مقابلات

رامي القصاب من “غائب عن الوعي” في ألمانيا، إلى المعهد العالي للسينما في مصر

نوار عكاشه

بعيداً عن الوطن، حاضراً في الذاكرة.. قريباً من الحلم، قاطناً في العثرة، هناك حيث للحرية حُلوُها المُنَكَه بالاغتراب، وللآفاق حدودها المُسورةِ بالعتاب، هناك حيث من أقسموا أن يحييوا؛ وإن شاقوا وضلّوا، أرادوا أن يجهروا؛ فَنَحوها لجأوا، هي السينما، وطن الحالمين، وملاذ التائهين.
أبعدتهم الحرب عن الديار، فَإلى المجهول رحلوا، وأثروا الاستمرار، وحين أرادوا الرويَ.. صنعوا الأفلام!

عن واحدة من التجارب السينمائية الشبابية سنتحدث، المخرج السوري الشاب "رامي القصاب" (1995)، الذي غادر سوريا في أوج الحرب عام 2014 إلى ألمانيا بحثاً عن الأمان والمستقبل الأفضل، ومنها بدأ الشاب أولى خطواته في صناعة الأفلام، فَكانت سلسلة أفلام الهواة "غائب عن الوعي" حجر الأساس الذي بنى عليه مدعوماً بالشغف والاجتهاد.

السلسلة التي تناولت عبر 3 أفلام روائية قصيرة موضوعات معاناة اللاجئين من مشقات السفر ومخاطره، وصعوبات التأقلم في المغترب، والتأثيرات النفسية للحرب على المهاجرين والسوريين المقيمين في الوطن، وعن تلك المرحلة يقول:
"قررت أن أتعلم صناعة الأفلام بنفسي، وبِدون أي رقيب علي أو معلم يقول لي ما الصحيح، آنذاك لم أكن أعي حقاً صعوبة أي شيء أو قواعده، كنت أحلم ببساطة، وأرى أن بالإصرار لا شيء مستحيل، وبالفعل كانت النتيجة سلسلة أفلام "غائب عن الوعي"، سلسلة قصيرة حاولت أن أجسد بها لا وعياً كُنا بِه آنذاك، حربٌ نفسية لمصائبٍ أخذناها معنا الى المهجر".

الإقامة في بلد متقدم ومانح للحريات والحقوق المدنية؛ يفتح للحالمين آفاقاً رحبة، ولكن بالمقابل هناك صعوبات وعوائق قد تواجهه في بلاد أجنبية يبقى غريباً عنها مهما احتضنته، يقول القصاب عن ذلك:

"أنا متأكد أنّني لو لم أكن أملك تلك المساحة من حرية التعبير لم أكن قادراً على فعل شيء، ألمانيا كانت حاضن لي، لكن ليس أكثر، لم يقدم لي أحد بالبداية إلا الدعم المعنوي أو التطوعي أو ربما في بعض الأحيان اللوجستي، صنعت أفلامي من مدخراتي، تطوعت للعمل في مهرجان (goeast)  لِدورتين، وبالفعل تعرفت على الكثير من صناع الأفلام والفنانين من مختلف الجنسيات وحتى السوريين المقيمين في الخارج ضمن العديد من النشاطات والملتقيات والمهرجانات، وكان الجميع يُفاجأ بصغر سني، وبأنّي مازلت أتقدم لدراسة الإخراج السينمائي هنا وهناك.

حاولت كثيراً ولكن ألمانيا بالفعل لم تكن إلا مجرد خطوة مليئة بالصعوبات تعلمت الكثير منها في بداية الطريق، وأحببت طريق الاستمرار من مكان آخر، لن أستغني عن تواجدي الدائم هناك في ألمانيا، ولكن ليست هدفي، ومرمى أنظاري يقودني الى حب الاكتشاف والتعلم دائماً من شتى البقاع"

وعن تعاون شركائه السوريين ومدى رغبتهم بِالتعبير عن أنفسهم في الغربة عبر الأفلام، وعن تصوره لِقدرة الأفلام على تفريغ هواجس وأفكار المهاجرين على الشاشة الكبيرة؛ يقول:

"من شاركني العمل في البداية كانوا أصدقائي، وكانوا نواة أساسية لاستمرار العمل ونجاحه، وقد عايشنا التجربة سويّة بآلامها، ولم نبخل في أنفسنا أن نقدم كل ما نستطيع لِنصل إلى هدفنا السامي بأن نروي قصصنا وأن نتعلم من تجاربنا لنحاكي واقعنا ونترك أثرنا، بإيمان أنّنا نحن أحق الرواة لقصصنا، عن هجرتنا وحروبنا القاسية على النفس".

كيف يتلقى ويتفاعل الجمهور في ألمانيا مع الأفلام التي تُحاكي واقع السوريين؟ يجيب القصاب:
"لدى الغرب اهتمام بالقضية السورية لِما خلفته من آثار على المنطقة وعلى قضية الهجرة تحديداً، والتي جلبت أكثر من مليون ونصف مهاجر إلى ألمانيا في الأعوام السابقة، الكثير من الألمان مهتم بِمعرفة الأسباب لِمعرفة الخلفية السياسية والدينية والاجتماعية للمهاجرين الجدد، ألمانيا عانت من قساوة الحرب سابقاً، وشكلت هذه الأزمة صدمة مازالت آثارها حتى اليوم في نفوس الشعب، لذلك يحاولون احتواء الناس بشتى السبل، وتقديم الدعم المعنوي، وبِصراحة تعرفت على الكثير من معاصري الأزمات والحروب السابقة هناك، كانو يعلمون جيداً أن ما يجري مجرد لعبة سياسية قذرة مثلها مثل غيرها وما سبق، وأن الشعوب تنتصر بالعزيمة والإصرار"

قدم القصاب سلسلة أفلام "غائب عن الوعي" عبر منصات العرض الرقمية، فَهل تشكل هذه المنصات اليوم بديل جيد أم هي خيار مفروض في ظل صعوبات تنظيم العروض الجماهيرية؟

"المنصات الرقمية كانت فرصتنا الوحيدة في البداية، حيث أطلقنا السلسلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن لاحقاً كانت مهمة الاستمرار عليها صعبة ومكلفة وبالفعل مازالت مهمة وتقدم لنا فرصاً وتبني لنا شبكة من التواصل مع الجمهور وصناع الافلام حول العالم، ولكن اليوم وجهتنا هي العروض الخاصة أو المشاركة ضمن فعاليات محلية ودولية .. ولكن لا استغناء عن المنصة الرقمية التي أتاحت لنا المعرفة في البداية".

انتقل القصاب لاحقاً من مرحلة (أفلام الهواة) إلى الاحتراف مُنجزاً فيلمه الروائي القصير "الميدالية" (2019، 24د)، المستوحى من أحداث حقيقية لِفتاة يتيمة هاجرت بِرفقة حبيبها هرباً من مآسي الحرب، وقد أجبرتهم ظروف الرحلة على الافتراق لتتوالى الأحداث بعدها.
هنا تحصل المخرج على شروط إخراجية وانتاجية أفضل، مما انعكس حُكماً على البناء والأسلوب، لكن تحصيلها لم يكن سهلاً، وعن ذلك يقول:
"مازلنا نتعلم، والتجربة كانت صعبة جداً ومؤلمة، حيث كلفتنا جهداً وتركت في نفوسنا أثراً وشغفاً مستمراً للنجاح، وربما المزيد من الصعوبات قادم في المستقبل.

استغرقنا لإنجاز الفيلم ما يقارب العامين من جولة بحث عن تمويل ومهتمين للعمل لمدة عام، حيث شاركنا بعدة ورشات عمل تطويرية وكسبنا جائزة (Best pitching award) من مهرجان (Festival young European cinema sofia) في بلغاريا، شجعتنا تلك الجائزة للاستمرار والبحث عن تمويل مجدداً، تقدمنا لمنحة تمويلية في ألمانيا، حصلنا على التمويل ولم نكن على دراية تامة هل بإمكاننا انجاز العمل؟ هل نملك الكفاءة والمسؤولية؟

كانت أولى الخطوات اختيار فريق عمل احترافي لتنفيذ الفيلم، فقمنا بإعادة بناء السيناريو من جديد واستغرق منا تصوير الفيلم 6 أيام عمل توزعت على مدار 4 أشهر.

تمّ انجاز الفيلم، وقمنا بعرضه في برلين وكولن، ولدينا 3 عروض قادمة في شهر يونيو في ألمانيا أيضاً، ونسعى لعرض الفيلم في عدة دول أُخرى".

في ظل ما تعانيه السينما السورية من عوائق وعثرات انتاجية ورقابية، وما نتج عن الحرب من دمار وشتات، ما الذي يدفع بالشباب لِخوض هذا المجال والتورط بِشباكه رغم معرفة مسبقة بواقعه الصعب؟ يجيب القصاب:
"الدافع الأول كان شغفاً ينبع من القلب بأن تُلاحق أحلامك بإصرار، أن أروي قصصاً من الواقع رأيتها أو عايشتها أو ربما سمعتها.

السينما تمتلك سحر خاص بالتأثير على المشاهد، واستُخدِمت لتغيير الحقائق، ولكن خيراً أن نروي بها الحقيقة، صعوبتها أن المتحكمين بالوسط دائماً من أصحاب السلطة، ولكن لابأس، لا سلطة على الإبداع ولا رقيب على المبدع، نيّتي هي صناعة سينما حرة تعبر بصدق وأمانة، تمثل واقع مليء بالتناقضات، تمثل شعب مليء بالهموم، وتمثلني أنا كَشاب طموح يسعى إلى ترك أثره".

لم يكتفِ الشاب الطموح بِامتلاك الموهبة والعمل بِها، بل اتجه نحو إعادة اكتشافها وتقويمها ضمن إطار الدراسة الأكاديمية، فَسافر إلى مصر، وتقدم للمعهد العالي للسينما ثلاث مرات، حتى حصل على القبول أخيراً.

يرى القصاب أن ذلك التأخير جاء لِصالحه، فَهو الآن أقدر بِخبرته على تحصل علوم وفنون السينما بِفهم وإدراك يفوقه عن زملائه، ويؤكد أن إصراره على تلقي الدراسة أكسبه غنىً معرفياً وعملياً كبيراً وهو لا يزال في السنة الدراسية الأولى، وهو ما يعدنا بِتلمسه في فيلمه القادم، فَمع انتهاء العام الأول في المعهد؛ يُحضر حالياً لِأحدث أفلامه، فيلم تدريبي لِصالح المعهد العالي للسينما بِعنوان "رأيت ما لم أرى"، يروي بِه حكاية سوريّة مصريّة تتعمق في مفاهيم الوطن والغربة والتعايش، وتدور أحداثه في القاهرة عن شاب سوري مصاب حرب يعيش مع والدته وأخيه الصغير.

يشتغل على الفيلم مع فريق عمل احترافي متقدم، مستكملاً بِه تناوله لِقضايا اللجوء ومعاناة السوريين في الخارج.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى