رأي

“حسني” الذي عرفته

أسامة عبدالفتاح

ضياء حسني علي حسني محمود حسني، هذا اسمه الثلاثي فقط، كان يتندر عليه قبلنا، ويقول: يمكن اعتبار “حسني” عاملا مشتركا واختصاره، وعندما كان موظف يطلب منه اسمه الثلاثي كان يرد ساخرا: متأكد؟

يمكنك فعلا اختصار الأسماء الستة في واحد فقط: حسني بالنسبة لنا، و”الواد حسني” بالنسبة للكبار.. كان جودة خليفة يقول له دائما، تعليقا على عجائب الوسط الثقافي: دي مسخرة ياض يا حسني، وكان أبي لا يكمل غداءه أبدًا، ويغفو قليلا ثم يأكل ما تبقى بعد استيقاظه، وبعد غدوة سمك ذات يوم في بيتي جمعت ثلاثتنا فقط، استيقظ فلم يجد طبقه، فاتهمه فورا بالتهامه، قائلا: الواد حسني كل السمك بتاعي، وظل ضياء حتى أيامه الأخيرة يتذكر هذا اليوم ويضحك.

روائح الكولونيا

يهل عليك بطوله وعرضه وشاربه الكث، مهندم طوال الوقت وحليق الذقن، يخاف من البرد، فتراه يرتدي سويتر في عز الحر، أما في الشتاء فلا تكاد ترى منه تحت الآيس كاب والكوفية وطبقات الملابس سوى عينيه والشارب، تحتضنه فتشم روائح الكولونيا والدواليب القديمة، مدمن كولونيا بلا جدال، ثلاث خمسات و”فا”، وكل منهما لها عنده استخدام، يشتري منها كميات كبيرة، ويضع في كل غرفة زجاجة، وفي مكتبه بالأهرام أيضا. تحتضنه كأنك تحتضن خالك الذي جاء ذات مساء ليشرب معكم القهوة حاملا حبا وحلويات، لكنه ابنك أيضا، تكتشف حين تخرج معه أنه يخشى عبور الطريق وحده، يلتصق بك كصغير ملتزم، كنت أظنه يبالغ، وحين تركته مرة لم يتحرك فعلا ولم يجرؤ على العبور، وانتظر حتى خلا الشارع تماما ليلحق بي، مطلقا دفعة من الاتهامات الساخرة.

الساخر العظيم

ساخر عظيم، صاحب ذهن متقد وإفيه حاضر دائما، ويا ويلك لو اكتشف أنك مدع أو جاهل أو حتى ثقيل الظل، ستصعد على خشبة المسرح فورا. فرانكفوني عظيم أيضا، يستخدم كلمات فرنسية في حديثه، وينطق حتى الكلمات والأسماء الإنجليزية بلكنة فرنسية محببة كان يغتاظ حين أصححها له باعتباري أدرس الفرنسية من سن الرابعة وليس “على كبر” مثله، يحب الجبنات، خاصة الصفراء والزرقاء، ويعشق القهوة الفرنسية ذات الحليب، يملك ماكينة خاصة بها، ويأتي لها بالفلاتر الأورجانيك خصيصا من فرنسا، لكن هذا لا يمس يساريته، ولا يمنع أن يصف فرنسا بأنها دولة استعمارية عنصرية.

الفن السابع

تعرفت إليه منذ 25 عاما حين عاد من فرنسا بعد عشر سنوات من دراسة السينما والاقتصاد، انضم إلى فريق مجلة “الفن السابع” التي أسسناها عام 1997، أصبح أحد أعمدتها الرئيسية، وتولى بابيّ توثيق تاريخ السينما العالمية وتثقيف القراء فيما يتعلق بالتكنيك وشرح المصطلحات السينمائية. عاد خواجة ذو عربي مكسر في الكتابة، وكنت أفضل – كمدير لتحرير المجلة – أن يمليني ما يريد وما يقصد على أن أصيغ أنا، فتتعالى أصواتنا وضحكاتنا لسخريتي أنا من طريقة نطقه وتندره هو على أسئلتي التي يراها غير ضرورية وإجاباتها بديهية، لتتحول جلساتنا إلى فقرة محببة للعاملين في المجلة ولها جمهور يأتيها خصيصا من الخارج مثل مباريات الكرة.

أهم وأكفأ ناقد سينمائي مصري بثقافته وموسوعيته ومتابعته وتحليله لو أن هناك عدلا وموضوعية، ولو لم تكن اليد العليا للشللية والمحسوبية والنفاق والصوت العالي، لكنه لم يكن يبالي، وكان يترفع عن كل الصغائر والمهاترات والصراعات الصغيرة التافهة، لم يكن يغريه سفر أو منصب أو عضوية في لجنة أو دعوة لمهرجان، واكتفى بموقع خاص يكتب فيه ما يشاء وما يفيد واعتصم ببيته محترما عالي الرأس.

وسيبقى محترما عالي الرأس.

مع السلامة يا صاحبي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى