ريفيو

عباس كياروستامي والعفوية السينمائية  

عبدالرحمن علي 

"السينما تبدأ عند جريفيث وتنتهي عند عباس كياروستامي"
المُخرج الفرنسي "جان-لوك غودار"

هذا ليس مقال نَقد فني بل محاولة لتتبع ماهية الفن بالنسبة لمخرج يُعد علامة من علامات فن السينما في العالم.

سينما المخرج الإيراني عباس كياروستامي هي سينما شعرية مرتجلة بسيطة في جمالها وجميلة في بساطتها، فتجد في أفلامه أن الصدفة تلعب الدور الأكبر في صناعة الفيلم، أو بالأحرى سيناريو الفيلم.

على سبيل المثال في التسعينيات قرأ "كياروستامي" خبراً في جريدة عن شخص  يُدعى "حُسين سابزيان" قام بانتحال شخصية المُخرج الإيراني الشهير مُحسِن مِخملباف.

 
 

Close-Up 1990

تابع كياروستامي قضية "سابزيان" وقام بجلسات معه لمعرفة سبب انتحاله لشخصية شهيرة كـ"مخملباف" وعلم أنه شَغوف بالسينما وبفيلم "الدَراج" إخراج محسن مخملباف.

في عام 1990 قام كياروستامي بصناعة فيلم من سيناريو من كتابته عن مواطن إيراني يعشق السينما وينتحل شخصية المخرج "مخملباف" وما واجهه من مشاكل قانونية في انتحال الشخصية وأسباب انتحاله لشخصية المُخرج.

نجد العَفوية والصُدفة ليست في الفيلم نفسه بل كان الأبطال في الفيلم هم نفس الأبطال الحقيقيين للقصة فنجد "حسين سابزيان" يقوم بدوره على الشاشة والمخرج مخملباف أيضاً يقوم بدوره شخصياً.


 
Where is the Friend's Home? 1987

أين يقع منزل صديقي؟ هو فيلم من سيناريو وإخراج "كياروستامي" يحكي الفيلم عن طفل صغير في الابتدائية، نتيجة خطأ ما ينسي صَديقه دَفتر الواجِب مَعهُ ولا يلحظ ذلك إلا عندما يكون في البيت، يتحدث مع أمه كي يلحق بصديقه ويعطيه دفتره كي لا يتعرض للتأديب من المدرس، فتعنفه امه وتُرغِمه على إكمال واجِبه المَدرسي.

يقرر الطفل خوض مغامرة للذهاب لقرية صديقه التي لم يسبق له زيارتها، فهو لا يعلم حتى أين يقع منزل صديقه؟
فيلم بالتأكيد سيحرك شيء فيك فهو ربما عن ذكريات طفولة المخرج نفسه لكن ستجد فيه من ذكرياتك بالتأكيد.

الخوف الملازم للطفل من شارع مظلم فيه كلاب ضالة من منا لم يتعرض لنفس الموقف؟ حديث الطفل مع جده وحديث الجَد عن تغيير الأيام والأجيال من منا لم يسمع بأذنيه نفس الحديث المُكرر ربما من كل الأجداد حول العالم.


 
Life, and Nothing More… 1992

بعد هذا الفيلم بوقت قصير حدث زلزال في منطقة " كوكر " المنطقة التي صنع فيها فيلمه " أين يقع منزل صديقي؟
صنع كياروستامي فيلماً آخر من تأليفه وإخراجه عن مُخرج ذَهب للقرية المنكوبة للبحث عن بطل فيلمه أملاً في نَجاته.
جاء الفيلم بعنوان Life And Nothing More.. أو And Life Goes On بمعني وتستمر الحياة برغم النكبات.


 

Through The OliveTrees 1994
أثناء بحث كياروستامي عن بطل فيلمه في القرية المعرضة للزلزال قابل في طريقه شاب وفتاة متزوجين حديثاً، وعندما سألهم كيف تزوجوا رغم النكبة المحيطة بهم، قال له الشاب: لقد توفي أغلب أهلنا في الزلزال ولو انتظرنا أكثر من ذلك فلن نتزوج.
فصنع " كياروستامي فيلماً آخر من تأليفه أيضاً كخاتمة لثلاثيته المسماة "ثلاثية كوكر" فجاء فيلم "عبر أشجار الزيتون"، الذي يحكي قصة حُسين وحُبه لطاهره ورفض جدتها له لكونه فقير.

إذن عباس كياروستامي لم يحتاج للكثير ولا لنجوم مشاهير ولا لقصة لكاتب شهير ولا لكاتب سيناريو عبقري حتى، ولا لأحداث مهولة ورصاصات كثيرة وتفجيرات رهيبة لصنع سينماه الخاصة ذات النكهة العفوية التي تنم عن الطيبة والجمال الرائق.

ربما أدرك كياروستامي أن "آفة الجمال التَصنع" فجاءت أفلامه بسيطة وحواراته مرتجلة وغير مفتعله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى