رأي

عزيزتي أمل…هل قابل حبيبك هشام سمحة حتى الآن؟

 جيلان صلاح

أمل هانم موجودة؟ حضرتك؟ أهلاً وسهلاً

لأ أنتِ ما تعرفنيش، مش مهم أبقى مين

المهم تعرفي إن هشام أنيس هيكون سهران الليلة مع بنت فضة المعداوي في الكريزي مونكي Crazy Monkey

تُصدم الصحفية أمل صبور، تضع سماعة الهاتف، تنطلق إلى الآلة الكاتبة وتبدأ في وضع المقدمة لمقال جديد

انتصار القبح والسوقية على الأصالة والنبل

مهلاً، فالحرب الباردة لا تنتهي هنا

وفي مسلسل أسامة أنور عكاشة الساحر “الراية البيضا”، والذي يبحث فيه عن فارس بنفس القدر الذي بحث به محمد خان من قبله -أو بالتوازي- وإن كانت بصورة أكثر راديكالية من مخرج السينما الحالم، لا تجد فتاة مثل أمل نفسها مهددة إطلاقاً من فتاة مثل سمحة الشاطر.

صور أسامة أنور عكاشة سمحة كما يجب؛ فتاة جميلة جمال فج، وقحة النظرات، شديدة الثقة مثل أي فتاة وُلدت لتجد العالم أسفل قدميها، ولا تعي كلمة معاناة، وتفهم جيداً مدى سطوتها ونفوذها على من هم أقل منها، حتى لو كانت ابنة خالتها التي تدعوها لقضاء ليالي معها تأكل وتشرب وتتمتع بالنعيم الذي تفتقده الفتاة المسكينة في منزلها الفقير. وقد أحبت سمحة هشام لأنه لم يهتم بها، لم يلتفت لوجودها وهي تعلم جيداً أن بريق مال ونفوذ والدتها يجبر أي شخص في أي مكان عام على الالتفات إليها بل والسعي للتقرب منها. وانجذبت له كما تنجذب أي فتاة للواد التقيل سواء يلعب دوراً ليجذبها في شباكه بدوره، أو أنه بالفعل غير مبالي بها.

الراية البيضا 6

في المسلسل، يبدو هشام ثابت الموقف لحد كبير، على الرغم من أن سمحة تداعب ذكورته الكامنة بمحاولة لفت انتباهه، حتى أن والده المحامي النزيه بدوره يشعر بفخر كون هذه الفتاة الثرية المدللة تطارد ابنه الشاب العادي بهستيريا، وتترك له رسائل غنائية مجهولة على التليفون. لكن أسامة واضحاً في تعامله مع هشام، هو لا يفكر في سمحة بل لا يلتفت إليها أصلاً، هشام مثقف، حساس، رقيق المشاعر، يتذوق الفن ويميز بين المدارس الفنية المختلفة، يقرأ الشعر ويدافع عن تراث المدينة وأصالتها، فكيف ينجذب لفتاة مثل سمحة تقضي لياليها في نادي ليلي وترتدي فساتين باهظة الثمن تتركها منفوشة مثل كعكة ضخمة متضاربة الألوان.

الراية البيضا 2

هشام ينجذب لأمل صبور والتي تمثل المرأة الأخرى l’autre femme التي يهوى أسامة أنور عكاشة اللعب بتيمتها كثيراً، نراها في أكثر من شخصية زُهرة في “ليالي الحلمية”، إيمان في “امرأة من زمن الحب”، عايدة في “زيزينيا”، وجميع الشخصيات العكاشية التي لعبتها نسرين تقريباً. المرأة ككائن آخر هي امرأة مثقفة، جميلة، تحارب التقاليد لكنها لا تتمرد عليها تماماً، تحتفظ بأخلاق الفتاة المصرية لكنها ترفض أن يحكم أحدهم عليها أو يحاول تنميطها أو قولبتها.

غالباً ما تؤدي بها مثاليتها ورومانسيتها الممزوجتين بالدرجة العالية من الثقافة إلى الاندفاع وراء قصة حب جنونية تنتهي في معظم الأوقات نهاية تراجيدية زاعقة، تليق ببطلتها التي تُختار بعناية لتكون جميلة جمالاً أصيلاً لا مفتعلاً، وجهها رائق بدون مكياج وتمثيلها يميل للهدوء. وفي مسلسل “الراية البيضا” كانت أمل صبور هي المثال الأروع لبطلة عكاشة الأثيرة التي تتمرد ولا تتمرد، تثور ثم تخفت، تدافع عن حقها لكنها لا تثير حفيظة المجتمع، وفي عالم أسامة الساحر يقع الرجال غالباً في هوى هذه المرأة وبالضبط كما في الحقيقة، تقع هذه النساء غالباً في براثن الرجال الذين يستغلونهن، فتقابل الحبيب بدون اكتراث ولا سحر البدايات.

الراية البيضا 3

يقع هشام في هوى أمل صبور بصورة مثيرة للإعجاب، فهشام شاب وسيم، فنان، لديه براءة من لم يخبر الحياة بعد، حياته الصغيرة المتواضعة لم تعرضه للويلات التي تعرضت لها امرأة مثل أمل لذا من الطبيعي أن ينجذب لها بطريقة أشبه بحب المراهقين بينما تتمنع هي خوفاً عليه لا منه، ترى فيه نهراً رائقاً إذا ما اقتربت لترتوي منه، وجدت ملامحها متجعدة، مرهقة، خائفة، ارتسمت عليها قسوة التجارب المريرة، وفي غمرة غضبها تضرب بكفيها النهر أو -كما لا يليق بليدي- تتبول فيه لتعكر صفاءه، مغالبةً شعورها بالذنب لأنها كانت يوماً ما مثله.

ولهذا وطبقاً لقواعد عالم أسامة أنور عكاشة الصارمة فإن هشام لا يمكن أن ينجذب لسمحة، بل إنها لن تلفت حتى انتباهه. ستكون محاولة تقربه منها مجرد وسيلة لاستغلال مشاعرها للانتصار للقضية الكبرى. أما قلبه فمحجوز لأمل دون شرط أو مساومة.

الراية البيضا 1

ولكن، هل هذا حقيقي؟

دعونا نتخيل معاً أمل وهي تجلس في منزلها العادي البسيط، الذي يليق بطبيب محترم يعمل جيداً وينفق على منزله بما يتوائم مع احتياجاته، وأستاذ في الجامعة يتمتع بامتيازات عادية لا تشوبها شائبة. رجل شريف له ابنة شريفة مثله، مطلقة ولا تعمل كونها خرجت بفضيحة أخلاقية وأزمة نفسية عارمة، تروما وأذى نفسي وانهيارات عصبية متكررة جعلت منها أميرة فروزن المحجوزة وراء الجبل الجليدي، غير قادرة على تخطي ما حدث ولا مواجهة المجتمع كامرأة تحمل من الندوب ما يكفي ظهر محارب في جيش محاربي المناطق الإسكندنافية.

ولنذهب بخيالنا نحو هشام يجلس في منزله الذي يقل تواضعاً عن منزلها، يقلب كوب الشاي ويستمع لوالده الشريف وهو يسرد انتصاراته اليومية البسيطة، ألن يتخيل نفسه وقد قضى لياليه في حضن امرأة تعشقه وتتمنى إلقاء مالها ومتاعها أسفل قدميه؟ ألن تبهت صورة أمل الملولة العصبية المحتدة دفاعاً عن مبادئها ولو قليلاً أمام صورة سمحة والحياة المنعمة التي تعده بها؟

لنزيح الصورة جانباً ولندعي معشر المثقفات المنهكات من حروب داخل منازلنا وخارجها أننا لم نقابل هشام؛ ذلك الفتى الرقيق الحالم، ولم نقابل سمحة بضحكتها الرقيعة وعشقها الوله لرجلنا؟ ألن تتهاوى مبادئ النسوية والاعتزاز بالنفس دون الاعتبار للنوع الجنسي أمام سيارة تهديها سمحة لهشام كهدية في عيد ميلاده؟ ألن تختفي آثار الجينز اليتيم الذي يرتديه طوال الأسبوع أمام جينز ليفايز وبدلة من تومي هيلفيجر وملابس مصممة خصيصاً له ليتباهى على إنستاجرام أمام أصدقائه؟ ألن يرقص هشام طرباً على شرف الجاليري الضخم الذي ستفتتحه له سمحة وتدعو له جميع الصحفيين والنجوم والإعلاميين ليصبح حدثاً هائلاً يُكتب عنه في كل مكان، كل هذا وأمل تجلس حانقة أمام آلتها الكاتبة الباردة تكتب عن انسحاق الأصالة والجمال أمام المادية والسوقية.

الراية البيضا 1

 قد يصلح حب هشام المدله في السِت أمل في عصر ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي وطغيان الرأسمالية وتحول المجتمعات إلى مستهلكة مزدردة لكل ما يُصدر ويمكن التباهي به. لكن في عصر ما بعد ثورة الاتصالات والتي بدأت في أواخر الثمانينات/أوائل التسعينات، أي في نفس الوقت تقريباً الذي كتب فيه أسامة أنور عكاشة هذه الملحمة الرومانسية للغاية بمقاييس العصر، سيطيح طوفان سمحة بأمل ومشاعرها الحقيقية المدفونة وراء جبال أدوية الاكتئاب وساعات الإحباط من السدة الكتابية.

سينهار حصن هشام أمام ضغط سمحة الفج، وسيسلم نفسه لها، وقد ينتهي الأمر بأمل في سيارتها الفيات أو الرينو تسير إلى جانب بي إم دبليو هشام وسمحة، قد يبدوان باردان كما سينتهي بهما الأمر عند استمرار الزيجة أطول مما ينبغي، أو منتشيان بعد سهرة نسى كل منهما فيها الآخر، ستتأملهما أمل بحسرة، ثم تأخذ اتجاه معاكس، هي لم تتغير نفس الملامح الجميلة المرهقة، لكن هشام كله تغير، أصبحت لحيته أكثر تنسيقاً، وأصبحت ملابسه أكثر أناقة، وأصبحت نبرة صوته أكثر عجرفة.

الراية البيضا 4

ستجد أمل نفسها في شوارع الإسكندرية الباردة ضئيلة، وقد تتذكر تهاني، مرآتها من فيلم “اضحك الصورة تطلع حلوة” وهي تسير على أحد كباري القاهرة الواسعة لتجد طارق يضحك لامبالياً مع فتاة غنية من طبقته، تشبهه ويشبهها، تفهم دعاباته المتوارية ويفهمها، في حالة أمل ستشد سمحة هشام إلى عالمها الثري المتعالي، سيحتفظ بتفكيره وثقافته لكنه سيحاول ألا يثير حفيظتها به، لن يكونا مثل طارق وفتاته المنمقة، لكن أمل ستكون كتهاني فتاة جميلة، عادية، مرهقة، أمامها طريق طويل لتقطعه وتعود لمنزلها، ترتب وتنظف أو تنهي واجبات منزلية ما، ثم تجلس كل منهما أمام مكتب بارد؛ تهاني لتذاكر وتصبح الداكتورة فيطرب قلب والدها وجدتها، وأمل لتحارب في أن تتواجد كصحفية في قلب عالم يرفض وجودها.

فأمل وهشام لن يجدا من يلتقط لهما صورة لينشرها على إنستاجرام، أما سِمحة فستنشر صورة هشام من وراء فيلتر يحمل توقيعها Simha_ElShater@

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى