نقد

الرومانسية بين الإنكار العربي والاخفاق اللبناني

إسراء إمام

الحقيقة أننا بالفعل نفتقر إلى المعالجات الرومانسية على مستوى الطرح الفني السينمائي والتليفزيوني سنويًا. صحيح الاستثناءات موجودة، لكنها لا ترقى إلى خانة يُعتَد بها فنيًا، كلها محاولات منتهية الصلاحية، تقف عند مفهوم كلاسيكي للحب، وتصيغ مشكلاته بمنهج مهترىء ساذج وممل في معظم الأوقات.

أما عن النظرة العامة للمنظور الرومانسي، فهي متدنية للغاية، كل المخرجين والكتاب الموهوبين بحق والأنصاف موهوبين، يسقطون هذا التصنيف من قائمة اهتماماتهم، باعتباره "مُحن"، أو مجرد خط هامشي لمعالجة رئيسية، يحيا فيها الأبطال حياة واقعية، مليئة عن آخرها بالمشاكل المجتمعية الدسمة. وهذا الانطباع، أو بالأحرى المنهج الذي صار متبعًا يعد قاصرًا، غير فنيًا ولا يتسم بالنضج بالمرة كما يدعى أصحابه. وإنما استسهال وفقر، ولجوء آمن لاستبعاد جزء لا يتجزأ من جوانب الحياة، لأن تطويرها والتفكير جديًا في تناولها بما يُشبه تركيبتها العصرية من الألف للياء، بات مستحيلا تقريبا في شرع نطاق خيالهم الضيق.


 وعليه فإن تناول الحب في الأعمال الفنية انقسم لنوعين من الطرح، كلاهما باهتًا، سقيمًا، أولهم يتمثل في تجنب التعاطي مع مشاعر زهوة الحب الأولى، وكأنه يقر بشكل أو بآخر بعدم إيمانه بها، وحينها يتم إخبارنا بشكل موجز أن فلان يُحب فلانة، لكننا لا نشعر حقًا بما يكنوه لبعضها، ولا نعش معهما هذه المشاعر، لأن هذا ليس موضوعنا، موضوعنا هو ما سيحدث في حياة البطل لاحقًا سواء من تبعات هذا الحب، أو من خوضه لمواجهات مريرة في الحياة.

أما النوع الآخر، فهو لا يختلف عن الأول كثيرا، فمع حرصه على تهميش قصص الحب، ووضعها كخط جانبي لمعالجة بوليسية أو مجتمعية أو غيرها، نجده يحاول أن يصيغ لها معايشة رومانسية، لا يخجل منها، بل بالعكس يحاول الاستفادة من وقعها على الجمهور، لكن المعضلة تكمن هنا في إخفاقه الذريع، فالأمر يبدو حينها كمن سبق واستنزف مخزونه الرومانسي، وتوقف به الزمن عند الاعتقاد بأن صياغة مشاعر الحب الحلوة، تتمثل في نظرات التسبيل، والعديد من كلمات الغزل، والكسوف، واحمرار الوجنتين، فيتحول الأمر بالفعل إلى "مُحن" فارغ.

أما في الدراما اللبنانية، وعلى مدار عدة أعوام، فالموضوع يختلف..
مبدئيًا، أحترم محاولاتهم الجَدية في التعامل مع فن الرومانسية باعتباره موضوع رئيسي في حد ذاته، ليس ثمة لف أو دوران في حبكات مسلسلات مثل "لو"، "تشيللو"، "نص يوم"، "الهيبة"، و"خمسة ونص" وغيرها. جميعها قصص صراعها الأساسي رومانسيًا نقيًا، صراعًا تدور حوله الدراما وتتنوع بناءًا على طبيعة عقدته، وتتخذه الأزمة التي ينبع منها كل شيء دون حرج، ولهذا أحسدهم على جرأتهم، وامتنانهم، وإيمانهم بكون الحب واقعًا نحياه بحُلوه ومره، لا يسعنا اجتنابه أو التقليل من شأنه أو النظر إليه بدونية، في الوقت الذي يبحث فيه جميعنا عنه، حتى وإن كفرنا به شئنا أم أبينا.

ولكن..
المآخذ تعددت، وانتهت إلى نفس النتيجة حتى وإن اختلفت المؤديات تمامًا، فلم تستطع الدراما اللبنانية استرجاع حق الرومانسية المُهدر، بل رسخت لسذاجة الاعتماد عليها بصورة كاملة في إدارة موضوع، وساهمت في إرساء أن الرومانسية كغاية في التناول لا يمكنها أن تحاكي سوى المراهقين.

وهذا كله حدث لأسباب عِدة، أولها الإصرار في العمل على معالجات رومانسية لهدف تسويقي بحت، يخلو تمامًا من الفنية المُحاوِطة، وهذا نلمسه بداية من تسابق المسلسلات اللبنانية في إنتاج العام الواحد على الفوز بأكثر قصة حب استحوزت على إعجاب الجماهير، أي "كابل" كان الأكثر شعبوية؟ "جاد وبيان"من (خمسة ونص) أم "جبل" و"نور" من (الهيبة)، بل وبلغ الأمر ذروة سخافته، عندما أصبح المسلسل الواحد ينافس نفسه، مع من أحببتم "جبل" أكثر؟ مع "عاليا/ نادين نجيم" في الجزء الأول، أم "سمية/ نيكول سابا" في الجزء الثاني، أم "نور/ سيرين عبد النور" في الجزء الثالث. هذا بخلاف ركض الفنانات أنفسهن لكي يكونات الأكثر نجاحًا في لعب دور المعشوقة، وكأن دورهن في الحياة قد توقف على طبيعة ملائمة كيميتهن مع النجم الذي يلعبن أمامه دور البطولة!


هذا لا يعني أبدا إنكاري لموهبتهن، وإلى أدائهن الذي يكاد يكون ممتازًا داخل هذه الأدوار بعينها التي أتحدث عنها، فمثلا "نادين نجيم" كانت ممثلة حقيقية في دور "بيان"، و"سيرين عبد النور" بذلت قصارى جهدها لكي تُجسد مشاعر "نور" في عدة مشاهد بارعة، أنا لا أنتقدهن بذاتهن، وإنما أنتقد الإطار العام الذي تولد فيه نية كتابة هذه الأدوار، وطبيعة توظيفها وتسويقها، وأخيرا مقياس نجاحها.

أما السبب الأهم في عدم أخذ نوايا الدراما اللبنانية في إعلاء شأن الرومانسية على محمل الجد، له علاقة بكيفية العمل على هذه المعالجات الرومانسية، بدءا من انطلاقاتها، مرورًا بجماليتها، ونقطة وهجها، إلى لحظتها الأخيرة. ففي "الهيبة" مثلا هذا العام، نجد "جبل" و"نور" مغرمين بعد عدة مناوشات شد وجذب (لطيفة بالمناسبة) بينهما، لكنها بالطبع ليست كافية أبدا، لكي يتقاربا إلى هذا الحد، ويطلقان على بعضهما توصيف "حب العمر" وما إلى ذلك. هذا إلى جانب الإصرار الغريب في الاعتماد على بعض الكماليات السطحية للغاية، لكي تأصل لرومانسية العلاقة، ولكي تصلح أيضا للشير من الجمهور المهووس على السوشيال ميديا، مجاراة لسباق الأكثر هضامة هذا العام. فنجد "غيمار" في مسلسل "خمسة ونص" يقيم عرسًا فخمًا لـ"بيان" بعد أن يفاجئها بفرقة من البودي جاردات التي تشهر عليها السلاح في البداية، كمحاولة للمزح معها، ثم تتحول لفرقة رقص دبكة، وبعدها تتوالى فقرات الحفل!


وفي "الهيبة" وحينما تكتشف "نور" أن الرجل الذي وقعت في غرامه هو "جبل شيخ الجبل" المجرم المطارد، بينما كان يكذب عليها بشأن هويته، نراها تدخل أسفل الدش، ومن بعدها تبدأ أغنية معبرة عن صدمتها، ومرفقة بلقطات تجميعية لكافة لحظات الحب المولعة التي كانت بينهما!

وأخيرا، يمكن القول أنه قد يكون ثمة أمل في التعامل الدسم مع قضية الرومانسية في لبنان بالذات، بشرط أن يُنتَزع من محاولاتها المستمرة النوايا البائنة لاستغلال الرومانسية في التسويق، إضافة إلى العمل الجاد في تغيير مفهوم أن الرومانسية في الأساس مجموعة مناوشات مؤثرة بين امرأة ورجل، لا يملكا بعدها إلا أن يكونا مغرمين، ولكنها تراكمًا حقيقيًا لمواقف إنسانية جيدة الكتابة، وبالطبع لا ينفي وجودها هذه التوابع البراقة الصريحة من الغزل والشد والجذب إياه.

 
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى