رأي

“الممر” إلى قدس الأقداس 

خالد سليمان خالد 

 قد يهون العمر إلا ساعة، وتهون الأرض إلا موضعا، هكذا تكلم أمير الشعراء أحمد شوقي بك في رائعته "جبل التوباد" التي لحنها امبراطور النغم محمد عبد الوهاب لتخلد فصلا من فصول غرام قيس بن الملوح بابنه عمه ليلى العامرية، ولأن "الإسقاط وظيفة المتلقي" لم يسقطها الفقير إلى ربه تعالى كاتب السطور إلا على الوطن، إذ لم أجد مطلقا ساعة أغلى من ساعة يصبح فيها العمر فداء للوطن، ولا موضعا أسمى من موضع تعانق فيه دماء الشهيد ثرى الوطن لترويه بأكسير الحياة والخلود. 

آنئذ يمسي العمر أغلى الأشياء وهو يمنح الخلود للشهيد ويجدد في عمر الوطن، وتهون كل الأرض إلا موضعا ارتوى من دماء الشهيد، وما أكثر المواضع التي ارتوت بدماء الشهداء في وطني مصر، قدس أقداس الأرض، تلك البلاد التي اختارها الله ليكون فيها الوادي المقدس "طوى" حيث أمر الله نبيه "موسى" أن يخلع نعليه ومن بعده كل البشر، لم يؤمر البشر بخلع نعالهم في المشاعر المقدسة على ظهر الكوكب إلا في مواضع محددة، ولم يستثن من ذلك إلا الوادي المقدس "طوى" في قلب سيناء بأكمله. 

ولم يكن من قبيل الصدفة أن يذكر الله "مصر" في كافة كتبه المقدسة تصريحا وتلميحا أكثر مما ذكر كل بلدان الأرض بما في ذلك "مكة، بكة" حيث يوجد بيته الحرام، وكيف لا، ألم يقسم "بطور سنين" وتينه وزيتونه؟، ألم يقسم بشجرته المباركة" وشجرة مباركة تخرج من طور سيناء"؟، سيناء ممر الأنبياء ومأمنهم، سيناء المروية بدماء المصريين منذ بدء الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، سيناء التي باركها المسيح وأمه مريم سيدة نساء العالمين بخطواتهما القدسية نحو الأمان في قلب مصر.

فهل تعجب حين يقال في الإنجيل "مبارك شعبي مصر"، سيناء المصرية شريان الوتين وممر القادمين إلى قلب مصر كنانة الله في أرضه وأم الدنيا بقرار إلهي. 

الممر: من وجع الغربة أنني حرمت حتى كتابة تلك السطور من مشاهدة الفيلم السينمائي الذي حمل ذلك الاسم الذي يحرك الشجون "الممر"، والذي أثار مشاعرا جياشة في قلب كل مصري وقلب كل محب لمصر حسبما بلغنا من أصداء، الممر للحرية والكرامة والقداسة والخلود في عقل وفؤاد كل مصري هو سيناء، تعلمنا ذلك من تاريخنا المجيد عندما طرد قائدنا أحمس للهكسوس، البدو الغزاة والملوك الرعاة، ومن القصص الديني عن أنبياء الله إبراهيم وموسى وهارون ويوسف والمسيح وغيرهم من الرسل والأنبياء وصولا إلي محمد "صلى الله عليه وسلم"، إذ يروى في الحديث عن رحلة الإسراء والمعراج عن أدائه الصلاة في جبل "الطور". 

ولا يمكن لمصري حقيقي أن يتجاهل ما كتبه علامة الجغرافيا الشهيد الدكتور جمال حمدان، عن سيناء، في سفره العظيم "شخصية مصر، عبقرية المكان" وشرحه الآسر عن عبقرية الموقع والموضع، وكتابه العظيم عن جغرافية سيناء وجبالها الشاهقة، التاريخ والجغرافيا حافلان بذكر سيناء العطر.

 وعندما جاء دور الفن السابع كان الفيلم العلامة "أغنية على الممر" بطولة الفنان العظيم محمود مرسي، الذي أخرجه المخرج الكبير علي عبد الخالق، والذي يروي قصة صمود سرية مصرية صغيرة عند ممرات سيناء، ورفضها تنفيذ الأوامر الصادرة بالانسحاب عقب نكسة 1967، والقرار الذي اتخذوه على مسؤوليتهم بالقتال حتى آخر قطرة دم رغم الجوع والعطش ونفاذ الذخيرة، وألا تمر آليات العدو إلا على جثة آخر رجل فيهم. 

بعد مشاهدتنا الفيلم آنذاك خرجنا نغني القصيدة التي كتبها أحد شهداء الممر الجندي الشاعر صاحب أغنية على الممر "أبكي، أنزف، أموت، وتعيشي يا ضحكة مصر"، الفيلم مأخوذ عن قصص حقيقية لجنود فضلوا الموت على الانسحاب، وهان العمر عندهم إلا ساعة الشهادة، وهانت عندهم الأرض إلا موضعا في سيناء رفضوا التخلي عنه إلا على جثامينهم الطاهرة، قضوا نحبهم لتجاوز أعناق المصريين عنان السماء، لكن البقية كانوا في انتظار دورهم ليصدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا. 

ضمن هؤلاء وفي طليعتهم كان أمير الشهداء إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعة ٣٩ قتال، وشخصيته فيما بلغنا هي الشخصية الرئيسة في فيلم "الممر" الذي أتصور أنه يمثل "عودة الروح" في قوى مصر الناعمة والتي تبعث الروح بالفعل في أجيال هي أمل مصر القادم ومستقبلها الواعد.


 
الطريق إلى المجد 
الطريق إلى المجد يبدأ بالاستفاقة على النفس و عودة الوعي من خلال طرح الأسئلة التي تمهد طريق المعرفة وأولها أن "تعرف نفسك بنفسك" تلك العبارة العظيمة التي وجدها "سقراط "على جدران "معبد دلفي" في اليونان فكانت الرحم الذي ولدت منه فلسفته، كان في صدارة الأسئلة التي طرحناها على الآباء و الأعمام والأخوال رحم الله منهم من رحل وأطال بقاء من بقى ما هي الممرات "متلا " و"الجدي" إلخ، لنعرف أنها الممرات الحاكمة لسيناء، لنكتشف ما هي سيناء و ما هي الأهمية التي تشكلها و أنها خاصرة الوطن وعموده الفقري وأن أرواحنا ودمائنا جميعا فداء ذرة رمل منها.

أيضا ظهور فيلم الممر في ذلك التوقيت البالغ الحساسية و الدقة و الذي يعاد فيه تشكيل خريطة العالم على كافة الصعد "جيوبولوتيكيا واقتصاديا واجتماعيا "إلخ هو خطوة شديدة الأهمية لكي نبدأ رحلة الوعي للاستفاقة على أنفسنا من خلال تاريخنا القديم والحديث والمعاصر وصولا إلى الواقع اليومي المعيش، نطمح الآن أن يعلم أبناء الوطن خاصة جيل المستقبل من الأطفال والشباب أن الأمة المصرية هي أول الأمم التي عرفت الخلود في الحياة الأخرى وأن أشرف طريق للخلود في تلك الحياة هو الشهادة في سبيل الوطن قدس الأقداس منذ عهد الفراعين العظام "الملك العقرب و مينا" الذين وحّدو البلاد مرورا "بأحمس" محرر الوطن من "الهكسوس" والعظيم "تحتمس الثالث" والمنتصر في "مجدو و قادش" رمسيس الثاني. 

 

نطمح أن نعلّم أبناء الوطن أن الكنيسة المصرية هي من اعتمد "تقويم الشهداء" الذين صانوا وطنهم وعبدوا للمسيحية طريق الحقيقة عبر الرهبنة على أيدي الإباء "الأنبا بولا والأنبا أنطونيوس والأنبا باخوميوس الشايب"، كل هؤلاء كابدوا من أجل مجد الوطن وورثوا الأحفاد المجد، فكان من صلب هؤلاء بطل معركة التل الكبير الأمير آلاي "محمد بك عبيد "، و"عمر شاهين" و"أم صابر"، ومن روت دمائهم الطاهرة أرض الجزائر وفلسطين منذ زمن غزو الصليبيين والتتار إلى خمسة حروب خاضوها في العصر الحديث على أرض فلسطين وسيناء.

صفحات الفخار المصري لا تنتهي، من أمير الشهداء إبراهيم الرفاعي، في حرب رمضان أكتوبر ١٩٧٣، ومعه إبراهيم عبد التواب ومحمد مقلد، قادة موقع "كبريت" الصامد في تلك الحرب، وقبلهم شهداء حرب الاستنزاف النبيلة التي رفض الشعب المصري فيها الهزيمة واستأنف القتال بعدها بأيام في معركة "رأس العش "المجيدة، ومازالت زغاريد زفاف الشهيد طيار "أشرف مقلد"، ابن عمتي، ترن في أذني منذ كنت طفلا، وهو يوارى ثرى مقابر شهداء الطيران في "الغفير" بعد استشهاده أيضا في حرب الاستنزاف. 

ومازال مشهد أداء زملائه وقادته التحية لجثمانه يسكن عينيّ حتى اليوم، ليذكرني به دائما العظماء من أنداده "أحمد المنسي " و"خالد مغربي" الدبابة البشرية والجندي الشجاع "علي" وبعده زميله "أبانوب" وفيالق من شهداء الجيش والشرطة والمواطنين البسطاء ملح الأرض الطيبة، جميعهم يستحقون أن يحتفى بهم، ونستحق أن نعرف صفحات المجد التي سطروها عبر إبداعات المسرح والسينما والشعر والرواية والفن التشكيلي..إلخ. 

تحية وتقدير
تحية وتقدير للمخرج الكبير المبدع شريف عرفة وكل نجوم فيلم "الممر" وصناعه، الذي لم نشاهده لكن وصلتنا أصدائه، وقبلهم من أعطى "العيش لخبازه" ليقدم لمصر عملا عظيما، وللشئون المعنوية بالقوات المسلحة المصرية التي وفرت كل الإمكانات ليخرج فيلم الممر بهذه الصورة البديعة المبهرة، ولدوبلير الفنان "أحمد عز "الذي أصيب في عموده الفقري من جراء إخلاصه في عمل وطني عظيم، وللمنتج هشام عبد الخالق، الذي آمن بالوطن وقدم لنا عملا يليق بمصر ومحا صورة المنتج الذي لا هم له سوى المكاسب المادية. 

أمنية المغتربين
تبقى أمنية ورجاء من أبناء مصر المغتربين، لعلها تجد صدى لها عند منتج فيلم "الممر" هشام عبد الخالق وإدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة المصرية، وسفراء مصر بالخارج وفي طليعتهم سعادة السفير نبيل حبشي، سفير مصر في تونس، أن يمكنوا الجاليات المصرية في الخارج من مشاهدة هذا الفيلم في عرض خاص أو من خلال الاتفاق مع الموزعين ولو لفترة محدودة، إذ أنه من حق أبناء مصر المغتربين تقوية أواصر الارتباط بالوطن وأن يفخروا به.

امنحونا شرف أن نعظم شهدائنا من المصريين وممن عشقوا مصر فأصبحوا من أبنائها مثل "سليمان الحلبي" و"جول جمّال" لتصبح دمائهم عظيمة الجاه، كما قال والد الشعراء عمنا فؤاد حداد عن هؤلاء الفرسان المحجلين والغر الميامين من شهداء أرض مصر، فما قاله عن زكي الدماء الأمير آلاي "محمد بك عبيد" ينسحب عليهم جميعا. 
الملحمة أخلد من التماثيل 
كان حي ماله في الشجاعة مثيل 
كان جسم في تراب الوطن مثواه 
كان قلب كل المؤمنين جواه 
عظم شهيدك 
كل دم يسيل على أرض مصرية عظيم الجاه 
إنهم الأحياء الخالدون في تراب مصر الحي المروي بدمائهم عبر ممر الأبطال إلى كنانة الله في أرضه.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى