نقد

طفيلي: صرخة سينمائية لإنقاذ كوريا 

محمد كمال 

طفرة كبيرة حققها سوق صناعة السينما في كوريا الجنوبية منذ عام 2002 وفي الفترات الأخيرة ظهر اتجاه مغاير عما كان يقدم منذ بداية الألفية متعلق بفكرة الصراع الطبقي والتناقضات التي يعاني منها المجتمع الكوري فالأغنياء أكثر ثراء والفقراء أكثر بؤسا ،وفي العام الماضي عرضت تجارب سينمائية تطرح هذا الأمر مثل فيلم (احتراق) للمخرج تشانج دونج الذي ظهر فيه هذا الصراع بوضوح وفيلم (المجتمع الراقي) لهوك باين والذي تناول قسوة النخبة في سحق الطبقات المتوسطة والفقيرة ، وفي 2019 تصل السينما الكورية إلى ذروة إبداعاتها من خلال التحفة الفنية (Parasite) أو (طفيلي) للمخرج بونج جون هوو والذي حصد السعفة الذهبية لمهرجان كان الماضي للمرة الأولى في تاريخ كوريا الجنوبية ، وسيعرض الفيلم خلال الدورة الثالثة لمهرجان الجونة السينمائي الذي يقام في الفترة من 19 إلى 27 سبتمبر القادم في القسم الرسمي خارج المسابقة .

 

الطفيلي كائن حي يعيش داخل كائن حي اخر يسمى العائل ومن خلال هذا العائل يبدأ الكائن الطفيلي فى التعايش والتكاثر عن طريق الحصول على مكتسبات هذا العائل، ومن هنا يدخلنا المخرج بونج جون هوو في أجواء أحداث فيلمه عندما يخبر الابن أسرته بأن شبكة الإنترنت لا تعمل لأن الجارة قامت بتغيير كلمة السر الخاصة بالواي فاي.

نحن أمام أسرة معدمة فقيرة تعيش في منزل أقرب إلى القبو شديد الضيق والقتامة يروا من النافذة الأرضية أحذية المارة في الشارع ويبدو أن أفراد الأسرة الأربعة بلا عمل دائم سوى إعداد علب البيتزا لأحد المتاجر، وينجح الابن في الحصول على عمل عن طريق صديقه كمعلم لغة إنجليزية خاص لابنة أحد العائلات الثرية.

 

أزمة الكائنات الطفيلية الحقيقية عندما تتمركز داخل العائل لا تكتفي بامتصاصه فقط بل تخترقه تماما وتسعى للتكاثر وهذا ما قام به الابن فبعد فترة قصيرة أصبحت الأسرة الفقيرة بفضل ألاعيب الابن تعمل لدى الأسرة الثرية دون أن يعلموا أنهم في الأصل أسرة واحدة، وأصبحنا أمام أسرة متطفلة (طفيلية) وأخرى تمثل (العائل)، فالأسرتين متطابقتين في العدد زوج وزوجة وابن وابنة لكن الفارق الاجتماعي بينهما كبير.

في النصف الأول من الفيلم نحن أمام تجربة كوميدية اجتماعية شديدة العمق والتمييز اختار المخرج فكرة الكائنات الطفيلية ليطرح مسألة الصراع الطبقي والمقارنة بين حياة الأسرتين من خلال التفاوت الكبير في شكل المنزل والمظهر الخارجي وأسلوب الحوار داخل كل أسرة ويبدأ توقع الأحداث القادمة يسير في اتجاهين، الأول أن المواقف الكوميدية التي خرجت من رحم الحبكة القوية ستخلق علاقة ما بين الأسرتين حيث تؤثر كل منهما في الأخرى.

 

أما الاتجاه الثاني الذي بني عليه التوقع موقف صديق الابن عندما يعود فيجد البنت التي يحبها تحب صديقه الذي رشحه للعمل في الأساس، لكن فجأة يتغير كل شيء وتتبدد التوقعات التي رسمت عندما ينكشف السر ويظهر الشبح الغير متوقع، وهنا يلوح في الأفق توقع جديد بأن الأسرتين المتطفلتين الجديدتين سيجدان صيغة اتفاق مشتركة حتى يستمرا في حياتهما الطفيلية على الأسرة الثرية، ولكن أيضا لم يكن التوقع الجديد في محله.

وهذا جزء مهم من عبقرية وجمال الفيلم فالتحول الكبير الذي حدث للحبكة جاء بسلاسة وإبداع وأسلوب سردي محكم ليتحول الفيلم من خداع كوميدي اجتماعي خالص إلى كوميديا سوداء تقدم نقد لاذع للنظام الكوري والرأسمالية التي سحقت الطبقات الفقيرة وحولتهم إلى كائنات طفيلية تعيش على قوت الغير متأكدين بأن هذا حق أصيل لهم ، والذين أصبحوا الان يمثلوا قاعدة الهرم في المجتمع الكوري مثلما أشار المخرج في فيلمه بأن عدد الكائنات الطفيلية يتفوق على نظيرتها الثرية .

جمع المخرج بين الكوميديا والتراجيديا في آن واحد فالنهاية المأسوية الدموية التي من الصعب أن ترتبط بأحداث فيلم كهذا كانت بعيدة تماما عن توقعات أي مشاهد لكن بعد التفكير للحظات سنجد إنها تحمل جزء كبير من المنطقية لأن الكائنات الطفيلية لا تعيش معا وحتى يضمن أحدهم الحياة يحب أن تكون على حساب الآخر ليحل محله ليستكمل الدرب ويقوم بنفس الدور مستقبلا، فهو صراع -أحيانا يكون دمويا – من أجل البقاء.

الجزء الأكبر من الأحداث دارت في منزلين يحملا كل المتناقضات فالأول صغير ضيق قاتم متسخ أعلى مكان فيه هو المرحاض، أما المنزل الثاني فهو كبير شديد الاتساع والتنظيم ورسم المخرج كل تفاصيل المنزلين بصورة شديدة التمييز، فقد اهتم بأدق التفاصيل خلال العرض حتى على مستوى الرائحة التي كانت واحدة عند الأسرة الطفيلية التي برغم عملها في منزل أسرة ثرية طوال الوقت الا أن لا تزال أزمة التخلص من الرائحة "الطبقة" صعبة.

 


المخرج بونج جون هوو برغم تواضع فيلمه السابق (أوكجا) لكن مع (طفيلي) فالفارق كبير فالفيلم مليء بالتفاصيل الدقيقة لم يترك شيء للصدفة جمع كل أنواع الدراما في فيلم واحد انتقل بينهم بتمكن شديد كل مشهد في الفيلم يطرح من خلاله أمرا ما حتى فكرة استخدام شفرة موريس فهي قد تكون نداء أو صرخة لإنقاذ الفقراء المهمشين في كوريا الذين تحولوا إلى كائنات طفيلية، فالشائع أن الأثرياء هم من يستفيدوا على حساب الفقراء فيزداد ثرائهم، لكن في كوريا الفقراء أيضا يعيشوا ككائنات طفيلية على الأثرياء.

مشهدا البداية والنهاية كانا نفس اللقطة لكن الفارق أن البداية كان هناك بصيص من أشعة الشمس – الأمل – تخترق النافذة الأرضية لكن في مشهد النهاية كان الظلام الدامس هو المسيطر. 
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى