نقد

تامر مُحسن: “هوه فيه تبطيل”؟

هدى جعفر

لقد كان من السهلِ جدًا تخمينُ وجودِ كارثة ما تنتظر هنا (منى زكي) في الولايات المتحدة، وكاد المشاهدون يصرخون بها كي لا تمر من بوابة المطار تاركةً خلفها حياةً كاملةً لن تعود لها كما كانت، لكن لم يكن يتوقع أحد ما آلت إليه الأمور في هذه القصة المُعقّدة التي تشبه ندفةَ الثلج التي تدحرجتْ وكبرت حتى أصبحت كصخرة سيزيف.

بعد 4 سنوات من الغياب،يعودُ المُخرج تامر محسن في عمله الجديد بـ “هنا” و”بدر” و”مؤنس” و”حازم” وحشدٍ من النحل الدؤوب، وأطنانٍ من السم والعسل.

لعبة نيوتن 7

“لعبة نيوتن” هو المسلسل الرابع لتامر مُحسن كمُخرج، والثالث كمؤلف، و/أو صاحب القصة، و/أو المعالجة الدراميّة، ويشارك في السيناريو والحوار مها الوزير (سيناريو وإشراف على الكتابة)، وعمار صبري، وسمر عبد الناصر ومحمد الشخيبي.

وفي “لعبة نيوتن”، كعادة مسلسلات مُحسن السابقة، قد يخطرُ في بالِ المشاهد كُلّ شيء، إلّا ما يُصيّره تامر محسن وفريقه مع كل زفرةٍ، وكل لقاءٍ، وكل خطوةٍ في الطريق المشوّش.

“ماذا تعرف عن النحل؟”

يذهب تامر مُحسن دومًا إلى المعنى الآخر، المتواري، المُظلمِ، غير المطروق.

العسل في “لعبة نيوتن” ليس عسلًا، وليس شفاءً للناس، بل مرادفٌ للموت، وتنويعٌ للهلاك، وأزيزُ النحلِ في عمله النشيط والمثمر، يستحيلُ عطلَ المُحرّك قبل سقوط الطائرة، أو صوت ارتفاع شفرة المقصلة قبل أن تقع على الرأس/الهدف. 

لعبة نيوتن 9

فلم يكن مشروعُ العسل تجاريًا فقط، بل وحلًا غرقت فيه الشخوص، والعسل الذي يسيل في “تتر” المسلسل ومشاهده، يبدو كأنّه التصق على أجسادِ الأبطال كلعنةٍ لن تزول، مُحوّلًا الحياة إلى ساعات طويلة من الضيق، والانزعاج، والشعور بالـ”قرف”!

لم أستطع منع نفسي وأنا أشاهد “لعبة نيوتن” من تذكر الفيلم الأمريكي “كانديمان” أو “رجل الحلوى” الذي أعدتُ مشاهدته قبل شهر ونصف تقريبًا، ويحكي عن قصة الشاب الأسود الذي قتله عنصريون بقطع يده ثم صب العسل عليه فيقتله النحلُ لسعًا، وتزامن ذلك مع مشاهدتي لـ”تريلر” فيلم “المُنشق” عن قصة وفاة الصحفي جمال خاشقجي، إذ تظهر في نهاية الـ”تريلر” التغريدة الغامضة التي كتبها قبل وفاته بـ 11 يومًا، ومهرها بـ”هاشتاغ” يتساءل: “ماذا تعرف عن النحل؟” 

وهذا سؤال مفاجئ، ماذا نعرف نحنُ عن النحل؟ هل يستطع أن يصنعَ عسلًا بالأفيون كما طلب بدر؟ هذه فكرة مُبتكرة وشيطانية حتى أنّها لا تظهر في خيارات غوغل عندما يبحث حازم عنها في محرك البحث الأكثر شهرة، على الأقل باللغة العربيّة.  

لعبة نيوتن 2

 صورة النساء والرجال؟ لا يهم!

في العالم ضجيجٌ كبير عن صورة النساء، وما يجب أن تكون عليه المرأة في الدراما، وهناك أيضًا ضجيجٌ أعلى أنّ الصورة “المزرية” للنساءِ في الدراما ما هي إلا الواقع الذي لا يكذب ولا يتجمّل، لكن تامر مُحسن يؤسّس قصصه بعيدًا عن هذه الخنادق وأصحابها، لا يعبأُ تامر محسن بصورة النساء، ولا يعبأُ بصورةِ الرجال أكثر.

في أعمال تامر محسن، شخصيات حقيقية، يدفعها الماضي بيدين من حريرٍ وشوكٍ، وتحملُ في داخلها بذرة فنائها، شخصيات لها جلدٌ وماضٍ ورائحة، لدى تامر مُحسن ينتحب الرجال لنفسِ أسبابِ النساء، تطحنهم ضغوطات العاطفة والجسد، ويتبادل الأبطالُ، نساءً ورجالًا، أدوار الجُناة والمجني عليهم، في رؤية ذاتية خالصة، لا نسخًا ولصقًا، ولا تكلّفًا، ولا مُداهنةً، ولا ركوبًا على موجة، أو نزولًا منها.

لعبة نيوتن 1

“الفن” مُقابل “القضية”

 في كل مسلسل لتامر مُحسن يوجد “قضية” كُبرى تدور الأحداث على أرضيتها: أطفال شوارع، مُخدّرات، تجسس إلكتروني وابتزاز، لكن هذه القضايا تغيب بقدر ما تحضر، تتوارى القضايا لصالح الفكرة التي تركض في فلاتها، فحين تناول مسلسل ” هذا المساء” كانت قضية الابتزاز ذائبة في التفاصيل، ابتلعها المشاهد دون مشاكل في الهضم، لكن القضية ليست الأصل، هي الخلفية للأحداث، لكنّها ليست القصة. 

يتحدث الآن الآلاف، ومعهم حق، أنّ المسلسل يُثير قضية الطلاق الشفهي والطلاق الموثّق، وماذا يجب أن تفعل المرأة المعلّقة في حال عدم حصولها على إشهار الطلاق، لكن هذه القضية التي يفضح مُحسن متاهاتها، تقف عند حدّها، يستعير تامر مُحسن خيوطها ليُقيّد بها الأبطال، لكن لا توجد قضية تستحق أن تُغطّي على ديناميكية القصة، ولا مسارات الحبكة، وبقدرِ ما يُثير المسلسل هذه القضية، قضية الطلاق الشفهي، بقدر ما يضعها جانبًا، أعمال تامر محسن لا تناقش القضايا بل تستخدمها، ولا تعكس الواقع، بل تتفوق عليه.

لعبة نيوتن 4

الإدمانُ على الإدمانِ

في كل أعمال تامر مُحسن ثمة إدمانٌ يجري في الدماء، رغبةٌ لا خلاصَ منها، تتمسّكُ شخوصُ تامر مُحسن بهوسها حتى يقضي عليها أو يُقضى بها، رأينا الإدمان على المخدرات، وعلى الفضولِ، وعلى النجاحِ، وعلى الحُب.

في “لعبة نيوتن” تصرّ هنا، بجنونٍ تام، على الولادة في الولايات المتحدة ليحصل ابنها على الجنسية، ويصرّ مؤنس للحصول على هنا، ويصرُّ بدر على العسل بالأفيون، ويصرّ حازم على تدمير ذاتِه يومًا بعد آخر، وهكذا تمضي الشخصيات شامخة إلى مصيرها المحتم كما يسير الأبطال في الأساطير الإغريقية. 

في “تحت السيطرة” الذي كان موضوعه عن الإدمان، حرفيًا، تتبعنا مصائرَ عدة شخصيات في آن، وكيف تُسلم خصالُ الأبطال أصحابَها ببساطةٍ إلى جلسات الاعترافات أو مناضد المشرحة، وكان الأبطالُ المدمنون على الهيروين والكوكايين يتساءلون في حيرةٍ بالغة: “هوه فيه تبطيل؟” وينتهي المسلسل بإجابة حاسمة ونهائية.

لعبة نيوتن 3

السَلطنة في المشاهد

في كل مسلسل لتامر مُحسن يوجد على الأقل ثلاثة مشاهد تكوّن لها شخصيات مستقلة، مشاهد مُسلطِنة تحملُ متعةً هائلة حتى لمن لم يشاهد سياقها العام، وتدل هذه المشاهد المُقتطعة على براعةِ العمل، كما تدل قطعة المرمر المُجتزأة على براعة التمثال الأثريّ.

هناك، مثلًا، مشهد مُعتز (لؤي عمران) وهو يحقن نفسه بالهروين داخل سيارته وقد حوطته عناصر الشرطة الغاضبة، ومشهد فياض (محمد جمعة) مع سوني (محمد فرّاج)، وتريكة (خالد أنور)، وتقى (أسماء أبو اليزيد)، وهدير (دينا ماهر)، وسمير (أحمد داوود)، في محل “أكل عيشهم” حول الفيديو الجنسيّ الشهير، مشهد الست نعناعة (صَفوة) على المسرح تبكي نجمها الآفل، ومشهد قصاص الحمير (محمد أبو الوفا) الذي يسقط عن حماره بعد حديثٍ مؤسف مع ابنه.

لعبة نيوتن 5

أمّا في “لعبة نيوتن” فهناك أكثر من مشهد حتى الآن، منها، على سبيل المثال، اللقاء المشتعل بين “الضراير” حازم (محمد ممدوح) ومؤنس (محمد فرّاج)، ومعنى أن يُعاير رجلٌ رجلًا آخر بأنّه لم يفعل مع زوجته ما أراد أن يفعله معه منذ أن رآها.

والمشهد الآخر، الأكثر براعة حتى الآن، كان مشهدُ صلاة الجماعة، لو كان لدينا مُخرج “نص لبّة” لأثبت لنا اشتهاء مؤنس لهنا كرجلٍ متدين بأن يتجسس عليها وهي تستحم، أو تغيّر ملابسها، أو غيرها من الأفكار التي لفظها الغَث والسمين، لكنّ تامر مُحسن يعرف كيف يكشف الجرحَ المكبوسَ بالملح، فخدش بحضورِ هنا صلاةَ مؤنس، وغطّى بسطوتها على قداسةِ اللحظة، فنرى الأخير يتلعثم في قراءة القرآن، ويعجز عن استجاع نفسِه في أكثر الواجبات أهمية في يومِه كرجلٍ متدينٍ، إنّه ينسى القرآن “بكلّه” وهنا تقف محجبةً بملابس الصلاةِ خلفه، فما هو الحال وهي بغيرها أمامه! إنّه مشهد بالغ الإدهاش!  

لعبة نيوتن 6

لعبة الموت والحياة

يعرف كثيرٌ من المخرجين أنّ الناسَ يُحبّون رؤية نجومهم المفضلين يموتون على الشاشةِ مهما ادّعوا غير ذلك، الدماء التي تنزّ عن الأبطالِ المغدورين جوهريةٌ للقصة، والقتل لا يفقدُ سطوته رغم التكرار.

تحضر سيرة الموتِ والقتلِ في أعمال تامر مُحسن، كنتيجةٍ أو كسببٍ، كمقدمةٍ أو خاتمةٍ، في مسلسل “بدون ذكر أسماء” يُقتل رجب الفرخ (محمد فرّاج) على آذان الفجر، ويبدأ “هذا المساء” بخلفية عن قتل حامد (الموهوب جدًا أشرف مهدي) لزوجته هدى بعد أن علم بخيانتها، وفي “تحت السيطرة” تنتحر إنجي (الجميلة والموهوبة رانيا شاهين) على ضوء الشمس المُشرقة، وفي “لعبة نيوتن” يُقتلُ شاهين (الموهوب أيضًا أحمد طلعت) بلسعات النحل على وجهه.  

الموت هنا ليس بالضرورة ختامًا لحياةِ الأبطال، بل قد يكون مُفتتحِهِم، وهذا الموت الحرفيّ، يحملُ ولادةً بشكلٍ أو بآخر، والعكس صحيح، فقد حمل قدوم إبراهيم إلى الحياة، موتًا لعلاقة والديه ببعضهم البعض.

لعبة نيوتن 6

نجومٌ في كل سماء

 يولي تامر محسن اهتمامًا واضحًا باختيار الممثلين والممثلات، كل من يظهر في الشاشة موهوبٌ، وفي مكانِه الأصلح وإن كان ظهوره لخمسةِ دقائق في المسلسل، القائمة طويلة حقًا لكن يُمكن أن نذكر هنا: أحمد عبد المجيد في دور صبي المسمط (هذا المساء)، وشهد سامي في دور ندى (هذا المساء)، محمد أبو الوفا في دور قصّاص الحمير (بدون ذكر أسماء)، زينة منصور في دور أم عبير (هذا المساء)، ولطيفة فهمي في دور والدة نائلة (هذا المساء)، وتامر مجدي في دور علي النمس (بدون ذكر أسماء)، وإيمان الحلو في دور شَبَطة (بدون ذكر أسماء)، محمود فارس وعمرو القاضي (تحت السيطرة)،

بالإضافةِ إلى أحمد تركي، وآدم الشرقاوي، ونانسي علم الدين، وياسمين وافي، وشادية عبد الحميد، وناجي سعد، وعلي قاسم (لعبة نيوتن)، والمغني الرقيق أسامة الهادي، الذي لن يتوقع أحد وهو يراه على المسرح بأنه قادرٌ على أداء دور شامبا.

دون أن ننسى نجوم العمل الأربعة الذين وُشمت أسمائهم على لوحةِ الفخرِ لهذا العام: محمد فرّاج، ومحمد ممدوح، وسيّد رجب، ومنى زكي.

لعبة نيوتن 8

“هوه فيه تبطيل؟”

 تامر مُحسن الدؤوب مثل “نحلة”، يُعيدُ دائمًا القصة إلى مكانها الأعلى، وهو المتعة الخالصة، وقد صمّم لنفسِه مقعدًا خاصًا بين المُخرجين/المؤلفين الذين يكفي اسمهم على أيّ عملٍ ليحجز جمهوره المدمن على جودة أعماله التي لا تشبه أي أعمالٍ أخرى قبلها، والتعويذة التي تلاها منذ مسلسل الأوّل “بدون ذكر أسماء” ما زالت فاعلةً حتى الآن، وإن كان تأثيرها يقوى ويخف من عملٍ إلى آخر. 

يتورّط المشاهدون في قصص الأبطال، وبيوتهم، وأشكالهم، وخواطرهم، مرّة تلو الأخرى، ويقعون بسهولة أمام كاريزما الشخصيات، وجاذبية السرد، وتفرّد الدقائق والتفاصيل، إنّه إدمان مُكتمل الأركان، واشتباكٌ هائل مع القصة التي تُحدّق بالمُشاهد حتى النهاية، وهنا أطرحُ سؤالًا على المُخرج تامر مُحسن: “هوه فيه تبطيل”؟ وإن سُمح لي بالإجابة، فلن تكون سوى لا.

لعبة نيوتن 10

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى