رأي

المدينة في السينما العربية.. مصر – شاشة واحدة لصور متعددة (1-6)

جمال محمدي

  في مصر يبقى أبرز من رصد المدينة والحي الشعبي ولكل الأوقات، ربما ثلاثية نجيب محفوظ التي ترسم أصدق صورة للأحياء والمدينة الشعبية للقاهرة "زقاق المدق" لحسن الإمام (1936 ( و"قصر الشوق" (1966) و"السكرية" (1973) وفيلم "العزيمة " لكمال سليم (1939) الذي  هذا الفيلم، كانت فيه الحارة  المصرية مجسدة بكل شخوصها المعمارية والبشرية وهو من  الأفلام التي تناولت الحارة الشعبية المصرية ، فالحارة عند سليم كمال ليست فقط ديكورات فقط وملأ لخلفية الصورة، لكنها تقدم  للمتفرج روح الحارة وجوها العام، وفيلم" بورسعيد المدينة الباسلة" (1956) الذي جاء بعد جلاء العدوان الثلاثي على مصر في 23 ديسمبر 1956 بأقل من سبعة أشهر، كانت قد صورت مشاهدها لخارجية في أماكنها الطبيعية في مدينة بورسعيد الحاضرة، و نفس الفضاءات للمدينة التي تحتضن الكاميرا وتتناغم معها لنقل الواقع في فيلم "السوق السوداء "لكامل التلمساني (1945) الذي احتمى بحارة مصرية عريقة لينشر غسيل الجشع.

وصلاح أبوسيف الذي يعتبر أحسن من يرسم البيئة الشعبية للحارة المصرية  في فيلم "الفتوة "(1957) وفيلم "حياة أو موت" لكمال الشيخ (1954) هذا الفيلم في معظم مشاهده يدور في شوارع القاهرة،  عندما تنزل الابنة (ضحى أمير)  إلى شوارع القاهرة بحثا عن الدواء لأبيها المقعد "مدينة حياة أو موت" تمتلئ بالنماذج البشرية ..والمدينة هنا ذات قلب طيب، تعامل الطفلة بحنان ".

وبعد مرور مائة وعشرون عاما من عمر السينما المصرية كانت القاهرة والإسكندرية المدينتان الأكثر حضورا في السينما العربية وربما كانت الإسكندرية بالرغم من سيطرة القاهرة على عقول صناع السينما في غالبية الإنتاج السينمائي المصري، إلا أنه يظل لمدينة الإسكندرية مكانة خاصة لدى أغلب المثقفين والفنانين بالرغم من صغر مساحتها وقلة الأماكن الأثرية بها مقارنة بمحافظات أخرى. 

حيث يذكر محمود راضي هذه الخاصية في حضور مدينة الإسكندرية في السينما من خلال أفلام مثل "ميرامار" صورة تعكسها المرأة العاملة في بنسيون صغير تجتمع به العديد من الشخصيات ذات الطباع المتباينة، ويصبح هذا العالم المصغر نافذتها على العالم الأكبر أو المدينة. وربما تبقى أفلام المخرج الكبير يوسف شاهين الذي حول مدينة الإسكندرية إلى مدينة مفتوحة على مصراعيها أمام العالم في جل أفلامه لاسيما في فيلم "إسكندرية ليه"، "حدوتة مصرية"، "إسكندرية كمان وكمان" لتعود المدينة في فيلم "آيس كريم في جليم" غير قادرة على مواكبة تطلعات أهلها، فتتحول المدينة هنا إلى مجرد ذكرى، أو إلى ظل للحكاية، حيث يختزل سيف بعد انتقاله لمدينة القاهرة كل ذكرياته معها في ذكرى وحيدة لفتاة جميلة، كانت تأكل آيس كريم بالشيكولاتة والليمون في محل كان يتردد عليه في منطقة جليم بالإسكندرية!!!  

المدينة التي قال عنها يوسف شاهين: الإسكندرية عندي ليست مجرد مدينة. وإنما فكرة عن حياة مفتوحة بلا خوف، مثل البحر المتسع لكل شيء ملئ العالم كله. وقال عنها أيضا: (يوسف شاهين) بنفسه عن مدينته: (لقد كانت الإسكندرية حالةٌ خاصّة جداً.. منذ أكثر من خمسين عاماً، كان يعيش فيها يونانيون، إيطاليون، مالطيون، بلجيكيون، وجنسياتٍ أخرى، وكان فيها الكثير من الفرنسيين، والمؤسّسات الفرنسية. لم يكن هناك أيّ أصوليةٍ، أو تعصب، يعيش من فيها في هارمونيةٍ تامة، وكان لذلك تأثيراً فظيعاً على حياتي، تجسد الأفلام التي أنجزتها عن الإسكندرية 80% منها سيرةً ذاتية, 10% من الخيال، و10% من الأحلام…)

إن مدينة الإسكندرية في فيلم إسكندرية ليه، كما يصفها أحمد فايق: في هذا الفيلم كانت المدينة جميلة على الرغم من أنها تحت الاحتلال، لقطات بانورامية تستعرض جمال المعمار الأوربي الذي انتشر في الإسكندرية، استعان في بعض اللقطات بالأماكن الحقيقية وأستعاض في لقطات أخرى بأماكن شبيهة -المدينة كانت كورنيش جميل ومفتوح على البخر، مسرح الهمبرا فيكتوريا كولدج- الترام، البنك- الكباريه، البيوت- القصور- سينما مترو، محلات تجارية- محطة القطار.

ويستشهد محمود راضي بهذه الصورة لمدينة الإسكندرية في فيلم معاصر مثل" ميكروفون" حيث تظهر الإسكندرية في حالة مختلفة كثيرًا تحفل بعدد من المتناقضات في بوتقة واحدة، فبينما تظهر كل أشكال اللاتصالح مع الواقع.

ربما هذه المقاربة في حضور المدينة على الشاشة  المصرية، لم تكن في يوم من الأيام لتغيب عن الأذهان، فبعد مرور أكثر من مائة عام على صورة المدينة في الشاشة المصرية، تبقى أحياء مثل خان الخليلي الحلمية، وشبرا، والسيدة زينب، تتكرر في مشاهد مختلفة، لتحكي صورة واحدة أعادتها  إلى الواجهة مشاهد  أفلام جديدة على غرار فيلم "نوارة" لهالة خليل (2016)، نوارة رمز البساطة والكرامة المصرية التي تحمل في رحلتها اليومية كخادمة بيوت، تنتقل بين حارات الحي الفقير وطرقات وفيلات الكومباوند كل يوم تحمل هموم طبقتها وأحلامهم المصرية البسيطة، ولم تكن تعلم ما يخفيه ربيع (2011). 

ليأتي الفيلم الوثائقي الدرامي ما قبل الربيع للمخرج أحمد عاطف ويعري المدينة التي أخرجت نوارة وغيرها  من الأطفال الذين كبروا قبل الوقت، فيلم يحكي من خلال العودة إلى الأحداث التي عجلت برحيل نظام حسني مبارك، من خلال نشاط مجموعات الآنترنت والتعبئة الجماهيرية الشبابية للمسيرة الحاشدة، بمعالجة فنية تكاد تكون توثيقية لولا الصور الجميلة والعلاقات الاجتماعية التي تجمع نجوم الفيلم، وبانسيابية درامية وقصصية جريئة وحالمة، عرف المخرج الشاب عاطف كيف ينسج أحداثها، تحاكي الواقع دون أن تحرم المتتبع للفيلم متعة المشاهدة بجماليات السينما.
 
أوضاع يجيب عنها محمود سليمان في الفيلم الوثائقي "أبدا لم نكن أطفالا" الذي يرصد حالة من حالات المواطنين الذين كان يعيش بينهم متابعا تفاصيل حياة شخصيات من عمق المجتمع المصري، حاملا كاميرته لتكون شاهدا على تحولات عرفتها المدينة المصرية على مدار ثلاثة عشر عاما، منذ السنوات العشر الأخيرة لحكم الرئيس مبارك إلى بارقة الأمل التي لمعت مع ثورة 24 يناير، ليبقى محمود الطفل الذي كبر قبل الوقت يعش الطفولة المجروحة إلى حين، إلى فيلم "حار جاف صيفا" (2015) لشريف البنداري، وكيف أن المدينة تلاقي شخصين صدفة، لكن مقابلتهما تغير حياتهما رأس على عقب !!  

ويأتي فيلم اشتباك Clash (2013) لمحمد دياب، ليرصد هذه وجه المدينة المصرية في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية وحتى الأمنية منها، لكنها لم تغير من صورة المدينة المصرية الحالمة دوما إلى ما كل ما هو جميل وآسر لعيون المخرجين، وتبقى القاهرة والاسكندرية ومدن أخرى تولد من رحم الأحداث، حتى وهي تعيش أصعب فترات مخاضها، كما ترصدها كاميرا ثامر السعيد الشاهد على آخر أيام المدينة (2016) فيلم وثائقي يلتقط فيه نبض القاهرة شهر ديسمبر (2009) في لحظة بدت فيها القاهرة كأنها تفقد كل شيء.

 
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى