رأي

توائم الشعلة أو لهيب التوائم “المزدوج” في السينما

رحاب صالح

العلاقة الأصعب بين علاقات المشاعر العاطفية الثلاثة في علوم الطاقة، وهي علاقة كاملة الاتحاد والارتباط في وقت سابق من التطور الكوني.

فهي الروح الواحدة، خلقها الله في حقل المحبة المجرد غير المشروط، روح لا جنسية في كنفها الأعلى، ومع بزوغ البعد الثالث المادي انقسمت تلك الروح إلى نظام ازدواجي وأصبحا هيئتين منفصلتين، إحداهما تحمل صفات مذكرة "يانغ" وأخرى تحمل صفات مؤنثة "يين" لكنهما يستمران في حالة الوعي المزدوج، حيث الاكتمال والتضاد والتساوي والتناقض. 

لكي يتم اختبار الشكل في ذلك البعد الثالث المادي، فلكل منهما موجة ترددات وذبذبات مساوية للأخرى، لا عالية ولا منخفضة، لتهيئة الاندماج مرة أخرى بعلاقة ليست رومانسية، أو ممارسة جنسية، فلا تنتظر منهما ذلك في الغالب، فالهدف من الاندماج الثاني هو التوحد واتحاد الروح، وهو الهدف الأصيل منذ البدء، فهي ليست علاقة في البعد الثالث المادي الذي يركز الاهتمام على مشاعر ورغبات الشخص الآخر، ودائمًا مطالب بتسويات مستمرة لإنجاح العلاقة مع الشريك. لكن يحدث دومًا صدام حاد بين النصفين المنقسمين وهو ما يوضح التضاد بينهما والتناقض، وسرعان ما يلتئمان.

ولن يكون هناك بحث أو شقاء فى عثورهما على بعضهما، فالكون يتيح فرص اللقاء بكل أريحية، وبلا أي قناعة مسبقة منهما، وبشكل كامل التلقائية، فالصدفة تلعب دورها بحرية تامة، وبعدما يكتمل نضج النصفين ينفًلَج اللقاء لكي تكتمل الروح، ويشفى القلب والعقل والجسد، ليكون المبتغى لما بعد "الأنا" أو العوائق الجسدية أو فروقات السن. فيصبحان في أعلى تجلٍ لهما على الأرض.

وقد تناولت مواد فيلمية كثيرة العلاقات الثلاثة في علوم الطاقة بطرح مختلف، وفي أواخر القرن العشرين، وتحديدًا عام 1999، كان الإصدار الأول للمادة الفيلمية التي أنتجتها  الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي تحت مسمى "العاشقان"، وكان يطرح بوضوح علاقة "توأم اللهيب أو توأم الشعلة". 

وكان تصنيف علاقات المشاعر العاطفية، أو علوم الطاقة عامة، غير منتشر بشكل واسع مثل الآن، على الأقل في الوطن العربي.

وكان الفيلم في ذلك الوقت مغايرًا عما تضمه مكتبة الفيلم المصري، لذلك لم يرحب به بعض النقاد، واعتبروه ذا مستوى بسيط ومتواضع، برغم حصوله على عدة جوائز، فالقصة والحوار والسيناريو لكاتبته الإعلامية كوثر هيكل، والتي طرحت فكرة سلسة ومركبة في آن، من خلال الحوار بين الشخصيتين الرئيسيتين المعبرتين عن حالة "يانغ" و"يين" بوضوح، بكل الاندماج والتضاد والتناقض بينهما تارة، وبين مجتمعهما المحيط تارة أخرى، غير أن الفئة العمرية للشخصيتين الرئيسيتين مناسبة تمامًا للحالة، فهما في منتصف العمر، وبالتحديد مرحلة الأربعين، ومن ثم يبرز هنا النضج  والدروس المستفادة من تجارب سنوات العمر السابقة.

اللقاء الأول بين يانغ ويين
وهنا تأتي براعة وخبرة الفنان الأستاذ نور الشريف كمخرج، برغم أن العمل هو أول تجربة إخراج له، وهو أيضًا الشخصية الرئيسية "صلاح" حينما يلتقي بـ"سعاد" الفنانة "بوسي"، وتتم أولى مراحل الاندماج من خلال الحوار السهل الممتنع، بما فيه من مواجهة واندفاع وصدام وصراحة، وهي أشياء غير واردة بين شخصين ليس بينهما أي شكل من التواصل، وهنا يبرز سؤال لدى المتلقي:
لماذا وردت البداية على هذا النحو؟  
لكن الإجابة أصبحت ساطعة الآن.. فلقاء الاندماج لتوأم الشعلة غَير اعتيادي، مغاير للمتعارف عليه.

وتتوالى اللقاءات بينهما خارج حدود الزمن، وسرعان ما يصبح "يانغ"، أو صلاح، ملاحقًا ومندفعًا تجاه "يين"، أو سعاد، دون الوقوع في إشكالية عقلانية السن، وتهور المشاعر، وكأنه أضحى شابًا في مقتبل عمره دون تبرير، أو دون سبب، وكأنه تأكد أنها نصفه المنقسم الضائع، فيتحرك اللاوعي للانصهار المحتم.

وفي علاقة توأم الشعلة يلاحق نصفٌ نصفه الآخر بدافع من اللاوعي، دون اعتبارات مجتمعية، لكن في الموروث الشرقي نجد أن النصف الذي يلاحق دائمًا هو الذكر "يانغ"، لذا كان السيناريو متناغمًا مع طقس مجتمعي مرضي عنه.

أما سعاد أو "يين" فتستجيب وتترك خطيبها، ذلك الثري المصاب بتضخم "الأنا" لإخفاء ما لديه من نواقص، بعد مناقشة الأمر مع صلاح، فهي نموذج للمرأة الصريحة الواضحة المعيلة لوالدها وأسرتها، ويتجلى الامتزاج بينهما في قراءة أفكارهما، واستنباط الحوار بينهما، وحصف أفعالهما.. هي إذن قمة التناغم التي تتنافى مع الفترة الزمنية القصيرة لتعارفهما.
وتتبلور العلاقة من اللاوعي إلى الوعي في الدقيقه 33:27 حينما تسنى الحوار بين "يانغ" و"يين"، على لسان "يانغ"، الشخصية الرئيسية صلاح، عن ماهية لهيب التوائم.

"يانغ" صلاح: مش بيقوله ان فيه اتنين اتخلقوا لبعض، القدر يودي ده يمين وده شمال، وفي الآخر لازم يتقابلوا ويبقوا لبعض.
فترد "يين" أو سعاد: مهما كانت الظروف.
فيكمل "يانغ": ومهما جدت الظروف.

وبتلك الكلمات الحوارية تلخص الكاتبة والإعلامية كوثر هيكل أصعب علاقة عاطفية في علوم الطاقة، وبسهولة ويسر وايجاز مكتمل، ويتفوق الأستاذ بمصداقيته المعهودة وإحساسه في إيصال اللحظة للمتلقي والتفاعل معها، وينتهي المشهد برمزية "سلسلة المفاتيح" التي كتب عليها: "لقد جمعنا الحب.. فمن يفرقنا"، لتجسد  قوة طاقة الشعلة في تلك الجملة المعبرة، وتتجلى روحهما على الأرض لبعث النور والمحبة على مستوى في منتهى النقاء، فتلك الطاقة مختلفة، فهي القربان الخاص الذي يمنحه التوأم لبعضهما.

ويستخدم المخرج في تلك اللحظة إضاءة على وجه صلاح وسعاد، ليتجسد النور الداخلي لهما كدوامات طاقة يمكن رؤيتها كضوء ساطع في ظلام ضمير المجتمع المحيط بهما. 

وبعد لحظة الامتزاج والتبلور تلك يكتمل الاندماج لتصبح روحهما مرة أخرى في كنفها العالي خارج حدود البعد الثالث المادي، ولكن جسديهما هنا على الأرض، فتمرض ابنة صلاح المراهقة، وهو الأرمل الذي ذاق الأمرين منذ مرض زوجته التي كانت "غلطة حياته" مثلما قال، وعرف قيمتها في فترة مرضها بالسرطان، وبعد وفاتها، إلا أنه تخلى عن ابنته بشكل مؤقت لترعاها أخته، ويعود بها للبيت بدافع من سعاد. 

وهنا يظهر جانب آخر من "يين"، سعاد، حينما تصر على التعرف بالابنة بكذبة، وتأخذ دور الأم البديلة بكل نبل وإخلاص، وتتعلق الابنة بـ"سعاد" حتى أنها تبوح بمكنون أسرارها، وبمشاعر مراهقتها، وتتدخل سعاد لتحمي المراهقة من خطر شاب لعوب.

يبدأ الصدام ويتصاعد بين "يانغ" و"يين".
الصدام الأول: حينما تكذب سعاد لتقرب المسافة للابنة، ويعاونها صلاح في الكذب، وبعدها يواجهها صلاح في حوار صادم وينويان بعدها القطيعة، وسرعان ما ينتهي الأمر بينهما.

ويكتشف صلاح وجهًا آخر في "يين"، سعاد، وهو القوة، الاستقلالية، والجبروت في بعض المواقف. لكن مصيره المحتوم هو ما يحرك اللحظة للانصهار.

ويتوالى الصدام بعد أن تنتقل سعاد للعمل مع صلاح في نفس المكان بناءً على ترشيح صلاح لها، بعد خصخصة الشركة من قطاع عام، وبعد أن تركت عملها بسبب ساعات العمل الطويلة لرعاية والدها، وتتضح باكورة الفجوة بينهما، ويحاول صلاح تفاديها ويصرح بعدم فهم المواقف التي تحدث بينهما، والتي تتراكم بفعل ظلام ضمير مجتمع العمل، أو بفعل تطلعات "يين"، سعاد، البشرية للوصول إلى مركز أفضل في العمل، وغيرها من مواقف بها التباس فهم بين النصفين.

المكان
ويلعب المكان دومًا دور الشاهد الأبكم على الأحداث، ففيه ريعان الشغف والعَلِق، وفيه أيضًا الصدام الفاتك، فكان اللقاء الثاني في المكان هو مُسَاجلة عنيفة بين سعاد وصلاح. لقد وقع "يانغ" و"يين" في فخ عدم الفهم، والنّدّية والتضاد، وكان هذا الاختبار هو الأخير لجدية النصفين في الاندماج. فماذا سيفعلان؟

مشهد النهاية
لقد قرأ الكثير مشهد النهاية وكأنه الفراق الأبدي، وذلك بناءً على كلمات الحوار بين النصفين، ولكن لم يكن مشهد النهاية فراقًا أبدًا، فكان "يانغ" و"يين" يقتربان من بعضهما ويبتعدان، يصطدمان بعنف وقسوة، ويتواءمان بتوهج طاقي بديع، وتلك هي مراحل نضج الاكتمال والتوحد. 

وبين ضفتي التضاد والاكتمال يبقي "يانغ" و"يين" على اندماجهما وانصهارهما في جانبهما الأعلى.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى