نقد

السينما خبز الفقراء الطازج

 

محمد اليسوف

 

بدأت علاقتي مع السينما عندما كنت صغيرا أتلصص على الشرفات لأشاهد الأفلام التي كانت تعرض كل يوم خميس. كنت أعود من عملي متعبا مرهقا ولا شيء كان ينسيني هذا العالم إلا تلك الصور.

 

 كبرت وكبر حلمي واستقرت الصور في مخيلتي، فقررت أن أشاهد أفضل أفلام السينما من مهدها إلى آخر الإصدارات وبدأت أسرد عليها بالتسلسل الزمني مع أول فيلم طويل صامت “ولادة أمة” وأفلام شارلي شابلن وباستر كيتون وهارولد لويد وروسكو  أرباكل وأفلام الدراما “لفريدريك مورناو”.

 

 ولاحظت شيئا قد يراه البعض أمرا اعتياديا ولكني رأيته بالشيء الذي يجب علينا أن ندرسه جيدا، وهو كثافة نسج الشخصيات الفقيرة على الشاشة باختلافها مهما كان سياق الفيلم درامي أم كوميدي ربما كان السبب الذي دفعني للتركيز على هذا الجانب التجربة الشخصية الذي جعلني أشاهد تلك الأفلام.

 

مهدت لي أحلام شارلي شابلن بشخصية الصعلوك الذي يحلم بعالم أفضل في The kidو modern times  لرؤية أكثر إقناعا أن الفقير وأحلامه هو مصدر الهام لسلسة أفلام لن تنتهِ.

 

نطقت السينما والأفلام التي تناولت قصص الفقراء بخلافها لم تنتهِ وإن قلت وأخذت منحى درامي أكثر وخاصة في أفلام الواقعية الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية.

 

 بدت ترسم ألف حالة وألف صورة لذلك العالم ولكن السؤال الأهم هل كانت عامل جذب جماهيري؟ أو كانت أقرب للرؤية الفنية البحتة؟

 

كل كان له طريقته في رسم العذاب والمعاناة، أو كيفية الحديث عن الشخصية الفقيرة المرحة البسيطة أو الفقير الذي أصبح يعيش في أعماق عالم الإجرام لتحقيق طموحاته.

 

وبعد مرور أعوام على مشاهداتي هناك أعمال مازالت محفورة بذاكرتي، ولكن رأيت عملين فيهما نموذجا استثنائيا ومتمردا ربما لا يشتركان ببعضهم سوى الرؤية الغير اعتيادية للشخصية الفقيرة.

 

Miracle in millan

بإمكاننا أن نكتفِ بحديث دي سيكا عن هذا الفيلم وعن سبب إخراجه وإلهامه الذي دفعه لإخراج نموذج أقل سوداوية من “سارق الدراجة”, دي سيكا يرى أن الصراع بين الطرفين الفقراء والظالمين دائم ولن ينتهِ وموازين القوى غير متكافئ ولكن بالحب وحده سينتصر الفقراء حتماً إن طاروا بأحلامهم لا يردهم جبروت البعض.

 

قد اعتدنا أن نرى الشخصية الفقيرة التي تعرضت للضغوط والهموم متعبة ومكفهرة الوجه لكن هنا الأمر مختلف تماما الابتسامات في كل مكان لن ترى أجمل من ابتسامة توتو.

 

ولا يمكنك أن تكتفي بتعريف واحد لها هل هي ابتسامة أمل؟ براءة؟ أم ابتسامة ملائكية مرسلة من العالم الآخر؟؟

 

 يريد توتو أن يجعل حياتهم أفضل ليحقق أحلامهم صغيرة كانت أم كبيرة والفقير سيسعده في هذا العالم أي اكتشاف جديد يغير حياته ربما بالدرجة ذاتها كان بئر نفط أو ينبوع مياه أو حمام أبيض تائه من السماوات.

 

 قد تسعدهم أشعة شمس دافئة في يوم قارس، لنبتسم أنها السعادة قد لا يعرفون أنها في أحضانهم ولكنها سهلة هنا لا تستحق كل هذا العناء.

 

 في حين أن الطامعين الذين يمتلكون كل القوة والجبروت لن يستطيعوا الطيران بأحلامهم بل سيقبعون على هذه الأرض، فليهنأ كل منهم بنصره.

 

يريد دي سيكا هنا أن يبوح بكل أسراره إن لم تمتلك الحب والسلام الذي يتمثل بشخصية توتو فجبروتك لا معنى له لا تستطيع أن تحب إن كنت لا تستطيع أن تحلم.

 

Sullivan travels

تحفة ستورغيس الخالدة وأحد أكثر الأفلام الأمريكية أهمية في الأربعينات الفيلم الذي لم يحقق نجاح عالمي ملحوظ وقت عرضه لأنه موجه خصيصاً للجمهور الأمريكي ولكنه لاقى استحسانا بعد عقود فلقد رفع بالكوميديا الكلاسيكية الأمريكية إلى قيم أكثر طرحا للأسئلة والمواجهة التي تجنبها سابقا.

 

فلقد وجه أقرب ما يسمى للعتب لصناعة السينما في هوليوود، ولكن ستورغيس استطاع محاكاة نماذج مختلفة في الفيلم حتى بدون أن يلغِ شيئا على حساب الآخر.

 

في البداية سيقدم لنا ستورغيس نموذجاً كوميدياً كرحلة طريق تبدو مسلية حاله كحال القصص التي يعشقها متابعين أفلام هوليوود حيث يبدأ سوليفان المخرج المعروف بالتنكر لأن لديه هدفاً واضحاً بأن يصنع فيلماً يحكي لنا هموم الفقراء.

 

ينطلق معدماً بجيبه القليل من المال تجاوره فتاة شقراء جميلة رأت في هوليوود بوابة لتحقيق أحلامها، تلاحقه سيارة المنتجين التي تحكي بطولاته سوف يكون حديث الساعة حتى قبل أن يبدأ بصناعة فيلمه الخالد.

 

يداعب مخيلتنا هذا السؤال.. هل تتمثل هوليوود برؤية المنتجين الذين يروا الفقراء مادة ربحية على الشاشات؟ أم برؤية طموحية للمخرج سوليفان الذي أراد تحقيق شيء فني أقرب للحقيقة؟

 

حتى منتصف الفيلم لم يخرج عن السياق الكوميدي الكلاسيكي وكأن جميع الأطراف اتفقوا على مبدأ مشترك، المنتجين يحققون ربحاً وفيراً وسوليفان الذي رأى أن شهرته سوف تزداد بعد تحقيق حلمه فيقرر الاكتفاء.

 

ولكن ينزلق الفيلم فجأة لمنحى سوداوي الذي كان مجرد تمثيل وكذبة عاشها سوليفان يعيشها الآن حقيقة أصبحت حياته جحيما لا تطاق.

 

هل حياته هي الفيلم الذي أراد صنعه وسوليفان ما هو إلا مشاهد في الصالات المظلمة؟ أم كابوس لم يدرك متى غفت عيناه ومتى سيطل عليه صباح جديد مل انتظاره؟

 

سوليفان في سجنه مع زملائه بعد يوم عصيب لم يدركوا أنه يوم جديد، يقتادون لرؤية فيلم ترفيهي ليستنشقوا أوكسجينا على شكل صور ليستمروا في العيش يوما آخر.

 

ومع تعالي الضحكات على وجوه المتعبين بدت ترسم ضحكة خجولة على شفاه سوليفان وكان آخر الضاحكين لأنه لم يدرك أهمية إضحاك المتعبين في هذا العالم.

 

سيعود سوليفان إلى مكانه وسيقدم فيلمه الذي أراد ولكن كفيلم كوميدي لأنه حقيقة أراد عيشها الفقراء.

 

سوليفان لون حياتهم التعيسة إنهم ببساطة يستحقون حياة أفضل.

الشيء الذي قاله سوليفان في فيلم ستورغيس، قاله أورهان باموق في روايته “متحف البراءة”: “يجب على السينما أن تسلي أمثالنا الذين يعيشون في عالم من التعاسة بدلا من تقديمها لحياتنا بشكل صحيح”.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى