نقد

«الطفيلي» واقعية تعبيرية عن بيئة حاضنة للأزمات

 

نوار عكاشه

 

في زمن سطوة الرأسمالية والاقتصاد الكانيبالي الذي نحياه الآن، ومع سيادة مبدأ الحلول السهلة المتطرفة؛ تعلو الصيحات حول العالم للتنديد والتنبيه لِهول الكوارث القادمة، والدعوة التوعوية لِتعزيز مبادئ التعايش السليم وصون الكرامات.

 

يدق المخرج الكوري الجنوبي «بونغ جو هوو» (1969) ناقوس الخطر في فيلمه «الطفيلي» (2019، 132د) الحاصل على السعفة الذهبية في مهرجان كانّ 72، مُعلناً دعوته لنا لِهدنة تأملية ومراجعة للذات لتصيح المسار.

 


 

 

في عالم سُفلي؛ تعيش عائلة (كي تايك: سونغ كانغ هو) داخل قبو أشبه بالجُحر، الافتتاحية مع الابن (كي وو: تشوي وو شيك) المتأفف من تغيير جارته في الأعلى كلمة مرور خط الإنترنت الخاص بِها، هي إشارة أولية لِطُفيلية هذه العائلة، يستعرض باقي الأفراد حلولاً تخلو من الاقتراح السليم بِامتلاك خط إنترنت خاص بِهم، يستقبلون صديق ابنهم الزائر بِهدية هي حجر يرمز لِتحسُن الأحوال، وهو ما يحدث بعد تزكيته للابن لدى عائلة السيد (بارك: لي سون كيون) الثرية لإعطاء دروس لغة إنكليزيه لابنتهم بِأجر مُجزي.

 

الابن غير مؤهل بِشهادات علمية لِمهنة التدريس، يلجأ بِمساعدة أخته (كي جونغ: بارك سو-دام) الخبيرة في الفوتوشوب لتزوير الوثائق، فَيكسب العمل.

 

 

سلسلة من التوصيات القائمة على الكذب والخداع للزوجة الثرية (يون كيو: تشو يو جونغ) تجعل أفراد العائلة العاطلة عن العمل بالكامل عمالاً في المنزل الفخم ذو التصميم العمراني الأنيق، تبدلت الأحوال وأصبحوا بِنعمة لم يتوقعوا امتلاكها، حتّى تحدث الكارثة، حين تأتي مدبرة المنزل السابقة (مون جوانج: لي جيونغ يون) وتبعثر رتابة حالهم وهنائهم بِمفاجأة تكشف وجود طفيلي آخر مُختبِئ منذ سنوات دون أن يدري بِه أحد سواها!

 

وهنا تحدث معركة بين طفيليات متصارعة على الاستئثار بِنعيم العائل، تنتهي بِخاتمة مأساوية على كل الأطراف.

 

 

واقعية تعبيرية عن بيئة حاضنة للأزمات

 

يتنحى الشريط تماماً عن الحكم على شخصياته، لا يُدين ولا يبرر، أفلام تيمة الفروق الطبقية وخلل النظام الاجتماعي تنحاز عادةً للطرف المُعوِز مادياً على حساب الميسور، لكن «الطفيلي» يكتسب تميزه بابتعاده عن إلقاء اللوم نحو بُعد سياسي واجتماعي، بِنظرة ثاقبة للتناقص الصارخ بين حياتي الأسرتين.

 

يَصف (بونغ جو هوو) فيلمه في المُلصق المُصاحِب بِأنّه "تراجيديا بلا أشرار"، وهو أبلغ وصف للفيلم الذي لا يُمكن لِمُشاهده إلّا أن يُحبَّ جميع شخصياته ويتعاطف معها، إذاً نحن لسنا أمام دراما واقع مأزوم بِقدر ما هي دراما واقعية تعبيرية عن بيئة حاضنة للأزمات، فالعائلة الفقيرة تُعاني البطالة بعد انفجار اقتصادي بالبلاد أدى إلى إفلاس وإغلاق مُنشآت المشاريع الصغيرة وسطوة الشركات الكُبرى على الاقتصاد مما أدى لِفقدان وافتقاد اليد العاملة لِفرص العمل.

 


 

 

العائلة إذاً كما قدمها الفيلم ليست اتكالية، الأب تنقل بين عدة أشغال قبل أن ينتهي بِه المطاف عاطلاً في جُحره، والأمّ (تشونغ سوك: جانغ هاي جين) يُستَغنى سريعاً عن خدماتها المأجورة مع باقي الأُسرة في تجهيز علب الوجبات السريعة، أما الأبناء فَوضعهم مختلف، وكأنهم فهموا مُبكراً لعبة البقاء وسط مجتمع منقسم طبقياً، فَانحرفوا للحلول السهلة واحترفوا التزوير والمواربة، هؤلاء تشربوا الوصولية من منابع المعاناة، فَاتجهوا للتطفل دون واعز، ليس بِغرض الإضرار، فَهم يؤدون أعمالاً يستحقونها، ولا تؤذي الآخر طالما بقيت أسرارهم قيد الكتمان.

 

 

أما العائلة الثرية؛ فَهُم نقيض ذلك، أحوالهم المادية الجيدة أكسبتهم ارتياحاً شكّل لطافتهم ولباقتهم بِصورة أشبه بالسذاجة لِمن دونهم، هم أناس جيدون، يُتعاملون باحترام ومحبة مع من يعمل لديهم، اهتماماتهم منصبة على سُبل العيش الرغيد والتربية الصالحة للأبناء والمحافظة على الأمان والسلام داخل منزلهم الفاره، لكنهم وكما أشار الفيلم؛ طُفيليين أيضاً، طفيليين في هوياتهم بِتأثرهم بالأمريكي ومحاولة التشبه بِه.

 

 

نجد الزوجة تتباهى بِجلبها أغراضاً من أمريكا بِنبرة تُعبر عن ثقتها بِأي منتج ذو ماركة أمريكية! تلك الطفيلية الهوياتية ترمز لِنظرة فوقية لِكل ما هو محلي بِما فيه البشر، وطفيليين بِارتباط مصدر ثروتهم بِالعمل في شركة كُبرى لِتقانة المعلومات تستخدم لغة الأرقام والبرمجيات الجافة والتي تبعدها بطبيعتها عن الاكتراث بِأحوال عيش من هم دونهم.

 

يعالج الشريط الفجوة بين الأسرتين بِحالة تأملية لِقضية متأصلة في كافة المجتمعات حول العالم، وتُولى بالغ الاهتمام لدى الباحثين في علم الاجتماع بِعصرنا الحديث.

 


 

 

سيناريو تصاعدي بِخلطة سردية

 

من الصعب لِكل صانع أفلام تناول تيمة تمّت معالجتها مراراً وتكراراً حتى صارت مُستهلكة بِرأي الأغلبية، ذلك يتطلب ابتكاراً درامياً وبصرياً شديد الفرادة والإحكام، يمكننا أخذ «الطفيلي» مثالاً لِذاك الابتكار، فالمخرج وهو كاتب السيناريو أيضاً؛ قدم لنا معالجة منسوجة بالإبرة والخيط لِضمان متطلبات التميز، سيناريو تصاعدي لِقصة تغطس أدبياً في عمق التشابكات الاجتماعية بِأسلوب آخاذ وإيقاع مضبوط يُبقي المُشاهد مشدوهاً ومشدوداً للتطورات وتوالي الأحداث.

 

والأجمل هو تلك الخلطة السردية التي اتبعها (بونغ جو هوو) في فيلمه بِمزجه عدة أنماط سردية من الكوميديا السوداء والإثارة والتراجيديا، تلك الصبغة متعددة الألوان أضفت على الشريط طابع تشويقي مؤثر، وديناميكية فيلمية استأثرت بِحسيّة وفكر المُتلقي، حتّى وصل لحالة الاندماج العاطفي مع شخوص الفيلم جميعاً دون ميل لِطرف محدد. لكن النهاية جاءت صادمة للجميع، وبتتبع دقيق لِطبائع الشخصيات وتفاعلاتها؛ نستطيع اعتبارها شرخاً في الفيلم وهبوطاً في منطقية المعالجة الافتراضية لِعلاقة شخصيات الطرفين.

 

 

 

لِنعد لتلك العلاقة كما وردت في الفيلم، علاقة أسرة مكافحة تتسم بالطموح الجامح والحيوية الأنانية والخبث بِدرجاته الدُّنيا، يُعانون الفقر وسوء المعيشة في السكن والأحوال، لكنهم ليسوا أشراراً بالمطلق، نراهم ساعين بالحيلة نحو واقع أفضل، كارهين بنسبة معقولة للأثرياء، لكننا لم نشهد أيّة دلالات حقد واغتياظ قد تدفع أحدهم لمجرد التفكير بِارتكاب جريمة قتل، ويدعم ذلك المعاملة الحسنة التي يتلقونها من الأسرة الثرية.

 

حيث أننا لم نشهد طوال الأحداث أي صدام أو حدة في التعامل أو حتى ازدراء علني موجه، بل على العكس تماماً، كانت العلاقة طبيعية وبِأفضل أحوالها ضمن نوعيتها، كما لم يُقدَم لنا دلالات كافية عن معاناة مأساوية تُفسر سيكولوجية الإجرام حتى وإن خرجت الأمور عن السيطرة، ذلك ما تكفل بِنسف منطقية جريمة قتل فرد من إحدى الأسرتين لِندّه، وحوّل نهاية الفيلم لِفانتازيا هشة لا تليق بالسينما وبالاشتغال الفني الكبير على هذا الفيلم.

 


 

 

دراما الكادرات والبلاغة الفنية

 

العلامة الفارقة للسينما "الشرق آسيوية" وميزتها الموحدة في كافة إنتاجاتها هي هندستها الفنية، في «الطفيلي» القادم من كوريا الجنوبية؛ دلالات درامية كثيفة بالمنظور تُؤخذ من تناسقات الأحجام والارتفاعات، إسقاطات وتقاطعات تقول دون أن تنطق.

 

أسرة (كي تايك) تعيش تحت مستوى الأرض، بشر بِرائحة القاع، نوافذهم صغيرة وضيقة لدرجة حجبهم عَمن بالخارج، وحجب الشمس عنهم، إنّهم حرفياً تحت أقدام البشر وبول السُّكارى، ومجلسهم أخفض حتى من مرحاضهم، يسكنون قبواً يتشاركونه مع طفيليات حيوانية من حشرات تعتاش على قليل ما يملكون، وتكاد المبيدات تخنقهم قبل أن تخنق تلك الحشرات!

 

 

قبو في حي شعبي مريب، يغرق بِمياه المجاري حين تهطل الأمطار، وطرقهم للعالم الخارجي أدراج تكبر مساحةً وارتفاعاً من الأسفل إلى الأعلى، وحين الوصول للأعلى نرى عالم عمراني مختلف كُلياً، يسكنه مجتمع غريب عمّا أسفله وكأن لا رابط يجمعهما! منزل أسرة (بارك) مرتفع وشاسع، بناه معماري مرموق أتقن إدخال الشمس لتسكنه طوال النهار، رتابة وأناقة ونظافة تفرض على سكانه الهدوء والطمأنينة، وتبعد عنهم تجاعيد التعب والضيق، النوافذ هنا حيطان زجاجية، والحديقة أمامها رحبة متسعة، ولكن في الأسفل سراديب مجهولة يسكنها شبح طفيلي، لم ينتبه أصحاب المنزل لها -رغم أنّها جزء من البناء- إلّا بعد فوات الأوان.

 

 

تلك الفوارق في البناء هي فوارق في أقرب ما للإنسان وخصوصيته، فالمَسكن بيئة وطابع، المسكن يُشكل الشخصية ويُعطيها معالمها، وتؤثر بِها طوعاً، يعطيه رائحة يستحيل إخفاؤها، رائحة العفن في القبو الرطب بصمة لا تُمحى، والسماء الصافية الزرقاء تُبهج من استيقظ بعد نعمة الأمطار التي لا يدري كم عانى الآخرون من هطولها، إنّها دراما الكادرات.

 

 

 

يزخر «الطفيلي» بالصور الناطقة صمتاً، بلاغة فنية في حواراته البناءة وموسيقاه التفاعلية وزوايا تصويره، كل ذلك يروي، المُشاهِد شريك في الفيلم، أسلوبية التوليف والقطع أشركته مراقباً ومتتبعاً لِمسيره، وأكثر من ذلك.. أصبح المُشاهد طفيلياً يعتال على السينما الآخاذة وجمالياتها الآسرة كما هي حال هذا الفيلم.

 


 

 

الفيلم حائز على عدة جوائز ومنها: السعفة الذهبية من الدورة 72 لمهرجان كانّ السينمائي، وجائزة golden globe كَأفضل فيلم أجنبي، وجائزتي BAFTA كَأفضل فيلم أجنبي وأفضل سيناريو أصلي.

الفيلم مُرشح لـ6 جوائز OSCAR

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى