نقد

المنتقم للطبقة الوسطى.. قراءة سريعة في سينما “الطيب”

عمرو شاهين

لم يكن مجرد مخرجا عاديا بل من الممكن القول إنه المخرج الوحيد الذي اعتبره رجل الشارع أحد أبطاله الخالدين، فهو المنتقم من سارقي الأحلام والقوت وصاحب القبضة التي تصطدم بوجه النفعية والوصولية، هو المخلص للطبقة الوسطي في فترة حاولت المنظومة الاجتماعية الاقتصادية للدولة سحق تلك الطبقة ومحو أثرها من الوجود، هو الشرس أمام لصوص الأمل، هو الطيب في عين البسطاء والمهمشين النبلاء.

لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل التغيرات السياسية والاجتماعية عن سينما عاطف الطيب، وهو الذي عاصر كافة التغيرات المحورية التي شهدها الوطن فعاصر ثورة 1952 وانكسر مع الأمه في 1967 وعبر مع العابرين إلى الكرامة في أكتوبر 1973، سعي إلى لقمة العيش محاربا الغلاء والترف الزائف بعد سياسة الانفتاح، وشهد صعود الدولة البوليسية بعد كامب ديفيد، فكان لابد أن تكون كل تلك المتغيرات عوامل أساسية في أفلام الطيب إن لم تكن هي الركن الأهم فيها.

• سواق الأتوبيس.. صرخة في وجه الانفتاح

في عام 1982 قدم عاطف الطيب من تأليف الثنائي محمد خان وبشير الديك فيلمه الثاني "سواق الأتوبيس"، الذي انتقد فيه الطيب بكل جرأة تبعات نظام الانفتاح الاقتصادي، من خلال حسن سائق الأتوبيس نهاراً وسائق التاكسي ليلاً، الذي يعمل ليجد له مكانا في وطن استفحل الغلاء فيه، ليتحول إلى غول يلتهم الجيل الذي حارب في أكتوبر، ورد لهذا الوطن كرامته، يتعرض حسن وعائلته لموقف مصيري، حيث يتم الحجز على ورشة والده لحساب الضرائب، بعدما سرقها زوج شقيقته، ليلهث حسن خلف أشقائه، من أجل مساعدته ولكن تخلي الجميع عنه، في إشارة واضحة للأنانية والتفكك الذي رسخهما نظام "الانفتاح" لدي طبقة من المصريين.

قدم عاطف الطيب في مشاهد الفيلم قراءة متأنية وصادقة لحال المجتمع المصري بعد أكتوبر، وجاءت مشاهد الفيلم معبرة عما تحول إليه المواطن المصري، فلا يمكن أن ننسي مشهد الوليمة الذي يقيمها شقيق زوجته الأخرى "وحيد سيف"، ومظاهر البذخ والتفكك والانحلال -إذا أمكننا القول- التي ظهرت بالمشهد، مشهد موجز لخص خلاله الطيب تحولات الشخصية النفعية في المجتمع المصري.

ومثلما كانت أحداث الفيلم صرخة في وجه هذا النظام النفعي جاءت نهايته انتقاما من هذا النظام، حيث يوجه "حسن" قبضته لكل سارقي القوت ومدعي الفضيلة ولصوص الأمل والأحلام، والمتخمين بدماء وعرق الشعب، قبضته التي انتقمت لذلك المواطن قليل الحيلة مكسور الهمة بفعل الحاجة، مشوش الرؤية بفعل الزخرف الكاذب الذي يحيط به في الشوارع، ليخلق عاطف الطيب مساحة من الخصوصية والحميمية بينه وبين جمهوره.

• التخشيبة وملف في الآداب.. رحلة في مجتمع متهاوي

عام 1984 قدم عاطف الطيب فيلم "التخشيبة" من تأليف وحيد حامد وبطولة احمد زكي ونبيلة عبيد وحمدي الوزير، في فيلمه تجد الطبيبة آمال "نبيلة عبيد" نفسها في مواجهة تهمة لا تعرف عنها شيء، لتبدأ رحلتها في محاولة إثبات براءتها، ولكن يصم الجميع آذانهم عنها، ويعاملونها كمتهمة، إلا مجدي "أحمد زكي" المحامي الشاب، الذي يواصل معها رحلتها في إثبات براءتها، وينقذها قبل أن تتهاوي مثل المجتمع الذي اتهمها، قصة بسيطة كشف من خلالها الطيب كم العفن الذي أصاب المجتمع المصري، وكشف حجم الانهيار الذي أصاب قيمه وأخلاقياته وفقدانه لمعاني الإنسانية، فالشاب العابث ابن الثري يسرق والده وحينما يكتشف والده السرقة يتهم الطبيبة التي حاول إغواءها فصدته مشمئزة، أما زوجها فلا يكلف نفسه عناء التفكير في الأمر ويصدق التهمة بل ويعاقبها عليها لتنهار حياتها رأسا على عقب.

الفيلم الذي جاء بعيدا عن الرطانة السينمائية والخطابة، جاء صادقا كبقية أفلام الطيب جاء واضحا ومباشرا وبسيطا كسمات جميع أعماله، جاء الفيلم كأنين من مجتمع شارف على الانهيار بعدما انهارت أخلاقياته وإنسانيته.

عام 1985 قدم الطيب مع وحيد حامد فيلم ملف في الآداب، بطولة مديحة كامل وفريد شوقي واحمد بدير ووحيد سيف، واعتبر الفيلم ناقوس خطر يدق ليعلن بداية نهوض الدولة البوليسية من جديد، حيث يحاول سعيد "صلاح السعدني" ضابط الآداب استرداد كرامته المهدرة، بعدما أوقفه احد أصحاب النفوذ من استكمال التحقيق في قضية لأسباب خاصة، فيطلب من سيد القواد "وحيد سيف"، أن يدله على بعض من زبائن المطعم الذي يعمل به ليلفق لهم قضيه دعارة، وإمعاناً في التعذيب النفسي، يجبر الضابط أحد الضحايا وهو كمال "احمد بدير" على الاعتراف، على زملائه وزميلاته، مع وعد بتبرئة ساحته، فيوافق كمال ثم يندم على فعلته ويعترف بالحقيقة.

قصة بسيطة كسابقتها يقدمها الطيب في ثوب إنساني شديد الألم، ليكشف معها القيمة الحقيقة لأقدار المواطنين ومصائرهم أمام الدولة البوليسية، حيث لا تساوي قيمة المواطن جزء من كرامة أحد رجال النظام إذا أهدرت.

• البريء.. الناي في مواجهة قانون الطوارئ

عام 1986 قدم عاطف الطيب مع السيناريست وحيد حامد فيلم "البريء" بطولة احمد زكي ومحمود عبدالعزيز وممدوح عبدالعليم وإلهام شاهين، الفيلم الذي على الرغم من زمن أحداثه والتي كانت تدور في زمن أقدم من وقت تصويره، وحمله للعديد من الإسقاطات على النظام الساداتي، إلا أنه جاء كصرخة جديدة يطلقها الطيب في وجه قانون الطوارئ عن طريق أحمد سبع الليل "المواطن" البسيط الذي يلتحق بالجيش، ليتم غسيل عقله وإيهامه بدور زائف في حماية الوطن أثناء حراسته لعدد من المعتقلين السياسيين وأصحاب الفكر المعارضين للنظام، بل إن هذا البريء والساذج احمد سبع الليل يتورط في قتل أحد المعتقلين "رشاد عويس" صلاح قابيل، في إشارة واضحة لحادثة مقتل المفكر والكاتب "شهدي عطية" عام 1960.

الفيلم الذي راقب عمليات إنتاجه أربعة وزراء، وزير الداخلية آنذاك أحمد رشدي، والمشير عبدالحليم أبوغزالة وزير الدفاع وقتها، وأحمد هيكل وزير الثقافة، ووزير الإعلام صفوت الشريف، قدم الطيب تحذيرا شديد اللهجة من عواقب فرض الدولة لقانون الطوارئ والمصير المنتظر لمعارضي تلك الدولة البوليسية من مفكرين وكتاب وأصحاب رأي.

يذكر أن فيلم البريء قد اقتطعت منه نهايته الأصلية لفترة طويلة لتختار الرقابة ووزارة الثقافة نهاية مبتورة لحين الانتهاء من التحقيق حول إذا كان الفيلم صور داخل معسكر اعتقال عسكري بالفعل أم لا وإلى فترة قريبة كان الفيلم يذاع على التلفزيون المصري بتلك النهاية الركيكة التي اختارتها الدولة دون النهاية الأصلية التي قدمها الطيب.

• كتيبة الإعدام.. لننتقم مجددا من سارقي الأحلام

عام 1989 يقدم الطيب مع أسامة أنور عكاشة فيلم كتيبة الإعدام بطولة نور الشريف ومعالي زايد وممدوح عبدالعليم وشوقي شامخ، ليعاود الطيب انتقامه من سارق الأمل والحلم، عن طريق حسن عز الرجال "ور الشريف " الذي يتهم ظلما في سرقة مرتبات ضباط وجنود الجيش الثالث إبان حرب أكتوبر، وتحديدا أثناء حصار مدينة السويس، ليسجن حسن بتهمة زور، ويخرج بعدها ليجد المجتمع المتفكك في انتظاره ليبدأ رحلة البحث عن ولده وطليقته اللذان اختفيا بعد سجنه، وليجد نفسه مطاردا من نعيمة سيد الغريب "معالي زايد" والتي تظن انه من قتل أباها وشقيقها قبل أن يسرق أموال الجيش، ومطارداً من الضابط يوسف "ممدوح عبدالعليم" الذي يسعى وراء الأموال التي تخيل أن "عز الرجال" نهبها"، وكذلك من قوة مجهولة تضيق عليه الخناق أينما رحل.

ليكشف الطيب ما تحول إليه أبناء هذا الوطن، وكيف أرتفع شأن لصوص المقابر وقوت الشعب، حتى وصلوا إلى قمة الهرم الاجتماعي، لينهي الطيب فيلمه بتكاتف الجميع الضابط وزميله ونعيمة سيد الغريب وحسن عز الرجال للانتقام ممن قتلوا روح المقاومة في هذا الشعب، وسمموا أفكاره وأخلاقياته بسلع استهلاكية مزخرفة في مشهد إعدام "فرج الأكتع" أو "عزام أبوخطوة" عبد الله مشرف، كإشارة لتلك الظروف التي قادت المجتمع إلى التفكك والانهيار.

• ضد الحكومة.. كلنا فاسدون حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة

في مطلع التسعينات قدم الكاتب الصحفي الكبير وجيه أبوذكري -والد المخرجة كاملة أبوذكري- على صفحات جريدة أخبار اليوم عددا من التحقيقات يكشف بها ما اسماه "مافيا التعويضات" لتتحول عام 1992 لواحد من اهم أفلام السينما المصرية حمل اسم "ضد الحكومة"، أخرجه عاطف الطيب وكتبه وجيه أبوذكري وبشير الديك، وقام ببطولته أحمد زكي وليلة وعفاف شعيب ومحمد نجاتي والمنتصر بالله، ليقدم الطيب صرخة أخرى في وجه المجتمع الذي أدمن الصمت واستسلم لثقافة العجز، وليكشف عن حقيقة النظام الذي يسهل عليه إراقة دماء أبناءه على أن يعترف بالتقصير.

في الفيلم الذي قدمه الطيب يكشف لنا من خلال مصطفي خلف "أحمد زكي" كم الفساد الذي استشرى كالسرطان في جسد الوطن، فأفسد من أفسد واسكت البقية الباقية، مصطفى خلف الذي يفيق من حياته الفاسدة حينما يصطدم بكارثة إنسانية شديدة الخصوصية، يكشف عورة ما أصابنا من فساد، في مرافعة بليغة في مشهد من المشاهد الخالدة في السينما المصرية، يواجهنا بحقيقة ما وصلنا إليه في ظل السياسات التي سمحت للوصوليين والنفعيين من الوصول إلى قمة الهرم السياسي والاجتماعي في الوطن، يكشف حقيقة قيمة المواطن أمام ما يمكن تسميته بهيبة الدولة، فلا يعني أن يموت واحد واثنين أو حتى العشرات من أبناء هذا الوطن، فالنظام قادر على خلق كبش فداء ليحمل وزر جرائمه دون المساس بالمقصر الحقيقي.

مصطفى خلف الذي تطهر من كل أخطاءه وخطاياه في مرافعته الأخيرة، فتح لنا باب سحري للتوبة والعودة إلى آدميتنا بالاعتراف والندم، والتخلي عن السلبية التي أسكتتنا طويلا حتى نسى هذا الشعب حروف الهجاء، "كلنا فاسدون لا استثني أحدا حتي بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة" هكذا اطلقها مصطفى خلف ومن خلفه عاطف الطيب، ليضعنا أمام مرآة علنا نستيقظ من السبات الذي دام طويلا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى