم، ولم يحقق سوى 73 مليون دولار داخل الولايات المتحدة، بسبب استراتيجية التسويق التي ساهمت في التقليل من أهمية الفيلم، واعطاء انطباعات سيئة للمشاهدين قبل العرض، فمثلا لا يذكر المقطع الدعائي، الأفلام المحبوبة السابقة التي قام بها أندرو ستانتون بإخراجها، مثل Finding Nemo و WALL-E.

فشلت أيضا في وضع سياق لشخصية جون كارتر، المعروفة أدبياً على مدار عقود، وساهم الفيديو الترويجي الاول الممل في إفساد رغبة المشاهدين في مشاهدة الفيلم.

john carter

Drag Me to Hell

فيلم رائع من نوعية أفلام الرعب، لكن العنوان والفيديو الترويجى والبوستر أفسدوا أحداث الفيلم للمشاهدين، مما جعل الجمهور على دراية تامة بما سيحدث في نهاية الفيلم، الذي يقوم أصلا على التشويق، حقق 90 مليون دولار أرباحا، وهو يعد نجاحا طفيفا، حيث كان من الممكن ان يحقق أرباحا أكثر بكثير، إذا تم اختيار استراتيجية التسويق المتبعة بعناية. 

Drag Me to Hell

 

أفلام صنع نجاحها التسويق

هناك أفلام جيدة، كان من المتوقع نجاحها، وأفسدتها استراتيجية التسويق المتبعة، هناك أفلام أخرى كانت الحملات التسويقية سببا رئيسيا في نجاحها إحدى اهم الامثلة على ذلك:
 

Blair Witch Project 1999

ربما أحد أكثر العناصر رعبا في مشاهدتك لفيلم رعب، هو ماذا لو كان الفيلم حقيقيا؟ وتلك كانت الفكرة العبقرية التي واتت صناع الفيلم، فقاموا بإنشاء موقع على شبكة الإنترنت قبل وقت طويل من عرض الفيلم، مع فرضية أن الفيلم يتكون من لقطات تم العثور عليها من ثلاثة طلاب جامعيين، خرجوا إلى الغابة لصنع فيلم وثائقي عن "ساحرة بلير" واختفوا، مع استكمال صور الشرطة المزيفة، وعمليات البحث التي رسخت الأدلة على اختفاء الطلاب، ومقاطع الأخبار الملفقة حول اختفاء الطلاب ومهد الموقع للمشاهدين بان ما سيشاهدونه تجربة حقيقية حدثت بالفعل.

وكانت تلك إحدى انجح حملات التسويق السينمائى واقلها تكلفة وحقق الفيلم 248 مليون دولار في حين ان تكلفته الانتاجية 60 ألف دولار فقط. 

Blair Witch Project (1999)

 

The Hunger Games

قبل بداية الفيلم الأول في سلسلة الافلام الشهيرة عام 2012، كان قد بدأ العمل على حملة تسويقية ضخمة ومدروسة منذ عام 2009، بعد أن اشترت شركة Lionsgate حقوق الرواية، في حين أن بعض شركات الانتاج توقفت عن استخدام بعض وسائل التسويق القديمة للتنويه عن الفيلم كإعلانات الصحف واغلفة المجلات وغيرهم، قامت الشركة المنتجة باستخدام جميع الحيل التسويقية القديمة، ونشرت 80 ألف ملصق في الشوارع، وتصدر الاعلان عن الفيلم أكثر من 50 غلاف مجلة و3 الاف لوحة اعلانية ضخمة في الشوارع وعلى الحافلات.
 
عام 2011 قامت الشركة باتباع استراتيجية تسويق إلكترونية تعد هى الأفضل على الإطلاق في العشر سنوات الماضية، وتعد النقطة الأهم والأنجح في استراتيجية التسويق التي اتبعتها الشركة هى تحديد الجمهور المستهدف بدقة، وبنهاية عام 2011 قبل عرض الفيديو التشويقى أو البوستر الرسمي، أصبح الفيلم حديث مستخدمى منصات التواصل الاجتماعي، وصار الجميع يترقب صدور الفيلم، حيث أبقت استراتيجية التسويق المتبعة المشاهدين في حالة ترقب وتشويق دائمة.

 وأشركت الشركة المنتجة المتابعين في العاب ذكاء، لتجميع بوستر الفيلم وتجميع معلومات عنه، وقاموا أيضا بالتعاون مع مدونة تمبلر الشهيرة، بإطلاق مدونة بأزياء الفيلم الفريدة، وأطلقت اللعبة الشهيرة الخاصة بالفيلم تزامنا مع موعد عرضه، واعتمدت خطة التسويق بشكل أساسي على اعطاء المتابعين شيئا جديدا كل فترة، لإبقائهم في حالة ترقب وشغف للفيلم قبل عرضه، حقق الجزء الأول أرباحا تقارب 695 مليون دولار، عن فيلم ميزانيته 87 مليون دولار.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى