نقد

حكيم بلعباس يطور تجربته الإخراجية بفيلمه “عرق الشتا”

عبد الكريم واكريم

يستمر حكيم بلعباس بفيلمه الأخير "عرق الشتا" (2017) في الحفر عميقا  في تجربته السينمائية الغنية والمبنية خصوصا على هموم الناس البسطاء وانشغالاتهم اليومية، بحيث أن الهم الأساسي لهذا المخرج يرتكز على مناطق الهامش المنسي والمُتَخَلَّى عنه.
في "عرق الشتا" ينتقل بلعباس من مستوى المزج بين الوثائقي والروائي الذي طبع أفلامه الأخرى ليصنع فيلما روائيا صرفا، فيه من الشاعرية مايكفي ليجعله متأثرا برائد هذا الأسلوب في السينما العالمية المخرج الروسي أندري  تاركوفسكي. إذ تتخلل الفيلم لحظات من الشِّعر المنطوق والمرئي معا، أولا من خلال الرسالة المُسجلة بالصوت التي يبعث بها الزوج  إلى زوجته، أو من خلال "الصوت الخارجي" للزوجة وهي تتذكر زوجها بحنين وبكلمات لاتُخطأ الأذن إيقاعها الشِّعري. وثانيا من خلال الصُّورة ومكوناتها والتي يخلق بها المخرج  شعرا سينمائيا يُعبِّر عنه بشكل مختلف، وذلك من خلال  مشاهد ولقطات يختطفها بلعباس من تلك الطبيعة التي تعبق جمالا وقساوة في آن، ويستطيع مزجها في بوثقة سَرد فيلمي منسجم  وبدون إقحام أو تعسف لتخلق المعنى الذي يريد إيصاله للمشاهد. 
تتلخص أحداث فيلم "عرق الشتا" في قصة ذلك الفلاح البسيط الذي تكاثرت عليه ديون البنك لدرجة أن أصبحت أرضه الفلاحية عُرضة للحجز والضياع إن لم  يُؤَدِّ  كل المبالغ المالية المُتراكمة عليه بشكل سريع وبدون أي تأخر، رغم أن السماء لاتريد أن تجود بالغيث لتُحيِي الأرض المُتَشَقِّقَة بالجفاف وتزرع فيها الحياة والعطاء،  ليضطر آخر المطاف لِبَيعِ كِليتَه حتى يتمكن من دَفعِ ما عليه من ديون، رافضا التفريط في أرض أجداده مهما كلَّفه ذلك من ثمن، وحتى لو وصل به الأمر للموت نظير ذلك.
لكن حكيم بلعباس يختار أن يكون إيجابيا ومتفائلا رغم هذه القصة الحزينة، فهو يجعل الإبن أيوب المصاب بمتلازمة داون يُكمل ما بدأه أبوه ويستطيع النجاح فيه رغم كل الصعاب، لينفجر بين يديه ينبوع ماء البئر التي  حفرها أبوه في إشارة لتدفق الحياة واستمراريتها رغم كل شيء.
للماء في أعمال بلعباس حضور قوي ودلالات عميقة، إذ نجده يركز في أغلب أفلامه على هذا المكون الحيوي في حياة مناطق قروية لايمكن لها الاستمرار بدون وجوده.
يُشرك حكيم بلعباس في أفلامه ممثلين محترفين وآخرين هواة أو غير ممثلين في الأصل، وتكون النتيجة في أغلب الأحيان مُرضية، خصوصا حينما يتعلق الأمر بالأطفال والشيوخ الذين يعتمد على صدقهم وعدم تصنعهم  أما الكاميرا. وفي فيلم "عرق الشتا" استمر في هذا الاختيار، وكان أداء كُل من أمين والناجي في دور الزوج  و فاطمة الزهراء بالناصر في دور الأم والزوجة جد مقنعين، هما اللذان يُعتبران الآن من بين أهم الطاقات التمثيلية الشابة في المغرب، حتى  أن فاطمة الزهراء بالناصر التي كان المهتمون والنقاد يؤهلونها للفوز منذ مدة بجائزة أفضل ممثلة في المهرجان القومي للسينما المغربية تمكنت أخيرا من الحصول على هذه الجائزة بفضل دورها المتميز في هذا الفيلم، الذي فاز بالجائزة الكبرى ليُتَوَّجَ أفضل أفلام السنة في المغرب. لكن المدهش والمفاجئ هو الدور الذي أداه الطفل أيوب المُصاب بمتلازمة داون، والذي نال عنه جائزة أحسن ممثل في دور ثان خلال الدورة المنصرمة من نفس المهرجان. هذا دون أن ننسى الممثل المخضرم حميد نجاح الذي تقمص دور الجد الفاقد لذاكرته باحترافية وتمكن.
قد يبدو للبعض أن فيلم "عرق الشتا" يشكو من بعض التطويل الغير مُبرَّر إذ تبلغ مدته ساعتان من الزمن، لكن يبدو لنا عكس ذلك بحيث أن هذا الطول وهذه الرَّتَابة، إن جاز القول، يجدان لهما مُبَرِّرا  في مفهوم الزمن الذي اختار المُخرج الاشتغال عليه،  وفي نوعية الحياة الرتيبة والإيقاع البطيء للزمن الرَّازِح بثقله على صدور شخوص الفيلم، والذي أراد بلعباس أن يُمَرِّرَ لنا إحساسهم به وبثقله كمشاهدين. إضافة  لكون الفيلم مليئا بمشاهد شاعرية قد تبدو للمتفرج الغير مُتَعوِّد على مثل هذه السينما بدورها بطيئة في حين أنها تنتمي لتلك النوعية من السينما التي تحمل شعريتها في صورها الجميلة النابعة من صلب الموضوع المتناول وليس من خارجه. هي سينما تنتمي لما أسَّسَ له المخرج الروسي الكبير أندري تاركوفسكي في أفلامه ونَظَّر له أيضا.
لا يقف التشابه والتأثر بسينما تاركوفسي عند حكيم بلعباس في الشكل والجماليات السينمائية، لكنه يتعدَّى ذلك في كونهما يشتركان في ذلك الإيمان بالقضاء والقدر وبخالق يُسيِّر هذا الكون ويجد للإنسان فيه سُبُل العزاء، ومَخَارِجَ رغم كل الشَّقَاء الذي يملأ عالمه، حتى لو كان المَخرَج والراحة في الموت وفي عالم آخر  أفضل غير الذي عاشوه. 
وفي هذا التشابُه في التيمات والأشكال يَكمُن التكامل الروحاني، بحيث يُصبح الشكل والموضوع أمرا واحدا لايمكن الفصل فيه عند بلعباس كما كان عند تاركوفسكي تماما. وقد وصل بلعباس في فيلمه الأخير "عرق الشتا" لهذا التكامل، بعد أن كُنا نشاهد إرهاصات منه في أفلامه الأخرى، ومَكَّنَه من ذلك كون فيلمه روائيا بالكامل عكس أغلب أفلامه الأخرى.
في أفلام تاركوفسكي نجد التضحية كقيمة إنسانية وأخلاقية حاضرة وهي أيضا موجودة في بعض أفلام حكيم بلعباس، لكنها حاضرة بقوة في فيلمه "عرق الشتا" لتصبح التيمة الأساسية، حيث يُضَحِّي الأب بحياته من أجل استمرار نمط الحياة الذي أورثه إيَّاه أجداده، وليُسلمه لأسرته بدون خسارات تذكر قبل أن يرحل عن الحياة الدنيا.

"أشلاء" والتساؤل عن جدوى السينما
في فيلم "أشلاء" (2010) الوثائقي والحميمي والأكثر ذاتية من بين كل أفلام بلعباس، والذي قام بتصويره طيلة عشر سنوات نجد أساس سينماه، وأسئلة وجودية عن جدوى اختياره ممارسة السينما كمهنة وكفن. أسئلة يطرحها على نفسه وعلى أفراد أسرته المقربين طيلة لحظات الفيلم، ابتداء من أبيه ومرورا بزوجته  وأمه ثم وصولا لابنته الصغيرة. ونجد أن أغلب أجوبة هؤلاء لم تكن متحمسة  لما كان يفعله، خصوصا زوجته وأبوه اللذان يُذكِّرانه أن مايصنعه من أفلام لايأتي بالمال، وأن عليه اختيار مسار سينمائي مختلف  ذو مردود مادي، لكن بلعباس سيفعل العكس تماما ويستمر في الذهاب بعيدا في نفس المسار غير عابئ بكونه مسارا نخبويا ولا ينتمي لسينما الجمهور الواسع.

    

الماء كعنصر للحياة في "شي غادي وشي جاي"

في فيلم "شي غادي وشي جاي" (2011) يستمر حكيم بلعباس في نفس المسار الذي ابتدأه في أفلامه الأخرى التي سبقته، بمزجه مابين التخييلي والتوثيقي مع إضافة مستوى ثالث هو الحُلم، إذ يستطيع وهو يلعب بهذه المستويات الثلاث وينتقل مابينها طيلة لحظات الفيلم أن ينسج سرده الفيلمي بقوة وتماسك.
وهو يوظف الحلم هنا ليترك باب التأويل والالتباس مفتوحا. فالزوجة ترى عدة أحلام في نومها، في واحد منها تخرج ليلا من باب بيتها فتجد زوجها، الذي هاجر إلى أوروبا عبر البحر، منكمشا بين الباب والحديقة فتقول له : "عدت إذن؟" فيجيبها : "لا، لم أعد"، فتقترب منه وتحتضنه. وفي حلم آخر نُشاهد الزوج وهو يُكابد الموج وكأنه يكاد يغرق لتستيقظ المرأة من نومها مفزوعة، وفي نهاية الفيلم وبنفس اللون الأزرق الذي وَظَّفه بلعباس في مشاهد الحلم السابقة تسمع الزوجة دَقّا على الباب فتفتحه لتجد زوجها وقد "عاد".
وتظل شخصية "الكرَّاب" (ساقي الماء) خارج كل مستويات السرد الثلاث الموظفة في فيلم "شي غادي وشي جاي" وذلك لتربط بينها كلها، فهو الذي نجده في حديث حميمي – لكن مُصوَّر بنوع من الإختلاف يوحي بأنه ليس حديثا عاديا- مع الزوجة تارة ومع الأم تارة أخرى، ثم نتفاجأ بكونه يسقي "الحراكة" ومن بينهم الزَّوج في مكان قصي وبعيد. وهكذا تظل هذه الشخصية مُحتَمِلة لأكثر من تأويل، كونها تُمثل الأنا الجمعي أو الشاهد الذي يرى ويتابع كل شيء ويُعلق عليه.
ويظل لحضور الماء دور هام في فيلم "شي غادي وشي جاي"، فهو لا يرتبط  ب"الكرَّاب" فقط بل نجده منذ بداية الفيلم، حينما تخرج الأم من المنزل وفي يدها إبريق كبير مملوء بالماء، فتدع كاميرا بلعباس كل شيء لتُركِّز في لقطة كبيرة على الإبريق الذي تسقي به الأم النبات. وفي غمرة وفرة المياه هاته ينتقل المخرج  فجأة لتصوير حنفية إنقطع عنها الصبيب، ولامرأة  تشتكي من شح  الماء وانقطاعه، ثم  بعد ذلك لتصوير البحر بجبروته وقدرته على ابتلاع أجساد المهاجرين السريين ومن بينهم الزوج. 

"محاولة فاشلة لتعريف الحب".. العشق المُهَمَّش

في فيلم " محاولة فاشلة لتعريف الحب" (2012) نجد مرة أخرى ذلك التداخل بين الوثائقي والروائي، من خلال قصة تبدو في بدايتها وثائقية ثم تتحول بالتدريج لما هو روائي، بدون أن يجعلنا المخرج نحس بذلك. بحيث ينفتح الفيلم على المُخرج نفسه وهو يتَّجِه لمنطقة إيميلشيل ليُنجز فيلما عن ماهية الحب، مُرتكزا على أسطورة "إيسلي وتسليت"، والتي تعني  باللغة الأمازيغية العروس والعروسة، وهي تتمحور حول قصة شاب وشابة أَحَبَّا بعضهما لكن أهلهما رفضا أن يُزوِّجاهُما، الأمر الذي جعلهما يحزنان ويبكيان الدموع مِدرارا حتى تمتلأ بحيرتان بدموعهما لتُسميا بذلك الإسم.
إنطلق بلعباس من هذه الأسطورة كذريعة ليُصَوِّر،  بشكل قد يوحي بالارتجال رغم أنه ليس كذلك،  حِكاية منطقة مهمشة في كل شيء حتى في الحب.

 خلاصة القول: سينما حميمية تنتصر للإنسان
في سينما حكيم بلعباس يختلط الوثائقي بالروائي ويمتزج السَّردِي بالتسجيلي،  وهو يريد بهذا في أغلب الأحيان أن يجعل المُشاهد غير مُتَبَيِّن خيوط حكيه التي يحاول إخفاءها بحرفية، قاصدا أن يَدَعَهُ  ضالا بين متاهات هذا الحكي، وتائها في الحدود بين التسجيلي الذي يروم نقل الواقع كما هو والروائي المؤسَّسِ على التخييل والمرتكز عليه، و الذي رغم أنه يَمتَحُ من الواقع بِدوره إلا أن رؤية المخرج ووجهة نظره تكون قد تَدَخَّلت فيه من خلال كاميراته وزوايا تصويرها وجعلته ذاتيا صرفا. 
هو لا يكتب في أغلب الأحيان سيناريوهات بالشكل المتعارف عليه، بل مجرد خارطة طريق، ويدع التفاصيل للحظة التصوير تاركا لنفسه فرصة الارتجال وكثيرا من الدُّروب التي يستكتشفها أثناء ذلك ثم في مرحلة المونطاج، وربما اختلف الأمر نسبيا في فيلمه الأخير "عرق الشتا"  بحكم كونه روائيا تخييليا لاتتخلله مشاهد تسجيلية.
يشتغل بلعباس في السينما كأنطروبولوجي أكثر من كونه سينمائيا صِرفا تُشكل له الحكاية هدفا في حدِّ ذاتها، همُّه الأساسي  في كل أفلامه هو الإنسان وهمومه الحياتية.
هنالك خيوط رابطة بين كل أفلام حكيم بلعباس أهمها اعتماده على ممثلين محترفين وهواة في نفس الوقت، ثم ذلك الخلط بين ماهو شاعري وبين الواقع بقساوته وحِدَّتِه، وفي كل هذا تحضر تلك الثنائيات والمتضادَّاد التي يستطيع بلعباس أن يُذيبها ويجعلها في بَوثَقَة واحدة تُشكِّل بنية متكاملة وغير متناقضة. 
على العموم سيظل بلعباس مخرج الهامش بامتياز، هو الذي آلى على نفسه أن يصنع أفلاما تُصوِّر أناسا يعيشون  حَيَوات جِدّ صعبة لكنهم رغم ذلك يظلون قادرين أن يقاوموا ويُحِبُّوا  ويعيشُوا.

 
 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى