نقد

«شارع حيفا» لمهنّد حيّال: السينما بحدّ السكين

علي وجيه

 

من دون مقدّمات، يلقي بنا العراقي مهنّد حيّال (1985) في جحيم بلده عام 2006. «بلد الحضارات» قابع تحت احتلال أميركي مهين، وسيطرة جهاديّين، واقتتال طائفيّ مقيت. في باكورته الروائية الطويلة «شارع حيفا» (2019، 79 د.) المنافس ضمن مسابقة الأفلام الروائيّة الطويلة في «أيام قرطاج السينمائيّة».

 

لا يتردّد حيّال في نكئ جروح قديمة، ونبش فترة مظلمة لأحد أشهر مناطق الاشتباك الطائفي في بغداد. رمزية الشارع «الأسطوري» أنّه شهد تحوّل الاحتقان الأهلي إلى المواجهة المسلّحة، خصوصاً مع تحوّله إلى مرتع لتنظيم القاعدة وسط العاصمة. السينمائي الشاب يعرف المكان جيّداً، إذ لا يبعد عن كليّة الفنون الجميلة التي درس فيها، قبل الاتجاه إلى ورش العمل في السينما، واكتساب الخبرة بالعمل كمساعد لأسماء عراقيّة بارزة، منها محمد الدرّاجي وعدي رشيد. هكذا، راكم خبرات ومعارف، متحوّلاً إلى أحد أبرز أسماء «المركز العراقي للفيلم المستقل»، ومنجزاً أفلاماً قصيرة مثل «عيد ميلاد سعيد» (2013)، ووثائقيات تلفزيونيّة وأخباريّة. الشريط نفسه آتٍ بثقة وتفاؤل من عرض عالميّ أوّل في مهرجان بوسان السينائي الدولي (2 – 12 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2019) المرموق، حائزاً على جائزة أفضل فيلم في مسابقة تيارات حديثة.

 

بشراكة فنيّة وإنتاجيّة مع شباب مثل المونتير علي رحيم، وهلا السلمان في الكتابة، ومزيج من الممثّلين المخضرمين ومن يقف أمام العدسة للمرّة الأولى، يقترح مهنّد حيّال رؤية مغايرة للجيل الجديد تجاه أزمات العراق المتتالية. رؤية تتميّز بمكاشفة حادّة، وصراحة قاسية، من دون التورّط في الأحكام والشعارات، رغم أنّ المادّة قابلة جدّاً لذلك. سينما مرسومة بحدّ السكّين، لتقشير طبقات العنف والعسف والرهاب والكابوس، ولاستحضار ذاكرة بلا تجميل، بغية الخلاص منها إلى الأبد. هذا لا يعني عدم تسجيل موقف ذاتيّ، منتصر للمهمّشين والمستضعفين ممّن يدفعون الثمن دائماً، فالسينما موقف صانعها ممّا حوله في النهاية.

 

بالعودة إلى الشريط، نحن بصدد شخصيات مأزومة، مشروخة، تتشارك الصراع والمصير في هذا الحيّز الجغرافي. قنّاص مضطرب (علي ثامر) يتماهى جحيمه الداخليّ مع آخر في المحيط. شاهد سابق على فظاعات سجن أبو غريب (أسعد عبد المجيد)، وعاشق لأمّ ثكلى (إيمان عبد الحسن) تسكن مع ابنة (رضاب أحمد) تتوسّل مغادرة البلاد بأيّ ثمن. أمير قاعديّ (علي الكرخي) مسيطر على الشارع، وأخته (يمنى مروان) سيئة السمعة. يبدأ عدّاد الفيلم بتعرّض العاشق للقنص، فيما كان يهمّ بطلب يد حبيبته القديمة. هو مغترب عن بغداد 20 عاماً. من الواضح أنّه اختبر قمع ما قبل الاحتلال، ورعب ما بعده. «كنّا بسجن كبير، صرنا بفوضى كبيرة». هكذا، تبدأ شبكة العلاقات بالتوضّح شيئاً فشيئاً، إذ يكشف الشريط أوراقه تباعاً. الأمور ليست كما تبدو للوهلة الأولى، وهذه إحدى نقاط السيناريو المضيئة.

 

أهم ما ينجح الفيلم في تحقيقه هو حسّ المعايشة الذي ينقله للمشاهد. يساعد على ذلك خيار شجاع وذكيّ بالبقاء ضمن الزمن الحقيقي لأحداثه (الزمن الفيلمي يوازي الحقيقيّ). إضافةً إلى استخدام الكاميرا المحمولة (سينماتوغرافيا: سلام سلمان) لنقل جوّ التوتّر والاضطراب، بالاستفادة من «سينوغرافيا الخراب» القائمة، وموسيقا رعد خلف المتقشّقة. الحوار يتكئ على لغة الشارع اليوميّة. كلمات جارحة. شتائم. أوصاف «فجّة». كل ذلك يرفع درجة المعايشة، ويزيدها حضوراً.

 

 يمتزج اللهاث والعرق والذباب الماشي على الجلد، بلحظات تأمّل مؤثّرة، وكثير من الصمت، ما يحقق هدف الشريط بالاشتغال الثريّ على الجانب النفسي لأبطاله. «شارع حيفا» ليس فيلماً مباشراً عن الحرب، بل عن وقت مستقطع من حياة أفراد عاشوها، أثّروا وتأثّروا بها، مدججين بتاريخ لا يقلّ ضراوةً ووطأة. هنا، تبرز الشخصية كإنسان متفرّد متكامل الأركان والهواجس والرغبات، لا كنموذج أو رمز، كما يفعل كثيرون. أهميّة الفرد للحديث عن جماعة، والانطلاق من الخاص إلى العام، يصنع جماليات سينما عراقيّة جديدة. حمولة الفيلم الغنيّة كفيلة بجعلنا نتغاضى عن بعض الهفوات التقنيّة، والتفاصيل الصغيرة، في تطلّع لمنافس جاهز على جوائز قرطاج المختلفة.

 

ahalot@hotmail.com

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى