رأي

شاهين والقدرة على الاستشراف (1-3)

حسن غزالي

“بين المخاض والألم من تاني بنتولد.. الماضي بيتولد الحكمة بتتولد الغنوة بتتولد”

في حالة يوسف شاهين نستطيع أن نضيف لكلمات الشاعر الكبير عبد الرحيم منصور “والسينما بتتولد”، حيث ينظر إلى تلك الكلمات على أنها التعبير الاسمي لمنتج يوسف شاهين السينمائي، فقد أكد المقربون منه من خلال شهاداتهم، مقالاتهم، ندواتهم أو لقاءاتهم الجماهيرية أن الفيلم السينمائي لشاهين يخرج من رحم معاناة ينصهر فيها المؤلفون، الموسيقيون، السيناريست وباقي أعضاء الأوركسترا السينمائية، بالإضافة إلى المايسترو “جو”.

12 عام تفصلنا عن تغيير يوسف شاهين لعنوانه. شاهين، تلك الشخصية الجدلية التي طالما ألقت بالأحجار في الماء الراكد كما ورد في شهادة على لسانه ضمن أوراق كتاب “سلطة السينما.. سلطة الرقابة” لأمل عريان، والصادر عن وكالة الصحافة العربية عام 1999، والذي يقول شاهين فيه “أنا لا أرغب أن تكون أفلامي نوعا من المخدر الذي يسلي الجمهور لمدة ساعتين، لكن ما أسعى إليه من خلال أفلامي أن يخرج المتفرج من صالة العرض في ذهنه تساؤل هو ماذا يريد أن يقول هذا الرجل؟ هذا السؤال أبحث عنه في كل عمل أقدمه، فأنا رافض تماما عمليات غسيل المخ التي يتعرض لها جيل كامل حتى يصير الشخص مستعد لقبول أي فكرة أو تنفيذ أي تصرف يطلب من دون تفكير. لذا فقد أصبحت أتوقع الهجوم في أي وقت وعلى أي عمل أقدمه، ويبدو أن المسألة لم تنحصر في شاهين وحدة ولكنها مأساة الإبداع الحر بشكل عام فهناك فئة ترفض التنوير وترفض مخاطبة العقول وتريد مع المبدعين أن يكمموا أفواههم ويريدون من أمثالي تقديم الأعمال الهابطة التي ترضي الغرائز وتدغدغ الأحاسيس …. لكني سأظل أقدم الأعمال التي تناسب فكري وتكويني”.

انحيازات شاهين

على الرغم من دراسة شاهين للفنون والمسرح بالولايات المتحدة الأمريكية – بمعهد باسادينا بلاي هاوس – لكن ما قاله شاهين بعاليه، بشأن إدراكه للفنون بشكل عام والسينما بشكل خاص، يشير إلى أن دراسته في بلاد اليانكي لم تؤثر عليه، بل قام باستيعاب منهجية الفنون هناك وهضمها وجعلها إحدى الأدوات التي تساعده في التعبير عن مضمون انحيازاته الاقتصادية والاجتماعية بعيدًا عن فلسفة السينما الأمريكية.

فالسينما في الولايات المتحدة الأمريكية يتم تصنيفها كــ Entertainment  أو ترفيه هادف للربح بشكل صريح، تسيطر عليه شركات إنتاج ضخمة تضع السينما في شكل سلعة والمشاهد في شكل مستهلك يتم تعظيم الشهوات والغرائز مع تكثيف قوي لمشاهد الحركة، فلا يكون هناك فرصة للتأمل والتفكير سواء على مستوي الكادر أو المضمون مع تحجيم ملحوظ لدور المخرج، وهو عكس التصور الأوروبي للسينما المعروفة بشكل كبير بسينما المؤلف Auteur cinema، وهو الشكل الأقرب إلى منتج شاهين السينمائي حيث الدور الرئيسي للمخرج سواء في النص، الحوار ، الموسيقي وغيرها الأمر الذي يجعلك تشعر أن شاهين يترك جزء من كيانه مع كل فيلم.

وفي هذا الصدد يفسر الكاتب الصحفي أحمد الخميسي – في مقالة “صورة صادقة” بالعدد الخامس عشر لمجلة الفيلم – انحيازات شاهين اليسارية بالمفهوم الواسع دون الانحصار في تفريعات أيدلوجية، وقد أكد ذلك المخرج سمير سيف قائلا “أن يوسف شاهين تأثر بالأسلوب البصري للمخرج الأمريكي اليساري “إيليا كازان” ثم جمعته صلات وثيقة بعبدالرحمن الشرقاوي، حسن فؤاد، صلاح جاهين، لطفي الخولي، وعبدالرحمن الخميسي).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى