نقد

(حدث ذات مرّة في هوليوود) إنفوغراف سينمائي لِما كان (1-2)

نوار عكاشه

الواقع فقير حتماً مهما اغتنى، محدود ومؤطر رغم اتساعه وثراه، الخيال عالم كوني جامع بلا حدود، الفنون تُبنى من الواقع، وتعلو بالخيال، السينما تتبنى ذلك لتصنع واقعها الفني الكُلّي.

 

 

هوليوود مملكة الحكايات الكُبرى، قدمت وتقدم ما لا يُحصى منها، وبعد إرث أكثر من مئة عام من الأفلام؛ اختمر الفضول للسير في شوارع تلك المملكة لدى ملايين عشاق السينما، يعلم صناع الأفلام ذلك، فَقدموا عشرات الأفلام المتفاوتة عن تلك التيمة، وها هو المخرج الأمريكي «كوينتن تارانتينو» (1963) يسبر أغوار وكواليس هوليوود بفيلمه التاسع والأحدث «حدث ذات مرّة في هوليوود» (2019، 161د)، تنتقل ذهنية المتلقي مباشرةً بعد سماعه عبارة "حدث ذات مرة" إلى الخيال، حكايات الأفلام قد تكون حدثت فعلاً، لكن بالتأكيد لم تُقدَم على الشاشة الكبيرة كَحقيقة مُطلقة.

 

 

إنغوغراف سينمائي لِما كان!

 

يبدأ الفيلم بِمشاهد ويسترن بالأبيض والأسود بِمقاس عرض مربع، لنكتشف أنها إعلان لسلسلة تلفزيونية بِعنوان "صياد الجوائز"، ينتقل بعدها العرض مع المذيع إلى لوكيشن تصوير تلك السلسلة لنتعرف على بطل الفيلم "ريك دالتون: ليوناردو ديكابريو" الذي يتصدر الصورة للأمام ليعرفنا بنفسه.

 

 

بجانبه وللوراء منه قليلاً الدوبلير الخاص "كليف روث: براد بيت" الذي يستلم بعده زمام الحديث للتعريف بمهمته كَبديل للنجم في تصوير مشاهد الحركة الخطرة، ذلك بمقاس عرض تلفزيوني، يتبدل سريعاً ليأخذ كامل الشاشة مع انطلاق حكاية الفيلم، هنا ننمسك طرف الخيط، التلفزيون ضئيل أمام السينما، ومن هنا يتتبع الشريط بإسقاط فني هوليوود 1969 عبر نجم آخِذ بالأفول ، ودوبلير أصبح صديقاً، وممثلة شابة (شارون تيت: مارغو روبي) وعدة شخصيات مساندة تعكس الحالة الاجتماعية والثقافة الشعبية في أمريكا حينها، ليُشكل إنفوغراف سينمائي لِما كان! وفق خيال تارانتينو الخاص.

 

 

في زمان مضى، وفي مكان شهير، ومع أحداث مكثفة في إطار حكائي بسيط؛ يأخذنا تارانتينو جولة في تاريخ السينما، في مرحلة مفصلية للصناعة الهوليوودية وهي تودع عصرها الذهبي، الأوضاع تتغير بسرعة فائقة، نظام الاستوديوهات الكبرى ينهار، المواضيع تتبدل مع تغير ذائقة الجمهور واهتماماتهم، السينما تنحسر تدريجياً أمام التلفزيون، صعود حركة ما يُسمى "هوليوود الجديدة" وتصديها لتابوهات الانتاج السينمائي الأمريكي كالدين والعنف والجنس.. كل ذلك وأكثر أودى بالمتعارفات وقلب الموازين على التقاليد المُتبَعة.

 

 

الممثل هو الواجهة لانعكاسات المرحلة، فَهو الأكثر تناصاً معها، وهو قطب الرحى لتلك الصناعة، بِحكم عدة عوامل أهمها تأثيره في المتفرج مما يجعله العامل الأساسي في التسويق (العنصر الأهم في الصناعات)، فَكان من الطبيعي أن يتغير بتغيرها ويتأثر بتطوراتها، ومن هنا جاء تارانتينو بمشروعية حكاية فيلمه الذي أراد به التعبير عن حنينه لتلك الحقبة التي صنعت ثقافته وذائقته السينمائية، وَكَعادته؛ أَولى بالغ اهتمامه بِخلق شخصيات فيلمه.

 

 

نرى (كليف) يتخبط في مكانه وقد وصل منتصف العمر وبجعبته أعوام من التألق والنجاح، يتأثر بالمتغيرات؛ فَتهتز مكانته، ويستشعر دنو نجوميته، يتملكه القلق والخوف بشكل محموم بعد مناقشة استهلاكية الأداء وتكرار نفسه مع وكيل الأعمال (آل باتشينو)، وحوار مع ممثلة طفلة حول أفضل سُبل المردودية الفنية وفهم مكامن حسن الأداء، لكنه ممثل عنيد، أمين لمهنته، مثابر ومهووس بالنجاح، يخوض صراعين شرسين على صعيد مهنته وهي كينونته لأقصى الحدود، بينه وبين نفسه في ساحة أحلامه وملكاته وشغفه، وبينه وبين محيطه الهوليوودي المتبدل والمتلبد بالنمطية والتكرار والعوامل الداخلة حديثاً، فَتقوده رغبته بالتجدد لتجربة المشاركة في أفلام الويسترن الايطالي ضعيفة المستوى أملاً في كسر النمطية والتجدد ببيئة مختلفة. ديكابريو ممثل طلق، يعطي شخصياته حياة وحيوية، أدى شخصية (كليف) بِفهم وثقل واضح وعميق بِكل ما أوتي من ملكات إبداعية.

 

 

 

وراء الممثل النجم هناك الدوبلير (ريك)، علاقة وثيقة تربطه بالنجم، فَهو كما يصفه الرواي في الثلث الأخير من الفيلم:"أكثر من أخ، وأقل من زوجة"، شخصية هادئة متزنة، في العمق تحمل شرارة عنف يحاول كبحها، حسناته بادية تجعل منه شخصاً مُحبباً، فهو شخص وفي لصديقه ومخلص لشراكته المهنية معه، كما إخلاصه للماضي الذي دفعه لزيارة صديق قديم والإصرار على رؤيته رغم التوتر الذي ساد الموقف، شخصية متزنة وطريفة غالباً، لا يرغب بالدخول في مشكلات، لكنه لا يتهرب منها حينما تُفرَض عليه، إنّه باختصار الشهم في هوليوود!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى