رأي

التسويق السينمائي في مصر بين “فخ التقليدية” و”الفهلوة”

شروق الشناوي

123 عاما مضت منذ أن عرفت مصر سحر الفن السابع تزامنا مع بدايته ونشأته، ففي يوم الخميس الخامس من نوفمبرعام 1896 بمدينة الاسكندرية بالقاعة الكبرى ببورصة طوسون الواقعة في شارع فؤاد، أضاءت الشاشة الساحرة لأول مرة لخمس وأربعون ثانية مدة العرض لأول فيلم سينمائي متحرك في التاريخ، وبعده بأيام قليلة تم عرضه في القاهرة وبعده ببورسعيد.

مصر من أول الدول في العالم التي عرفت صناعة السينما وساهمت في تطويرها، وسيظل تاريخ السينما شاهدا على عظمة ماانتجته صناعة السينما المصرية المتمثلة في أربعة الاف فيلم، هما النصيب الاعظم من ذاكرة السينما العربية ومن الأهم والأقدم في ذاكرة السينما العالمية.

خلل في الصناعة

مما لاشك فيه ان السينما في مصر تعانى خللا كبيراً خلال السنوات الماضية ومشاكل إنتاجية تحتاج الى مقالات عديدة لسردها، ولكن مانحن بصدده الان ان اضافة لضعف المحتوى وقلة الإنتاج ومشاكله المتعددة تأتى ايضا مشكلة عدم التخطيط والتسويق الجيد للمحتوى المُقدم.

ولا يُخصص معظم المنتجين ميزانية للتسويق من الأساس وأحيانا لا يتم تخصيص ميزانية توزيع، متغافلين عن وضع اموالهم في منتج ربما لا يستطيعوا تسويقه، ثم يشتكون من عدم نجاح افلامهم وضياع أموالهم متعللين بتغير اذواق المشاهدين والقرصنة والافلام الاجنبية المعروضة بالسنيمات، متغافلين عن الاسباب الحقيقية التي هي إما ضعف المحتوى او الفشل في تسويقه وجذب المشاهد لمشاهدته في دور العرض، لذلك فقد حان الوقت لكي يدرك صناع السينما في مصر ان الأهمية التسويقية للفيلم لا تقل ابدا أهمية عن تفاصيل إنتاجه. 

التسويق السينمائي في مصر

اقترن التسويق بصناعة السينما في مصر كما هو الحال عالميا منذ نشأة الصناعة وقد تمثلت وسائل الدعاية للفيلم السينمائي في الأفيشات والإعلانات في الصحف والمجلات والوصلات الإذاعية والتلفزيون واللقطات الدعائية في القاعات السينمائية، وفي ثلاثينيات القرن الماضي كانت بداية الاهتمام بفن الأفيش في مصر كوسيلة اساسية للدعاية حتى في العصر الذهبي للسينما المصرية كان الأفيش هو الدعامة الاساسية في الدعاية للفيلم السينمائي. 

ولم تتطور الدعاية تطورا كبيرا في مصر كما تطورت عالميا ولم تنل اهتمام صناع السينما الذين اغفلوا اهميتها وظلت حبيسة نفس الوسائل التقليدية القديمة لعقود، وبعد ظهور التسويق الالكترونى تغير شكل الدعاية في العالم كله واختلفت تماما عما كانت عليه من قبل فمكنت التكنولوجيا صناع السينما من جذب جمهور أكبر في وقت اقل. 

ولم يعد على المشاهد ان يتتبع اعلانات التليفزيون او ان ينتبه لللافتات الضخمة في الشوارع كي يعرف عن الفيلم بل صارت مواقع التواصل الاجتماعي هي الوسيلة الاسهل والأكثر انتشارا، وصارت منصة لمسوقى الافلام لإظهار ابداعاتهم في خلق حملات ترويجية مبدعة وقليلة التكلفة نسبيا، ولكن لا يمكن القول اننا استدفنا استفادة قصوى من التغير التكنولوجي في مجال الدعاية السينمائية بالطبع صارت كل الافلام يتم الاعلان عنها عن طريق منصات التواصل الاجتماعى ولكن الى أي مدى استفدنا؟

فخ التقليدية

 لم تتطور الدعاية السينمائية بأي شكل ملحوظ في مصر نفس الوسائل القديمة ونفس الأفكار المستهلكة حتى بعد تحول معظم الحملات الترويجية لوسائل التواصل الاجتماعي سقطت ايضا في فخ التقليدية وفقر الابداع وضحالة الافكار ولعل السبب الاول في ذلك هو غياب الوعي في الأساس بأهمية التسويق لصناعة السينما. 

فالمنتج مازال ينفق مبالغ زهيدة على ميزانية الدعاية اذا وجدت في الاساس، ومعظم القائمين على عمليات الدعاية السينمائية يجهلون أبسط مبادئ التسويق، فتدار الحملة الترويجية بشكل عشوائى غير منظم، لا خطة واضحة، ولا جمهور مستهدف، وعشوائية في اختيار المنصات الاعلانية المناسبة، ناهيك عن الفقر في الابداع في الافكار التسويقية لحملات الترويج للافلام متغافلين عن كون التسويق فن وعلم لا يقل ابدا اهمية عن العملية الانتاجية، وفي ظل غياب الاهتمام بالتسويق في السينما والعشوائية التي يتمتع بها الامر قد ينتج عن الامر احيانا كارثة 

كارما ودعاية كارثية

ولعل أقرب مثال لذلك هو فيلم كارما الذي عرض العام الماضي، وكانت الحملة الترويجية للفيلم عشوائية وغير منظمة، فكانت النتائج سيئة لأبعد حد، لم يهتم القائمون على تسويق الفيلم بوضع خطة واضحة، وقد ظهر ذلك جلياً في الحملة الدعائية التي بدأت قبل عرض الفيلم بوقت قصير جدا، وفي الاختيار غير موفق لبوسترات الفيلم، والفيديو الدعائي الذي فشل في رسم صورة واضحة أو مشوقة عن الفيلم، ولم يترك انطباع جيد لدى المشاهدين ليدفعهم لمشاهدته في دور العرض. 

اعتمدت دعاية الفيلم على اللوحات الاعلانية في الشوارع بشكل مبالغ فيه، وهي احدى الوسائل التقليدية التي إذا لم يُحسن استخدامها ستضاعف تكاليف الحملة، ولن تأتى بأي ثمار جيدة، وتتسبب المبالغة في استخدامها بشكل غير مدروس بخسائر فادحة. 
لم يتم اختيار المنصات الاعلانية المناسبة للدعاية ولا تحديد الجمهور المستهدف وظهر ذلك واضحا في الدعاية العشوائية التي تمت بلا خطة او هدف واضح على منصات التواصل الاجتماعي. 

ونتيجة لحملة الدعاية السيئة التي لم تنجح حتى في الاعلان عن عرض الفيلم بشكل فعال، حتى أن غالبية محبي السينما ورواد دور العرض لم يعرفوا أي شيء عن الفيلم قبل عرضه، حتى انه اختلط الأمر على البعض بين اسم الفيلم والمسلسل الذي حمل نفس الاسم في الموسم الرمضاني، ونتيجة لكل ذلك فشل الفيلم في تحقيق ايرادات تغطى تكلفة انتاجه الضخمة.
  
خدعة الايرادات وفهلوة الإنتاج

وبدلا من الاهتمام الحقيقى بالتسويق السينمائى واستحداث وسائل وافكار جديدة، أو على الاقل أن يُحّسن القائمون على الصناعة استخدام الوسائل المتعددة المتاحة، يلجأ المنتجون الى خدعة الايرادات الوهمية خاصة في موسم الاعياد لإعطاء انطباع غير حقيقى لجمهور السينما عن النجاح الساحق للفيلم، كحيلة تسويقية لجذب الجمهور الى دور العرض، ولا يدرك صناع السينما خطورة ما يفعلونه على الصناعة التي صارت تحكمها العشوائية، وباتت تجارة وفهلوة لا صناعة لها معايير وأسس واضحة. 
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى