نقد

«الحديث عن الأشجار» الجريمة الغائبة التّي نريد

 

نوار عكاشه

 

الثورات ليست مولودة بِالصدفة؛ إنّما بِالضرورة، الثورات لا تتراجع أبداً.

تتنوع في دوافعها ومعطياتها وأهدافها..، لكنها تتشارك سعيها للأفضل، أو هكذا تعتقد على الأقل.

في السودان؛ واكب السينمائيون الشباب ثورة بلادهم، خاضوا غمار المخاطرة وصنعوا أفلامهم التّي نجحت وشغلت العالم، فَاتجهت البوصلة في عالم الفن السابع لِتلك البلاد السمراء وأصبحت سينماها تحت الضوء بين الآمال والتوقعات.

 

 

وفي نقطة المحور بين ماضيها ومستقبلها كان «الحديث عن الأشجار» (2019، 93د)، انتاج: (السودان، فرنسا، ألمانيا، تشاد، قطر)، أكثر من كونه فيلم تسجيلي داعم لِنهضة السينما السودانية حالياً، بل استطاع عبر خطوطه توصيف حالة وتحريض أسئلة وتقديم دروس.. ذلك بِشاعرية ارتفعت بِه عن التصنيفات النوعية للسينما بِاتجاه أهميتها وغايتها في خلق جدل وتأثير فعّال، دون أن يبتعد عن ميزة المشاهدة الخاصة بالوثائقيات في إيقاعها الداخلي وشعورها الفردي والمسافة الحدودية بينها والمشاهد، وهو ما يُحتسب لِمخرجه «صهيب قاسم الباري» (1979) الذّي أجاد صناعة فيلمه الطويل الأول بِتركيبة ذكية وتوازن دقيق بين شخصياته، وتشكيل بصري مدروس لقطة بِلقطة.

 

بين مطرقة السلطة وسندان الشغف

 

يتتبع الشريط في خطه الرئيسي سعي أربعة أصدقاء من سينمائيي الماضي في السودان لإقامة عرض جماهيري في صالة سينمائية عام 2015 إبان حكم الرئيس السابق "عمر حسن البشير" للبلاد، مستعرضاً العوائق والصعوبات اللوجستية والسلطوية، ومروراً باسترجاع حكائي لِسنوات الديكتاتورية والسطوة الدينية على مفاصل الحياة المدنية كافة، بما فيها السينما كَجزء أساسي من ثقافة البلاد.

 

 

المخرجون الأربعة درسوا العلوم والفنون السينمائية بِمعاهد وأكاديميات في روسيا وألمانيا ومصر، ثمّ عادوا بلادهم حالمين، ليصطدموا بالواقع المأزوم في قتل الثقافة السينمائية وقمع أي محاولة جادة لإحيائها، دون أن تشفع لهم نجاحات أفلامهم وحصولها على جوائز عربية ودولية.

 

«ابراهيم شداد» هو أكبرهم عمراً (84 عام) والشخصية الأكثر ظهوراً وجدلية في الشريط، درس في الأكاديمية الألمانية للسينما والتلفزيون ، أما رفاقه في جماعة الفيلم السوداني (SFG) فَهم (الطيّب مهدي، سليمان ابراهيم، ومنار الحلو) جميعهم ينتمون لِجيل سينمائي عمل واجتهد وحقق النجاحات في فترة السبعينيات والثمانينات، لكن القوة الحاكمة كانت أقدر منهم، وألغت الدعم الحكومي للسينما بِقرار سياسي، مما انعكس عليهم ركوداً وتكبيلاً، كما انعكس على مالكي الصالات إفلاساً وإغلاقاً.

 

بِصبغة روائية يقدم "الباري" خط فيلمه الرئيسي بِارتباط وثيق بالزمان والمكان؛ بالتوازي معه ومن واقع الحاضر يُفكك تابوهات السياسة والدين بِحذر شديد دون أن يحيد عنه، فَتلك التابوهات ملتصقة بِالخط الرئيسي بِطبيعة الحال، وأي حياد قد يفكك الفيلم.

 

إنّما يركب شريطه بِرؤية فنية وبانورامية مؤلمة لنا ولِأبطاله بين مطرقة السلطة وسندان الشغف؛ معاناة استَنزفَت وقتهم وجهدهم وعاطفتهم، لكن ما يلفت الانتباه في تلك الشخصيات أنَّ سحر السينما كفيل بِمداواة الجراح، وخلودها يشتمل خلود فرسانها، وهو ما نستشعره في طبائعهم، فَعلى الرغم من أعمارهم المتقدمة وتجربتهم مع الاعتقالات قمعاً وتعذيباً؛ إلّا أنّ السينيفيلية التّي تتملكهم أصبغتهم بِعناد الأطفال، ومرح اليافعين، ومواربات سن المراهقة، إنّهم أفضل المتفائلين، فَأملهم صقله أصعب أنواع اليأس!

 

 

الجريمة الغائبة التّي نريد

 

يبني "الباري" شريطه على وحدة داخلية متينة، قوامها المخرجين الأربعة اللذين أثروه بِشذرات وذكريات ومعلومات جاهروا بِها بِحرية أمام الكاميرا، وأمدوه بِحيوية وسلاسة مُطعَمة بالحس الفكاهي الأقرب للكوميديا السوداء أحياناً، وبِمرارة يبدو أنّ المشاهد أحسّ طعمها أكثر منهم حيناً آخر.

 

براعة "الباري" في كيفية إشراك أبطال فيلمه في تكوين إيقاع ونبرة الشريط، بالإضافة لِحساسية المضمون (موضوعاً وشكلاً)؛ صيّرَت المُشاهد جزءاً من الشريط، يترقب ويتفاعل ويضحك ويحزن، لكن يبدو أنّ القامات الأربعة أكثر متانة من المُشاهد، وهذه نقطة هامة وبها مغزى الفيلم.

 

بينما نشاهد وتساورنا الشكوك عن جدوى الإصرار وطاقة التحمل، وربما ننتظر يأس أبطال الفيلم؛ نعود لنسخر من أنفسنا أمامهم وهم يبدون صلداء ومغروسين كَالأشجار الباسقة في أرضية صلبة من العشق والشغف السينمائي.

إنّه فيلم عن المقاومة والتصميم وعزيمة أمل لا تلين.

درس لكل عابث في السينما يصنع أفلاماً ممهورة بالاستهلاك والنرجسية، أنّ قلاعهم الرملية ساقطة أمام سينما الكبار.

 

 

عنوان الفيلم مقتبس من قصيدة "أولئك الذين ولدوا لاحقاً" للكاتب المسرحي والشاعر الألماني «برتولت بريخت» (1898-1956) يقول فيها: " أي زمن هذا الذي يكاد بِه الحديث عن الأشجار أن يصير جريمة لأنه يعني الصمت عن جرائم أُخرى" في إشارة إلى تراتبية المستويات وأولويات البقاء، فَما قيمة السينما والفنون عامةً أمام القتل والقمع والفقر والعنصرية وغيرها من ممارسات ممنهجة ضد الإنسانية! كيف تصنع فيلماً أو تدير عرضاً سينمائياً في وطن أدمته القيود!

 

لكن الفيلم ينطق بِعكس مصدر عنوانه، ويمكن القول أن الثورة السودانية مرتبطة بالعنوان، كان العنوان الأولي للفيلم «مقاعد الانتظار»، لكن الثورات تدفع العجلات للأمام وتمقت الانتظار، ويبدو أنّه آن الأوان وتعاظمت الحاجة من أجل «الحديث عن الأشجار»، تلك الجريمة الغائبة، أو التّي لم توجد في الأصل فَقد تمّ إجهاضها قبل ولادتها مراراً وتكراراً طوال ثلاثة عقود من هيمنة الحكم العسكري ومغازلته الاستبداد الديني؛ حتّى شُلَّت حركة الثقافة والفنون بالكامل، اليوم نريد ارتكاب تلك الجريمة.

 

 

تناص تكاملي ومباشر بين الصورة والصوت

 

في نوعية الأفلام التسجيلية لِمرحلة العمليات الفنية الحظوة الكبرى، هي المرحلة الأدق، والعملية الانتقائية التي تحدد (الفيلم) من بين جملة مواده المصورة والكثيرة غالباً، بعد عامين من التصوير جابه بهما "الباري" عوائق الرقابة والتمويل وقلة الموارد وغيرها من الصعوبات، ليظهر لنا الشريط بِنتيجته النهائية التي حقق بها تناص مباشر وتكاملي واضح بين الصورة البصرية المشغولة بِعناية فائقة والمحملة بِدلالات حسيّة وفكرية؛ وشريط الصوت المرافق والغزير بِالدفق الحميمي والسخاء الروحي في حديث أبطال الفيلم عن أحلامهم وهواجسهم وذكرياتهم.

 

 

تتر البداية مع صوت عاملة الردود الهاتفية في الشركة السودانية للكهرباء، يحادثها أحدهم جالساً في العتمة؛ شاكياً انقطاع الكهرباء لأربعة أيام متواصلة، إنّه الظلام الذي يسود الموقف في بلد غارق بِعتمة الحكم الاستبدادي.

 

ننتقل إلى الرفاق الأربعة، نراهم في وضع تصوير فيلم سينمائي يتعاونون بِه، «ابراهيم شداد» بِشخصية نسائية تعبر عن سعادتها بالعمل في الفيلم، فَهذه المشاركة تعني الأمل بالمزيد من الأفلام، السينما هي ما تعيش لأجله حسب قولها، هنا انعكاس لشغف الأربعة بالسينما رغم عتمة الواقع.

 

إذاً نحن أمام فيلم عن مهارة اليأس، عن كيفية تملك الأمل للسينمائي ومقاومته التحديات، خياله كَفنان لا يسمح لِعزيمته أن تخبو.

 

ننتقل إلى غرفة إذاعة محلية، وحوار تحت عنوان "السينما السودانية.. البطل الذي مات"، يجيب "شداد" عن سؤال حول موت السينما في السودان بِجواب مبطن: "الموت إما طبيعي أو الخائن قتل البطل، السينما في السودان ماتت بِشكل طبيعي، ماتت فجأة وكأن الخائن قتل البطل، إذا أردت معرفة السبب؛ فتش عن الخائن".

 

 

من هنا ننطلق في رحلة كشف الخائن، البحث عن سبب لجوء جماعة الفيلم السوداني للعروض السينمائية المتنقلة، يحملون معدات العرض البسيطة في حافلة متعبة ويجوبون البلاد ليقدموا للشعب فرصة عرض سينمائي تمكنهم من التفاعل المباشر الجمعي، وحين انتقالهم للسعي لإقامة عرض في صالة سينما مفتوحة ومتسعة؛ فَالإجابات تبدأ تتكشف توالياً، أسباب الإغلاق السياسية ورفض أصحاب الصالات لإعادة إحيائها تفادياً للمشكلات مع الأمن والمخابرات، الإهمال المرتكب بحق تلك الصالات واندثار تاريخ السينما السودانية إثر ذاك الإهمال، تعاظم سيطرة الدين على المدنية حتى نرى 6 جوامع ترفع الآذان عبر مكبرات الصوت بِعشوائية ضمن بقعة جغرافية صغيرة!

 

كما نتعرف تدريجياً على تلك الجماعة، ماضيها وحاضرها، أحلامها وأوجاعها، الصداقة التّي تربطهم أقرب للأخوية، يعتنون ببعضهم ويسترجعون ذكرياتهم ورسائلهم ونجاحاتهم الغابرة.

نراهم يتحاملون على أعمارهم مدفوعين بِصلابة عشقهم للسينما وهم يقومون بِأعمال إعادة مد الكهرباء، الطلاء، اختيار الفيلم، تنظيف المسرح، تجارب التشغيل، لفت الجمهور ودعوته..وغيرها.

 

سينما الثورة.. قريباً

 

المصادفة أنّ الصالة السينمائية التّي نجحت الجماعة بِاستئجارها؛ حملت اسم "سينما الثورة"، لتبدأ منها ثورتهم الخاصة قولاً وفعلاً.

بين العتمة والنور، بين الكادرات الضيقة والواسعة المفتوحة؛ ينقلنا "الباري" في شريطه مع أولئك الرفاق.

 

 

التشكيل البصري للفيلم ينطوي على حساسية ورهافة صانعه، فَينجح في إشراكنا وكسب تفاعلنا.

كل لقطة مصممة بِأناقة كي تعطي إيحاء، الكاميرا تستنطق الشخصيات والمكان في زمان هش!

حتّى حين تميل زاويتها، فَالميول له دلالة، الثورة لم تنتهي، والسينما لازالت في طور المخاض بِتلك البلاد.

 

الخيارات قليلة في أوضاع الانغلاق، لكنها ممكنة، تريد فيلماً؛ اصنعه بِكاميرا هاتفك المحمول، إياك أن تتخلى عن حلمك.

قد تعاندك الأقدار بِقسوة، جابهها بِسخرية، كن الأذكى وصارع القوة بِحكمة.

وإن كانت الديمقراطية غائبة عن وطنك؛ مارسها منطلقاً من ذاتك وأعطِ أحلامك فرصة.

 

 

حقق «الحديث عن الأشجار» نجاحاً عالمياً مستحقاً، تصدر المهرجانات واقتنص الجوائز، بعضها من مهرجانات دولية كان أولها في عرضه العالمي الأول بالدورة 69 من مهرجان برلين السينمائي حيث حصد جائزتين من بانوراما المهرجان (جائزة أفضل فيلم وثائقي وجائزة الجمهور)، لتتوالى بعدها المشاركات والجوائز فَحصد جائزة أفضل فيلم وثائقي من مهرجانات (اسطنبول، أثينا، بالم سبرينغ.. وغيرها)، فضلاً عن جائزة أفضل فيلم وثائقي من مهرجانات عربية (الجونة وقرطاج).

 

لكن النجاح الذي حققه الفيلم مع عدة أفلام سودانية؛ لا يكفي للحديث بِشكل جاد عن نهضة سينمائية في بلاد لازالت تلملم انكسارات عقود من الزمن، إنّما يمكن اعتباره إنعاشاً، بداية في مسيرة طبابة طويلة ومستلزمة شروطاً ومعايير عديدة.

 

 

الفيلم يقول في ختامه بِصوت «ابراهيم شداد» :"هذا فيلمكم الذّي ارتضيتموه بالحق، وسنعرضه عليكم اليوم لعلكم تفقهون"

إذاً هي دعوة عاجلة من السودان لِشعبه ولِكل العالم لارتكاب جريمة «الحديث عن الأشجار» بِشجاعة ودونما تردد أو تأجيل.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى