نقد

“صاحب المقام” رحلة صوفية للبحث عن الروح المصرية

رامي المتولي

وجد فيلم “صاحب المقام” طريقه للعرض كأحد أفلام موسم عيد الأضحى عبر طريقة غير تقليدية وهي منصة إلكترونية، ليكون أول فيلم مصري يسلك هذا الطريق في موسم سينمائي يعاني من تبعات وآثار فيروس كوفيد 19 مستغلاً التطور التكنولوجي، ليؤسس شكلاً مختلفًا بقرار جرئ من صناعة بان يصل الفيلم للجمهور عن طريق الشاشة الصغيرة والإنترنت.

صاحب المقام 2

طبيعة الفيلم بدورها تتناسب مع قرار صناعة بعرضه بهذه الطريقة ربما تكون الظروف قد قادت لهذا الطريق لكن القرار نفسه مع طبيعة الفيلم يؤكد أن القادم سيشهد تغيرات جذرية فيما يتعلق بطريقة العرض.

صاحب المقام 6 1

يوازن الفيلم بين الحقائق الثابتة والماورائيات من خلال متابعتنا لرحلة يحيي (آسر ياسين) الذي لا يملك من صفة اسمه شيئًا في بداية الرحلة، شخص بلا روح جامد كصخرة، ناجح ويملك من المال والنفوذ الكثير وأسرته مكونه من زوجة تدعى راندة (أمينة خليل) وابن يدعى ياسين (عمر حسن)، واسع الحيلة نتعرف على الكثير من التفاصيل بشكل مختزل في الدقائق الأولى من الفيلم من خلال موقفين رئيسين يرسمان طبيعة علاقته بعائلته وعمله.

الأول تصرفاته في الحفل المدرسي المشارك فيه ابنه والثاني هو قرارته حيال موقف خطف العاملين لدي شركته في العراق، ما بين الموقفين نتعرف على تفاصيل يحيي بالشكل الذي يقود إلى بداية الرحلة وهو هدم مقام ولى في ارض يملكها من المقرر أن يبنى عليها مشروع إسكان فاخر والضريح يقف عقبة أمام ذلك، فيقرر ببعض التلاعب أن يهدم الضريح بعد أن يميل لرأى حكيم (بيومي فؤاد) شريكه في العمل مغلبًا رأيه على رأى أخيه التؤام حليم.

صاحب المقام 1

يحمل الفيلم جزءًا كبيرًا من المباشرة فلا غموض ولا جهد في التعامل مع تفاصيله، يبدو كل رمز وإحالة واضحين للجمهور، سواء في تفاصيل رحلة يحيي أو في رسم الشخصيات، فحكيم وحليم هما صوت العقل وصوت العواطف واللذان يصحبانه حتى بدايات رحلته ويمنحانه بعض الدعم، لكن عندما يبدأ التعمق في الرحلة يغيب العقل وتغيب العواطف وتظهر روح (يسرا) الوعي المختلف الذي يرى به الدنيا والشخوص حوله، حتى تفاصيل عمله تغيب.

صاحب المقام 3

نعرف ضمنًا انه قد وجد طريقًا للموازنة بين مهمته الجديدة وسير عمله بشكل مستقر، يرى يحيي روح في الكثير من التفاصيل حوله، هي الطبيبة وفرد الأمن والسيدة البسيطة في الشارع، بمعنى أخر هي انعكاس لعشرات الشخصيات في رحلته يراهم بروحه في البداية ومع النظرة الثانية يرى حقيقتهم.

صاحب المقام 4

عنوان الفيلم “صاحب المقام” يطرح التساؤل هل هو الراقد في قلب الضريح ويذهب إليه الناس طلبًا للعون والمدد؟ أم من يحمل ويمرر شعلة المحبة ويضع صاحب المقام في قلبه ويسير في دنيا الله يسهل الطريق لعباده الحائرين ويشد أزرهم ويعزز سعيهم؟ لتتحول الرحلات المتباعدة لأشخاص لا يربط بينهم أي رابط لرحلة واحدة ترسم حياة ملايين من البشر متصلين على الرغم من تباعدهم واختلافهم.

صاحب المقام 5

ولو اخترنا شكلاً للبطل الخارق المصري المناسب لطبيعتنا لن يكون مختلفًا عن يحيي مرسول الإمام الشافعي الذي يوفر له هذا اللقب الكثير من الشرح والبدايات، بشكل يعرفه المصريين بطريقة تصوفهم وحبهم لآل البيت والأولياء سواء المسلمين أو المسيحين، فالفيلم لا يمكن قياسه بالشكل التقليدي وتقييم عناصره بشكل جامد مخالف لطبيعته التي تعتمد على المشاعر.

رحلة يحيي هي روحية في الأساس تفاصيلها مصرية خالصة وهو ما يمنحها خصوصية تفرض التعامل معها بأكبر قدر من العواطف ويفرض التفاعل مع القصص القصيرة المكونة لرحلة يحيي بنفس القدر من التفاعل العاطفي والذي دعمه وعبر عنه عنصرا التمثيل والموسيقى التصويرية لخالد الكمار، الذي صاحبتنا موسيقاه في معظم المشاهد بالشكل الذي يبدو عند قياسه بشكل جامد ضعفًا في عنصر الموسيقى التصويرية لكثرة تواجدها في شريط الفيلم، لكن لطبيعته الشاعرية وجودها كان أساسيًا وداعمًا للحالة الروحية ومناسب للجو العام المتعلق بالصوفية المرتبطة بدورها بالموسيقى والإنشاد.

صاحب المقام 3 2

عنصر التمثيل هو العصب الرئيسي في الفيلم والأداة التي اعتمد عليها المخرج محمد العدل في ترجمته البصرية لسيناريو إبراهيم عيسى، الذي تحتل فيه الشخصيات الجانب الأكبر من القصة على اختلاف المساحات في الفيلم.

فالسيدة التي ظهرت ليحيي من العدم في مسجد السيدة نفيسة ولطمته على وجهه جزاء لهدمه الضريح وقدمتها هالة فاخر في مشهد لا يتعدى ثوان مع جملة واحدة تتساوى في أهميتها داخل الرحلة مع روح التي صاحبت يحيي من بداية تحوله وحتى تمام وصوله لشاطئ الأمان، مرورًا باهل الله المتصلين ببعضهم البعض المتعلقة قلوبهم بالأمل ومنهم الراحلين إبراهيم نصر ومحمود مسعود، ومنهم فريدة سيف النصر ومحسن محى الدين ومحمد ثروت وإيمان السيد وإبراهيم السمان وغيرهم من أصحاب الأداءات التي دعمت رؤية عيسى وأدارهم بشكل جيد العدل.

صاحب المقام 4 2

الفيلم في مجمله دعوة للعودة إلى التمسك بالأمل والعبادة التي تعتمد على المحبة والتواصل واهتمام المصريين ببعضهم البعض، الدعوة لان يسير المصريين على خطى يحيي في رحلته ليبحث عن الحياة ويستعيد رونق اسمه وتدب الحياة مرة أخرى في أوصاله.

صاحب المقام 5 2

نشر في جريدة الفجر المصرية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى