نقد

تطور مشاهد الجنس في السينما المصرية (2-2)

ما بين النكسة والنصر مرحلة النضج وماهية الجنس في السينما
في الفترة بين عامي 1967 وعام 1973 شهدت صناعة السينما في مصر تطورا كبيرا من حيث الأفكار والمعالجات وايضا أساليب الإخراج، كما شهدت بزوغ اسم المخرج حسين كمال، من خلال أفلام "البوسطجي" و"شيء من الخوف" و"ثرثرة فوق النيل"، وربما شهدت تلك الأفلام ايضا تطورا آخر في مشاهد الجنس، كمشهد اغتصاب الخادمة في فيلم "البوسطجي"، ومشاهد البائعة اللعوب والتي ادت دورها سميرة محسن في فيلم "شيء من الخوف"، وعدد كبير من مشاهد فيلم "ثرثرة فوق النيل".
إضافة إلى ذلك قدم ايضا صلاح ابو سيف عدد من المشاهد التي اتسمت بالجرأة الشديدة في هذه الفترة، مثل مشاهد سعاد حسني في فيلم "شيء من العذاب"، ومشهد صاحبات الرايات الحمر في فيلم "فجر الإسلام" والتي ظهرت فيه إحدى الممثلات شبه عارية، ناهيك عن فيلم "حمام الملاطيلي" عام 1973 وهو أحد أيقونات المشاهد الجنسية والساخنة في تاريخ السينما المصرية.
وأيضا المخرج كمال الشيخ واستخدامه للجنس ومشاهده في أفلام مثل "ميرامار"، و"بئر الحرمان"، و"شيء في صدري"، والمخرج يوسف شاهين في فيلمي "الاختيار" و"العصفور".
اما أوجه التطور في تلك الفترة هو الجرأة الشديدة في عرض جسد الأنثى ومفاتنه والظهور بملامس مثير وشفافة، أو في بعض الأحيان تصل إلى حد العري وشبه العري، وكأنها موجة تحررية اجتاحت العالم والشرق الأوسط، فشملت ايضا التحرر من الملابس، ولكن على صعيد أخر نادرا ما تجد مشهدا ساخنا أو جنسيا في افلام تلك الفترة خارج سياق العمل أو المقصود منه إثارة الغرائز فقط، وكأن تلك الفترة كانت فترة النضج في فهم ماهية الجنس وأهميته وأثره في السياق الدرامي للأحداث.
تسليع الجسد وفلسفة الجنس
لتبدأ بعد انتصار اكتوبر 1973، موضة الجنس من أجل الجنس والإثارة من أجل الإثارة، فتخرج علينا السينما المصرية بكمية كبيرة من الأفلام التي تحتوي على مشاهد جنسية وساخنة، لتحتل قمة نجومية تلك الفترة فنانات صنفن على أنهن فنانات إغراء مثل سهير رمزي وناهد يسري وناهد شريف وأيضا ميرفت أمين ونجلاء فتحي وصفاء أبوالسعود، بل وتحاول نجمات الفترات السابقة كزبيدة ثروت وشويكار الدخول في تلك المعركة، ليغلب على تلك الفترة ما يمكن تسميته "بتسليع الجسد" حيث أصبحت المشاهد الساخنة و الجنسية سلعة يتم وضعها في الأفلام من أجل إرضاء شباك التذاكر، وتختفي مرحلة النضج في فهمة ماهية الجنس وكيفية استخدامه دراميا التي شهدتها السينما ما قبل انتصار أكتوبر تدريجيا.
ولكن لا يمكننا ان نعمم فكرة "تسليع الجسد" على كل افلام تلك المرحلة فسنجد أمثلة كثير استخدمت فيها مشاهد الجنس استخداما متميزا في احداث الفيلم، مثل "توحيدة" لحسام الدين مصطفى، "المذنبون" لسعيد مرزوق، "زائر الفجر" لممدوح شكري، "الصعود إلى الهاوية" لكمال الشيخ، "الكرنك" و"شفيقة ومتولي" لعلي بدرخان وفيلمي "عودة الابن الضال" و"إسكندرية ليه" ليوسف شاهين وغيرها من الأفلام.
في الثمانينات، أحد العصور الذهبية للسينما المصرية، كانت هناك معركة دائرة بين رواد السينما الجادة والذي أطلق عليهم اصطلاحا جيل الواقعية الجديدة، أمثال عاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة وداوود عبد السيد، إضافة للصامدين من الاجيال السابقة  صلاح أبوسيف ويوسف شاهين، والباقون من جماعة السينما الجديدة أمثال رأفت الميهي وعلى عبدالخالق ومحمد راضي، مقابل سينما المقاولات، ومثلما كان هناك اختلاف كبير في القيمة الفنية للأعمال السينمائية بين المعسكرين، كان هناك اختلاف كبير ايضا في استخدام مشاهد الجنس في الأفلام.
فمثلا المشهد الذي جمع بين أحمد زكي وماجدة الخطيب في فيلم "العوامة رقم 70"، للمخرج خيري بشارة يعد في وجهة نظري أحد أفضل مشاهد الجنس في السينما المصرية، وايضا المشاهد التي قدمها يوسف شاهين في افلام مثل "حدوتة مصرية" و"الوداع يا بونابرت" و"اليوم السادس"، ومشاهد فيلم "للحب قصة أخيرة" أو "سيداتي آنساتي"، أو "السادة الرجال" لرأفت الميهي، ومشاهد فيلم "الحريف" لمحمد خان، وغيرها الكثير من افلام هؤلاء المخرجين، وفي المقابل كان استغلال الجنس كتسليع في افلام المقاولات.
والملاحظ في افلام تلك الفترة تراجع الجرأة التي كانت عليها السينما المصرية في السبعينات بشكل كبير وملحوظ فلم يعد هناك مشاهد مثيرة بالمعني الجماهيري، فلا اجساد عارية أو شبه عارية وندر ظهور ملابس السباحة على شاشة السينما، وربما كان هذا انعكاس لمناخ التطرف التي عاشت فيه البلاد في عقدي الثمانينات والتسعينات، وانتشرت فيه الجماعات المتطرفة والإرهابية، فآثر صناع السينما البعد عن الجرأة الشديدة في تنفيذ مشاهد الجنس لنعود مرة أخرى للإيحاءات البصرية والمشاهد السريعة، ولكن أيضا بدأت تشوب مشاهد الجنس نوعاً من العنف كمشاهد الاغتصاب.
التسعينات وبدايات السينما النظيفة
لتدخل حقبة التسعينات بتعقيداتها السياسية والاجتماعية، وايضا التطور التكنولوجي ووصول أجهزة الفيديو في الثمانينات وانتشارها في التسعينات ثم بداية الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية، ليعود الجنس في الأفلام المصرية مرة أخرى إلى مرحلة الكلام الممنوع، حتى وإن كانت الحبكة تدور حول مشكلة جنسية، بينما يسود تلك الفترة مشاهد العنف الجنسي كالاغتصاب بشكل أكثر قوة وحضورا من الثمانينات، بما أن الشريحة التي كان يستهدفها منتجين افلام الدرجة الثانية والمقاولات قد استطاعت الوصول للمشاهد الجنسية الأكثر صراحة عن طريق شرائط الفيديو.
نجد أن مشاهد الجنس في السينما المصرية، انحصرت بين عدد من الأفلام التي تحاول الوصول للجماهير ومغازله جمهور استهلاكي جدا وعلى سبيل المثال أفلام نادية الجندي في تلك الفترة، فجاءت المشاهد مثيرة للغرائز بشكل كبير حتى وإن بعدت عن الجرأة.
وعلى جانب أخر كان هناك مخرجين مازالوا محتفظين برونقهم وقدرتهم على استخدام الجنس كضرورة درامية وليس بغرض الإثارة وشباك التذاكر، مثل محمد خان وداوود عبد السيد ويوسف شاهين وخيري بشارة، إلا أن تلك المشاهد قلت بالتبعية نتيجة قلة الأعمال المنتجة في تلك الفترة، وربما كان استعدادا لمرحلة جديدة في السينما المصرية وهي السينما الشبابية، التي صاحبها ظهور مصطلح عجيب وهو "السينما النظيفة".
بين الابتذال والتحريم والجمال
مع بداية الألفية الجديدة وظهور موجة الأفلام الشبابية والتي صعدت ومعها جيل من النجوم الذين تبنوا مصطلح السينما النظيفة، والتي تخلو من المشاهد الساخنة او العارية والجنسية، وكأن تناول الجنس في السينما كان نوعا من عدم نظافتها، اختفت المشاهد الجنسية أو كادت من الساحة، اللهم مشاهد على استحياء كانت جريئة مقارنة بالحالة العامة التي تشهدها السينما في أفلام مثل "بحب السيما" و"بالألوان الطبيعية" لأسامة "حين ميسرة" و"كلمني شكرا" لخالد يوسف.
إضافة لأفلام تناولت الجانب الجنسي في أفلامها مثل "ريكلام" و"كباريه" و"ولاد البلد"، إضافة لفيلم "واحد صحيح" الذي شهد واحد من افضل المشاهد الجنسية من حيث التنفيذ، حيث برع فيه المخرج هادي الباجوري وايضا مشاهد فيلم "الوعد" للمخرج محمد ياسين.
وربما اتسمت مشاهد تلك الفترة بسمتين مختلفتين تماما، فإما المشاهد الجنسية ذات القيمة الجمالية والموظفة دراميا بشكل جيد في أفلام اسامة فوزي وهاني خليفة وداوود عبدالسيد، أو المشاهد المبتذلة والتي بها كثير من الإسفاف والتي كانت تهدف كثيرا لإثارة الغرائز، وربما عوض الجرأة التي افتقدتها تلك المشاهدة جرأة مبالغ فيها في استخدام الألفاظ والمصطلحات و الإيحاءات اللفظية، كما شهدت تلك الفترة ايضا ما يمكن تسميته بالتحرش الجنسي الكوميدي مثل ما قدمه تامر حسني في أجزاء "عمر وسلمى"، لتقف السينما الآن في منطقة ملتبسة من حيث رؤيتها للجنس بين معارض من بقايا انصار السينما النظيفة، وبين مبتذل من أنصار الإيرادات وشباك التذاكر، وبين أولئك الذين مازالوا ينظرون للجنس في السينما نظرة موضوعية، حيث استخدامه فيما إذا كان مطلوبا فقط وبدون ابتذال أو تسليع.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى