نقد

سكورسيزي يلعب بـ”الأيرلندي” والمشاهدين

 

زين العابدين خيري

 

يبلغ لاعب الكرة المهاري قمته حين يطلب منه المدرب ألا يفكر في الفوز والخسارة، وأن يلعب لنفسه فقط، ويستمتع كما كان يفعل حين يلعب مع مجموعة من أقرانه في الشارع أو في حوش المدرسة، وهكذا بدا الممثلون الكبار الذين قاموا ببطولة الفيلم الملحمي "الأيرلندي"، فظهر الجميع كأنهم يلعبون باستمتاع وبلا أية حسابات معقدة. أما المدرب أو المخرج الكبير مارتن سكورسيزي فلم يكتف باللعب بكل أدواته بما فيها الممثلون، وإنما بدأ يلعب مع وبـ"الجمهور" أيضا فكانت النتيجة متعة مدتها 209 دقائق بلا دقيقة واحدة ضائعة هي مدة عرض الفيلم الذي سيحفر مكانه باعتباره واحدا من أهم أفلام السينما الأمريكية في السنوات الأخيرة.

 

 

يؤكد سكورسيزي مرة تلو الأخرى أنه مخرج لا يكتفي أبدا من النجاح والتميز، فلا يكفيه بصمته المميزة التي يضعها على كل فيلم يتولى إخراجه، وإنما يحفر بكل فيلم له بصمة في فن السينما، وفي "الأيرلندي" وضع العديد من البصمات:

 

أولا: الحفاظ على الإيقاع دون أن يتسلل الملل إلى المشاهدين لمدة ثلاث ساعات ونصف الساعة إلا فيما ندر، ربما لأن سكورسيزي يعرف أن الفيلم مصنوع بالأساس للمشاهدة التليفزيونية التي تقدمها "نتفليكس" لمشاهديها وبالتالي يتحكمون في ظروف المشاهدة ويستطيعون التوقف لأي سبب من الأسباب.

 

 

لكن هذا لا ينفي الثقة الشديدة التي تعامل بها سكورسيزي مع طول الفيلم، فهو يعرف أنه سيمسك بتلابيب المشاهد حتى وإن لم يكن يقدم له مادة تشويقية حركية طوال الوقت، بل إنها في الأغلب ستكون مادة حوارية سردية تعتمد على الحكي الذي يقوم به سارد الفيلم رجل المافيا فرانك شيران (روبرت دي نيرو) الذي يحكي سيرته الذاتية ومن ضمنها ادعائه باغتيال جيمي هوفا (آل باتشينو)، فسكورسيزي يعرف جيدا ماذا يقدم وكيف يقدمه ويتحكم جيدا بأدواته إلى درجة اللعب بها، وخصوصا بالممثلين كأفضل هذه الأدوات.

 

 

ثانيا: يغطي الفيلم فترة زمنية طويلة تبدأ من بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن لأن المخرج الكبير يعرف جيدا قيمة الجمع بين روبرت دي نيرو وآل باتشينو وجو بيتشي في فيلم واحد وقد تجاوز عمر أصغرهم الخامسة والسبعين، فلم يشأ إلا أن يستفيد من وجودهم معه ومعا بأقصى قدر ممكن ولذا لم يفكر أبدا في الاستعانة بممثلين آخرين يقومون بشخصياتهم في فترات حياتهم الأولى على الشاشة، بل استعان بالتكنولوجيا التي قدمت له تقنية تصغير العمر فاستخدمها بابلو هيلمان، واضع التأثيرات الرقمية الخاصة بالصورة، بكفاءة شديدة.

 

وهذه التقنية الفريدة –كما يقول سكورسيزي- قد تستخدم مستقبلاً كبديل للمكياج أو الخدع السينمائية، ومنحت المخرج قدرة أعظم على التحكم في الشخصيات والعمل ككل لأنها أبقت على المشاعر والأحاسيس وتعبيرات الوجه بدون تصنع. وباستثناءات قليلة في فترات شبابهم بدت الوجوه متخشبة قليلا، فلم تظهر الانفعالات الحقيقية للأبطال الكبار، ولكنها استثناءات مقبولة في مقابل أن نستمتع بدي نيرو وباتشينو وبيتشي وهو يعودون خمسين عاما إلى الوراء.

 

 

ثالثا: ساعدت النقطة السابقة سكورسيزي على الانتقال بين السنوات من زمن إلى زمن ومن حقبة إلى حقبة مختلفة بسهولة ويسر وبرشاقة راقص باليه، فلم يحتج إلى التنويه أبدا بأنه مقدم على "فلاش باك" على الرغم من أن ذلك يتم على عدة مستويات متداخلة. وطبعا ساعده على ذلك براعة كاتب سيناريو الفيلم ستيفن زايليان، الذي استند إلى كتاب "سمعت أنك تطلي المنازل" لتشارلز براندت.

 

 

رابعا: على الرغم من العنف والدموية المشحون بها الفيلم كواحد من أفلام الجريمة المنظمة، فإن سكورسيزي حافظ على جرعة ملائمة من الكوميديا السوداء التي دائما ما كانت تكسر حالة الاندماج في التأسي أو الاشمئزاز من كم القتل بدم بارد، وهي الكوميديا التي أثارت تعاطفا مع كل أبطال الفيلم وكلهم مجرمون بدرجة أو بأخرى، فلا تملك إلا أن تحمل مشاعر إيجابية تجاههم جميعا بدرجات. وهي مهارة سكورسيزي وخطورة السينما في آن واحد.

 

 

خامسا: لا يمكن أبدا تجاوز عنصر التمثيل في هذا الفيلم، وهو العنصر الذي يستحق مقالا وحده، ولكننا هنا نتحدث عن قدرة سكورسيزي في التعامل مع ممثليه الكبار ليخرج أبدع ما فيهم؛ فهاهو يعيد صديقه الأزلي روبرت دي نيرو إلى التمثيل الجاد بعد عدة أفلام من الكوميديا الساذجة، وهاهو يقدم لنا آل باتشينو كما لم يظهر من قبل، فعلى الرغم من أنهما يتعاونان معا للمرة الأولى فإن باتشينو يقدم فتحا جديدا وغير مسبوق في الأداء التمثيلي، وهاهو يقنع جو بيتشي بالعودة من الاعتزال بأداء جديد عليه تماما، فهو ليس رجل المافيا دائم الغضب والانفعال كعادته ولكنه هنا لم يتخل لحظة واحدة عن هدوئه. وهاهو يقدم الثلاثة كمرشحين فوق العادة لجوائز أوسكار أفضل ممثل سواء في دور رئيسي أو دور مساعد.

 

 

سادسا: يصل سكورسيزي بأفلام المافيا إلى قمة جديدة، ليس فقط استكمالا لجهوده مع هذه النوعية من الأفلام، بل باعتباره إضافة حقيقية لأفلام الجريمة المنظمة التي قدمتها السينما عموما، منذ "White Heat" (1949)، مرورا بثلاثية "The Godfather" (1972-1990)، و"Scarface" (1983)، و"Once upon a Time in America" (1984)، بالإضافة إلى "Goodfellas" (1990)، و"Casino" (1995) لسكورسيزي نفسه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى