ريفيو

المدينة البعيدة.. دراما تُعرّي توريث المرأة وصراعات القوة والعاطفة

نسيم الديني

منذ عرضه الأول، حجز مسلسل “المدينة البعيدة” مكانًا بارزًا في خارطة الدراما التركية والعربية، بفضل حبكته المشوقة وما يحمله من توتّر عائلي يلامس طبقات المجتمع المختلفة. لكن خلف هذا الانغماس الجماهيري، يبقى المسلسل أهم من مجرد أحداث مثيرة أو شخصيات قوية؛ فهو عمل يطرح قضايا اجتماعية وثقافية حسّاسة تُطرح للمرة الأولى بهذا الوضوح، خصوصًا فيما يتعلق بمكانة المرأة ووضعها داخل البنية العائلية التقليدية.

وبصفتي متابعة للمسلسل منذ موسمه الأول، وبحكم عملي في البحث ورصد ردود فعل الجمهور، لاحظت ظاهرة لافتة:

الجميع يتحدث عن الحبكات، الصراعات، العلاقات، والمفاجآت… لكن قلّة قليلة فقط توقفت أمام صميم القضية التي يبني عليها المسلسل جزءًا كبيرًا من دراما الصراع:

توريث المرأة بعد وفاة زوجها، وإجبارها على الزواج من أخيه باعتباره امتدادًا “شرعيًا” لملكية الرجل داخل الأسرة.

هذه الفكرة الثقيلة، التي يجب أن تكون صادمة، لم تخلق موجة اعتراض كما يفترض  وهنا تبدأ أهمية قراءة العمل من زاوية مختلفة.

مسلسل المدينة البعيدة
مسلسل المدينة البعيدة

امرأة تُنزع منها إرادتها… وتُقدَّم كجزء من التركة

في واحدة من أكثر اللحظات الدرامية قسوة، نجد المرأة المفجوعة بوفاة زوجها تُساق إلى زواج جديد، ليس بناءً على رغبتها، بل لأن العائلة رأت أنه “الحل الطبيعي”.

لا وقت للتعافي، ولا مساحة للاعتراض، ولا حتى فرصة لتعرّفها على هذا الرجل الجديد.

تتحول فجأة من زوجة حرة… إلى عنصر تنتقل ملكيته بحكم العرف.

المسلسل يلتقط هذه اللحظة بدقة صادمة، لكنه يمرّرها داخل قالب عاطفي يجعلها تبدو وكأنها جزء من “منطق الأحداث”.

لكن الحقيقة أن هذا الحدث هو إحياء لعرف قديم كان ينزع من المرأة حق الاختيار بالكامل، ويعاملها كوحدة اجتماعية يجب أن تبقى داخل حدود العائلة نفسها.

مسلسل المدينة البعيدة
مسلسل المدينة البعيدة

المرأة في مجتمع ذكوري… ولكن الأم هي السلطة الصلبة

المثير في “المدينة البعيدة” ليس فقط كيفية تعامل الرجال مع مصير المرأة، بل هو التناقض الأعمق الذي يبرزه العمل:

امرأة تُسلب إرادتها أمام سلطة ذكورية عليا، وامرأة أخرى – الأم – تمارس سلطة شبه مطلقة على الأسرة.

الأم هنا ليست ضحية النظام الذكوري؛ بل شريك رئيسي في استمراره.

تمارس قوة هائلة، لكنها قوة مصمّمة لخدمة النموذج نفسه:

        •      السيطرة

        •      الحفاظ على العادات

        •      فرض الأدوار

        •      ضمان الطاعة

        •      حماية “اسم العائلة” على حساب النساء الأصغر سنًا

هذا التوتر بين امرأة محكومة وامرأة حاكمة يُمثل أحد أجمل عناصر المسلسل وأكثرها عمقًا، حتى وإن لم يُناقشه الجمهور بالشكل الكافي.

مسلسل المدينة البعيدة
مسلسل المدينة البعيدة

ماردين: المدينة التي تحكي تاريخًا متعدد الثقافات

اختيار مدينة ماردين ليكون موقع أحداث المدينة البعيدة ليس مصادفة. تقع ماردين على مفترق طرق تاريخي بين الأناضول وبلاد ما بين النهرين، وتُعرف بتعدد ثقافاتها وسكانها من العرب والكُرد والآشوريين وغيرهم. هذا التداخل العرقي واللغوي يجعل المدينة منصة مثالية لتصوير الصراعات العائلية والاجتماعية، ويضفي على الحبكة مصداقية أكبر، حيث تُبرز التقاليد المختلطة، والقوانين غير المكتوبة، والعادات التي تحكم العلاقات بين النساء والرجال.

مسلسل المدينة البعيدة
مسلسل المدينة البعيدة

وجود المسلسل في هذا الموقع التاريخي والثقافي يعطيه بعدًا إضافيًا:

        •      يُظهر كيف تتقاطع العادات التركية والعربية في نفس البيئة.

        •      يسلط الضوء على الثقافة المشتركة التي تفسر بعض سلوكيات الشخصيات وتقبلها للعُرف القديم.

        •      يجعل المشاهد العربي يشعر بالقرب من الحدث، بينما يعطي الجمهور الأجنبي فرصة لملاحظة اختلاف العادات والتقاليد.

مسلسل المدينة البعيدة
مسلسل المدينة البعيدة

المفارقة العجيبة: المشاهد العربي والغربة بين المألوف والغريب

المفارقة تكمن في أن المشاهد العربي، رغم أنه غالبًا يعيش في مجتمع يعاني من قيود على حرية المرأة، لم يستطع التعبير عن اعتراضه على أحداث المسلسل.

المشهد، الذي في أي ثقافة أخرى يُعد صادمًا أو انتهاكًا للحقوق الفردية، شعر عنده المألوف والقريب من التجربة، وكأنه شيء طبيعي.

بينما الجمهور الأجنبي، أو من ثقافات أخرى، يراه انتهاكًا صارخًا لحقوق المرأة، ويصرّ على التعبير عن رفضه واستنكاره.

هذه المفارقة تعكس عمق الفارق بين المألوف الثقافي وبين الأخلاق العالمية، وتظهر كيف يمكن للعادات والموروث الاجتماعي أن “تُخدر” وعي الجمهور العربي حتى أمام أحداث تبدو غير عادلة بشكل واضح.

مسلسل المدينة البعيدة
مسلسل المدينة البعيدة

الصفعة الدرامية: الحب والذنب بين الأرملة وأخ الزوج

الكاتب لعب بذكاء على حساسية المشاهد الشرق اوسطي من خلال توظيف الصراع النفسي العميق بين الأرملة وأخ زوجها. في الجزء الثاني، رغم أن المشاعر بينهما تحولت إلى حب حقيقي وعشق متبادل، لم يتم بينهما أي علاقة زوجية.

السبب ليس غياب الرومانسية، بل شعورهما بـ الذنب تجاه الأخ الميت ووفاءً لذكراه، وهو شعور يضيف عمقًا نفسيًا ونبلاً أخلاقيًا للشخصيات، ويجعل الحدث أكثر واقعية وتأثيرًا على المشاهد.

مسلسل المدينة البعيدة
مسلسل المدينة البعيدة

بهذه الطريقة، يحقق الكاتب توازنًا بين:

        •      الدراما العاطفية المشوقة

        •      الحس الأخلاقي الاجتماعي

        •      تجنب تجاوز الأعراف التي تُعتبر مقدسة لدى الجمهور المحلي

ويجعل المشاهد يتأمل في الصراع بين الحب والواجب، بين الرغبة والوفاء.

مسلسل المدينة البعيدة
مسلسل المدينة البعيدة

خاتمة

“المدينة البعيدة” ليس مجرد مسلسل تشويقي أو عائلي، بل عمل يحفر في الأعماق الاجتماعية والنفسية:

        •      يطرح سؤالًا مركزيًا عن حرية المرأة في اتخاذ قرار حياتها، مقابل تقاليد وعادات مستمرة عبر الزمن.

        •      يكشف المفارقات بين السلطة الأنثوية والذكورية داخل الأسرة.

        •      يسلّط الضوء على كيفية تقاطع الثقافة والمكان (ماردين) مع الصراعات الشخصية والعائلية.

        •      ويكشف عن الفارق الكبير بين وعي الجمهور المحلي والغربي تجاه حقوق المرأة والاختيار الفردي.

المسلسل يقدم بذلك مرآة ثقافية ونفسية حية، تجعل المشاهد يعيد التفكير في الأعراف والموروثات، ويضع المرأة والرجل في قلب السؤال الأهم:

هل هو/هي حقًا صاحبة قرار

مسلسل المدينة البعيدة
مسلسل المدينة البعيدة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى