نقد

صاحب المقام.. التوسل إلى الله بقصة إسرائيلية

شريف ثابت

المباشرة الصريحة أو الصراحة المباشرة كانت من ضمن الملاحظات التي أشرنا إليها هنا على الصفحة عند مراجعة فيلم “الضيف” (٢٠١٩) ثاني أفلام إبراهيم عيسى كاتباً للسيناريو، وانتهينا إلى أنها قد لا تُعَد مأخذاً لو نظرنا إليها من زاوية توعوية بمعنى أن الفيلم موجه خصيصاً لجمهور لا يبحث عن المتعة الفنية، وتتطلب توعيته سقيه المعلومة بالملعقة، وهو جمهور ليس بالقليل على الإطلاق!

هذه الملاحظة تنطبق أيضاً وإن كان بدرجة أقل على “صاحب المقام” الفيلم الجديد الذي كتبه إبراهيم عيسى، وتلاحقه اتهامات بسرقته من الفيلم الإسرائيلي “مكتوب”، فهو يروي قصة بسيطة عن رحلة التحولات التي خاضها بطله يحيى (آسر ياسين) المليونير ورجل الأعمال الناجح، من شخص لا يكترث لشيء في الدنيا قدر اكتراثه للبيزنس والمال وتحقيق النجاح لمشروعاته حتى ولو على حساب الآخرين.. إلى رسول لأحد الأولياء وهو الإمام الشافعي، ينفق وقته وماله ونفوذه لتلبية حاجات مريدي الوليّ الشهير.

صاحب المقام 7

المباشرة التي شَمِلَت المعالجة وبناء الأحداث ورسم الشخصيات وحتى تصميم الكادرات، لم تستهدف بطبيعتها إثارة أسئلة بقدر ما اهتمت بتعبئة الإجابات الجاهزة، فالفيلم مُنحاز كليةً لمفاهيم الطرق الصوفية والتي تتبرك بأضرحة أولياء الله الصالحين وتتخذ من أصحابها شفعاء ووسطاء يتوسلون بهم إلى الله عز وجل من أجل قضاء الحوائج. وفي سبيل تأكيد هذا الانحياز “العاطفي” بطبيعته حشد صناع الفيلم كل أدواتهم بجميع مراحل الكتابة والتنفيذ لخلق حالة شعورية روحانية مرتبطة براحة الوصول والانعتاق من قيود الدنيا والتحليق في سماءات العشق الإلهي وحب آل البيت والصالحين.

ورغم الانحياز السافر والإجابات الجاهزة، فإن كل هذا لم يمنع المعالجة من توليد العديد من الأفكار بشأن مغزى ومفهوم الإيمان بالله. فالسلفية مثلاً والتي تقدم النص القرآني والنبوي على ما سواهما وتتعامل في أمور العقيدة بالذات وفق منهج علمي صارم، ترى في ممارسات الصوفية والتوسل بالأولياء فساداً في العقيدة وشركاً بالله الذي لم يجعل بينه وبين عباده وسطاء، وهو طرح عقلاني بل وأقرب لمعالجة الفيلم الإسرائيلي الأصلي منه لمعالجة النسخة المسروقة التي نحن بصددها هنا، ففيه يقرر البطلان الإسرائيليان، وإثر نجاتهما من موتٍ مُحقق، مساعدة المأزومين والمحتاجين الذين كتبوا حوائجهم إلى الله في خطابات وتركوها “له” بين شقوق حائط المبكى، بينما المعالجة بفيلم “صاحب المقام” استبدلت حائط المبكى بضريح الإمام الشافعي، وبدلاً من الخطابات الموجهة إلى الله، وظفت الخطابات التي يكتبها الناس للوليّ الشهير كجزء من الحالة الصوفية التي اختار السيناريست أن يتخذها أرضية لنقل مضمون الفيلم الإسرائيلي.

صاحب المقام 1 1

الحالة الصوفية تكاد تكون الأكثر انتشاراً في ربوع مصر لدرجة أن الباحث د. شحاتة صيام أطلق عليها “الدين الشعبي في مصر”، إذ تربو أعداد المنتمين للطرق الصوفية على الملايين من كل طبقات المجتمع المصري، فضلاً عن انتشارها كثقافة شعبية بين أغلب المصريين من البسطاء غير المنتمين للطرق الصوفية، ولكنهم يحبون آل البيت ويتبركون بأولياء الله الصالحين ويؤمنون بكراماتهم الأقرب لمعجزات أجراها الله على أيديهم.

ثقافة مكتملة لها طقوسها وأساطيرها وأدبياتها ونصوصها وأشعارها، بل واقتصادها ودورها السياسي!

صاحب المقام 2 1

أين تقع الحقيقة بين كل هذا؟

هل الإيمان بالله هو الإيمان السلفي “العلمي” المحكوم بالنص القرآني وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أم الإيمان الصوفي الغارق في تهاويم العشق الإلهي ومحبة آل البيت والتوسل بالصالحين؟

تقديري الشخصي، ورغم ميلي أكثر للدقة السلفية في رسم الخطوط المُحددة لأطر العقيدة، أن الإيمان بالغيبيات هو مضمار فضفاض بحكم طبيعته، ويتسع للكثير من الرؤى ووجهات النظر. فإذا كانت العقيدة بمثابة علم تحكمه أطر وقواعد ونصوص فإن صلب الإيمان نفسه هو شق شعوري بالأساس وغير خاضع لمقاييس نظرية، بمعنى أن الإيمان لا يكتسب معنى إلا بالخبرة الشعورية المنبثقة عن تجربة العلاقة مع الخالق، وهي خبرة شخصية جداً وتختلف بطبيعة الحال من إنسانٍ لآخر.

صاحب المقام 3 1

ومن هذا المُنطلق فإن رفض الحالة الصوفية بأكملها بزعم اشتمالها على ممارسات مخالفة للعقيدة هو في حقيقته استئصال للمنظور المعني بالحالة الشعورية التي يقوم عليها الإيمان الغيبي، بل وغض الطرف عن تفسيرات لنصوص القرآنية ووقائع نقلتها إلينا كتب التاريخ مثل استسقاء الصحابة بالعباس عم النبي (ص) تصب في صالح مشروعية التوسل بآل البيت وأولياء الله الصالحين. فضلاً عن أن الرفض المُطلق للحالة بزعم مخالفتها لما يقتضيه “علم” العقيدة هو في حقيقته رفض غير علمي بالمرة. نحن، وببساطة، لا نعرف شيئاً.

تركيز الفيلم اقتصر على هذا الملمح “السطحي” من ملامح التجربة الصوفية، واتخذ منه أرضية لطرح رؤيته حول العلاقة بين الخالق والمخلوق، والكيفية التي تُجاب وتُقضى بها حوائج الناس حين يرفعون أكف الضراعة إلى السماء. فدعاء المخلوق إلى الخالق يُجاب عن طريق مخلوقٍ آخر له حاجةٍ أخرى، وهكذا دواليك في مصفوفة لانهائية يتحرك أطرافها بتناسق وتكامل في الزمان والمكان، ويمتزج فيها التسيير بالتخيير والقدر بالإرادة الحرة في تناغم هارموني إلهي لا مثيل له. والمفارقة المدهشة التي لا يفوتنا أن نتوقف عندها هو أن أصحاب هذه الرؤية الفيلمية هم في الحقيقة صناع الفيلم (الإسرائيلي) الأصلي “مكتوب”! أحفاد القردة والخنازير يعني!!

صاحب المقام 4 1

مخرج الفيلم محمد أو ماندو العدل، من الجيل الذي تفتح وعيه في حقبة الهيمنة الهوليووديّة، وانعكس هذا هنا في “صاحب المقام” على اجتهاده الواضح في هندسة الميزانسين للمحافظة على جماليات الصورة على مدار زمن الفيلم، وتوظيف الموسيقى لتحقيق تأثير شعوري ملائم لطبيعة الموضوع، وهو ما نجح فيه “جزئياً” فقط، وذلك لأنه تعامل مع المشروع (وهذا تقديري الشخصي) كمخرج هوليوودي محترف في ضبط الإيقاع ورسم الكادرات ولكنه غير مرتبط شعورياً بالتجربة، فقدمها بشكل مُبتسر.

نفس الملحوظة تنطبق على الأداء التمثيلي لأغلب الممثلين. آسر ياسين اكتفى بحضوره المعتاد، وأدى الشخصية من الخارج من دون مواكبة لتحولات الشخصية، فكانت أفضل مشاهده في المرحلة المبكرة قبل أن يخوض رحلة التحول من رجل الأعمال البارد للمريد الساعي بإخلاص في قضاء حوائج الناس. والحق يقال فإن السيناريو لم يخدمه في رسم التحولات بشكل تدريجي مقنع، وهو من جهته لم يقدم الاجتهاد المطلوب والمعهود منه.

صاحب المقام 5 1

جرب أن تتخيل في ذهنك ممثلين آخرين في الأدوار التي لعبتها يسرا وأمينة خليل وبيومي فؤاد، فستجد أن الاستبدال سهل لأن أياً منهم لم يقدم أداءً لافتاً أو حتى “غير باهت” يربطه بالشخصية في ذهن المتفرج. وحده إبراهيم نصر رحمه الله قدم أداءً تمثيلياً بديعاً في مشاهده القليلة استحوذ فيها على الكاميرا تماماً.

قبل عام بالتمام والكمال، استضاف إبراهيم عيسى الناقد أحمد شوقي ببرنامجه “لديّ أقوالٌ أخرى” على إذاعة “نجوم إف إم” للحديث عن أفلام عيد الأضحى ومن بينها “الفيل الأزرق ٢”. وكان مما ساقه عيسى ضمن مآخذه على الفيلم أنه يروج للخرافة، ثم أتى “صاحب المقام” بعد عامٍ واحد حاملاً اسمه كمؤلف، ليروج لما يمكن أن نصفه بالخرافة ما دمنا قد تعاملنا مع ميتافيزيقا الجان باعتبارهم خرافة.

صاحب المقام 6 1

هذا التناقض يعكس ميزة مهمة من مزايا الأستاذ إبراهيم عيسى، وهي قدرته الفائقة على الإقناع بالحاجة وعكسها! فتح جورناله “الدستور” للإخوان وانحاز لهم ضد الدولة في زمن ما قبل الألفين وأحد عشر، ودعم مؤامراتهم للاستيلاء على الحكم بعد الربيع العربي، ثم انقلب عليهم حين دارت الدائرة عليهم.

شهد في المحكمة ضد حسني مبارك والمشير طنطاوي ثم شهد بعدها بنقيض شهادته!

أنكر الجان واعتبرهم خرافة، ثم احتفى بالمقامات والتبرك بالأضرحة!

قدم فيلماً عن التصوف والتوسل بأولياء الله الصالحين، ولكن بقصة مسروقة جملةً وتفصيلاً، ومن فيلم إسرائيلي!!

المشكلة يا أستاذ إبراهيم، يا صاحب المقام الرفيع، إننا لسه موجودين، ومش بننسى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى