رأي

سالب واحد.. أزمة الاغتراب التي بداخلنا

جيلان صلاح

هناك أعمال فنية تحتاج لأكثر من قراءة، وتلمس طبقة عريضة من الجماهير على الرغم من مستواها الفني العالي، ومن هذه الأعمال مسرحية “سالب واحد” والتي شاهدتها مؤخراً على مسرح الهناجر بترشيح من عدد من الأصدقاء الذين أثق في ذائقتهم الفنية.

دخلت المسرحية في آخر أيام عرضها، مشحونة بالنجاح الذي حققته نقدياً وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لكنني لم أكن أتوقع حالة التحليق التي صاحبتني طوال العرض وحتى مشهد النهاية. منذ الاستعراض أو الرقصة الأولى والتي عبر بها الطفل عن خروجه من حرية الرحم إلى قيود وتكبيل الدنيا وأنا مأخوذة بعرض يعتمد جزئياً على أجساد ممثليه، وبجزء آخر على مشاعرهم. من استعراض خروج الابن المعاق للدنيا، إلى استعراض اتحاده بالراوية الجميلة التي تشبه ملابسها أليس في بلاد العجائب -فيما يشبه رحلة أليس في المجهول لتتبع الأرنب الأبيض، تابع الابن المعاق سير هذه الحياة ليكتشف الحقيقة هو الآخر- ليظهر أنهما شخصين مكبلين في جسد لا يستطيع أن يعبر بشكل كبير عما يدور بداخله.

القصة في معناها الأشمل هي عن معاناة ذوي الهمم أو من يُطلق عليهم معاقين، نظراً لعدم قدرة من حولهم من الآخرين -خاصةً من أهلهم- على التواصل أو التعامل معهم ببعض مجهود. فما يُطلق عليه إعاقة في نظر أحد قد يكون اختلافاً وتميزاً بالنسبة للشخص الذي يحمل هذه الإعاقة. من خلال هذا الابن الذي يعاني عجزاً عن التواصل، كشفت “سالب واحد” عن عورات مجتمع فاقد للتواصل الإنساني الحقيقي، والذي يضغط فيه على المختلف لينضم للقطيع، فجاء الابن معبراً عن إعاقته بعدم قدرته على التواصل مع أبيه وأمه على الرغم من قضائهما معظم الوقت معه كونهما لا يريدان سوى أن يتواصلا معه بطريقتهما، في محاولاتهما المستميتة لفهم لماذا خُلق هكذا، وكيف يغيرانه. نسيا أن ينصتا له، أن يجدا طرقاً أخرى للتواصل والتفاعل معه تتماشى واختلافه عنهما.

صورت “سالب واحد” الاختلاف كجريمة في عيون البشر، ومحاولات جميع المحيطين بالشخص المختلف أن يغيروه وفقاً لرؤيتهم عما هو طبيعي أو عادي، فكما أراده الله متفرداً، متميزاً عمن حوله، أرادوه هم مثل أي شخص آخر، وكانت النتيجة محاولاتهما لكسره، في استعراض رائع يقيد فيه الأم والأب الطفل بحبال ويجذبانه في محاولة “لفرد” يديه المثنيتين على الدوام. الاستعراض من تصميم مي رزيق والتي استطاعت من خلاله والاستعراضات الأخرى في العرض تضفير الحالة الشعورية التي أخذت بيد المتفرج من البداية للنهاية ليتفهم جيداً معاناة هذا الابن في تحاشي الجميع أن يتواصل معه بطريقته لا بطريقتهم.

كل ما كان الابن يريده أن يلمسه الآخرون، فباللمس يستطيعون فهم حالته، ماذا يريد، وماذا يحب أو يكره، خرجت الراوية لتتحدث إلى المشاهدين وتخبرهم بعدد المرات التي لمست فيها الأم الابن، وهي المرات التي عدّها الابن المكبل في جلسته الأبدية ببؤس، طامحاً ربما إلى لمسة أخرى تختلف. فبالنسبة لهذا الابن الفريد كل لمسة تختلف عن الثانية، ربما يعدّ اللمسات أو يفندها وفقاً لمزاج الأم وتقلباتها، وبحرمانه منها تحرمه الأم من أنماط مختلفة من المشاعر، وهي العملة الرئيسية التي يعتمد عليها ذوي الإعاقة، فبالطريقة التي ينجح الآخرون في إيصالهم المشاعر بها، يتفاعلون، ويبددون حيرة الطرف الآخر في مبادلتهم التواصل والمشاعر بأخرى.

تركت “سالب واحد” داخلي انطباعاً مغايراً عما رأيته على السطح، فإعاقة الابن كانت بالنسبة لي ساتراً لما قد يعانيه شخصاً مختلفاً بغض النظر عن هذا النوع من الاختلاف. كمبدعة مسّني النص بشكل شخصي، وأحالني لمرات عديدة عجزت فيها عن التعبير أو إيصال مدى حدة مشاعري أو اختلاف أهوائي عمن حولي، وهي معاناة لمستها في كثير من المبدعين، تُقابل في أحيان كثيرة بقسوة أو سخرية أو محاولات مضنية لكسر الجمود الذي يبديه هذا الشخص في مواجهة الهجوم على اختلافه أو تفرده عن الآخر.

رأيت في الابن المعاق في عزلته ووحدته وعجزه فنان لم يجد بيئة خصبة تسمح بإبداعه، أو كاتب أصابته العزلة والوحدة بالعدائية، أو صاحب إعاقة جسدية من نوع آخر يعاني من التنمر لتمسكه بحلمه أو رغبته في تحقيق ما يراه من حوله مستحيلاً كونه فقط لا يملك سوى أن يسير طريقاً أكثر صعوبة وتعرجاً.

الفضل في هذه الـ”عالمية” للنص يعود في المقام الأول لمؤلفه محمد عادل ومخرجه عبد الله صابر، ولأداء الممثلين تحديداً يارا المليجي وأحمد عباس، واللذان وقع عليهما عبء تجسيد وحدة الإنسان في هواجسه وتوحده واختلافه مما يجعله في نظر الآخرين “معاق”.

جاء ديكور العرض ما يشبه العقل المظلم للابن المعاق، سجن كبير متهدم، يبدو الزمن فيه متجمداً، لا بسبب إعاقة الابن بقدر ما هي حياة يعيشها دون نمو لعلاقته بالأب والأم، كأنما الزمن تجمد عند لحظة ميلاده التي اكتشف فيها أبوه وأمه أنه لن يكون “طبيعياً”. تتغير فقط الأسلاك الكهربائية التي تنير وتنطفئ بحسب حدة مشاعره أو رغبته الملحة في التواصل والتي عادةً لا تجد صدى لدى نفس أمه أو أبيه.

يصل العرض للذروة بأداء سالي سعيد المشحون عاطفياً دون مبالغة، والتي سارت بالمشاهد حذرة من تقلب مشاعر الأمومة غير المروضة ما بين الحب والعطاء إلى الحيرة والغضب لتأتي لحظة وفاتها مؤلمة لكنها غير مفاجئة وكأنما القلب الذي حملته بين ضلوعها لم يعد قادراً على تحمل كل هذا العذاب.

بعد انتهاء العرض تساءلت عما إذا كانت الجملة الوحيدة التي استطاع بها الابن التعبير عن ذاته “هنروح فين يا بابا؟” هي تساؤل جمعي؛ أجيال حائرة تسأل ذويها عن الطريق؟ فنان مغترب يتساءل عن جدوى صعوبة الطريق؟ أم محاولة شاب يعمل عقله بطريقة مغايرة لمن حوله يتلمس منهم السلوى للحيرة والتيه اللذان يلازمانه طيلة حياته؟

ولنا في الفن حياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى