نقد

علاقة خاصة بين السينما والعلوم الإنسانية في أفلام «هاكان أونال»

«برتقال» الرجل حيوان اجتماعي

«الصدع في الجدار» الإجرام الجنسي إرضاءً للدين

 

نوار عكاشه

 

بِما أنّ الفنون تنطلق من الذوات والتفاعلات الكونية؛ فَالعلاقة بينها وبين العلوم الإنسانية وطيدة بِالمطلق.

للسينما الحظوة الأكبر من الصعوبة والدقة في تلك العلاقة بِاعتبارها فن جماهيري أولاً، فَالمعالجات السينمائية تضع المتلقي في مرمى أهدافها، وتتحايل بين القصص والصور والتراكيب لتحقيق الغاية.

 

 

للكاتب والمخرج التركي «هاكان أونال» (1977) علاقة مع السينما من نوع خاص ونادر، يبدو واضحاً أنّ دراسته الأكاديمية للعلوم الإنسانية شكلت سمات وشروط تلك العلاقة بِتحيز تام نحو تفكيك سيكولوجيا الإنسان وطبيعته الجينية الداخلية وتأثره الديناميكي بِمحيطه الاجتماعي.

 

 

عمل بعد دراسته في مجال التصوير الفوتوغرافي، ثمّ شارك في عدد من الورشات والمختبرات السينمائية الدولية لِتطوير المشاريع، لينطلق بعدها لِصناعة أفلامه الخاصة مخرجاً وكاتباً ومصوراً ومونتيراً.. له فيلمان قصيران حتّى الآن ويحضر لمشروعه الثالث حالياً، يتطرق في فيلميه لِتيمة الحرمان العاطفي، ويعالجها من زاوية الجنس بِكسر جريء وحساس لهذا التابوه، يكسر الهيكل بالأفكار ويترك لِصورة الشظايا في عيون المتلقي إيجاد الحلول.

 

 

يعتمد الإيحاءات والدلالات في بناء دراما وصورة أفلامه، كما يعتمد الاستعارات والتحولات في استعراض تداعيات الهواجس والنوازع البشرية على الواقع الحياتي للشخصيات.

الفيلمان بالأبيض والأسود، ذلك ليس مجرد اختيار لوني للصورة، بل تناسب للموضوع وتكامل للمضمون، فَالسوداوية والعتمة في نفوس الشخصيات لا تصلح لتقديمها بالألوان، الغم والعوز يصنعان كآبة مستدامة وتختفي الألوان من العالم.

 

 

«برتقال» الرجل حيوان اجتماعي

 

فيلمه الأول «برتقال» (2015، 22د) يتناول علاقة زوجية هشة تجمع "جيزم" أداء: (جيزم أردوغان) وزوجها "معمر" أداء (معمر ياسر)، تلك العلاقة تتجه نحو الانفصال التدريجي بسبب مشكلة عدم إنجاب الأولاد، وتتباعد المسافة بين الزوجين بِتصاعد درامي يتطرق لِقضايا الهوة الجنسية والعنف ضد المرأة وإثبات الذات.

 

 

يفتتح "أوهال" تتر فيلمه بِعبارة للكاتب والفيلسفوف الروماني «لوكيوس سينيكا» (4ق.م-65م) يقول فيها:" الرجل حيوان اجتماعي"، تليها لقطة لِرجل يبدو بِحالة متطورة من الارتباك وهو يصرخ بِأنين كَالذئب، هي أولى الإشارات التي يطلقها الفيلم عن وحشية الغريزة الذكورية وقدرتها على الأذى حين تشذّ وتتشوه، فَتتجه للسلوك الحيواني بِدوافع الانتصار لِنرجسيتها.

 

 

المرأة هي الطرف الأضعف والتي لطالما كانت ضحية تلك الغريزة، يقدمها "أوهال" في بداية الشريط بِصورة مغنية جميلة تشدو بأغنية عذبة عن الحب والانغماس في الحبيب، تقول في جزء منها:" احرقني بِجحيمك، واقتلني بِجنتك.."

 

 

لا يقدم لنا "أوهال "تفاصيل العلاقة الزوجية لبطلي الفيلم، يضعنا مُباشرةً في المشكلة، عدم إنجاب الأولاد أدى لتداعي تلك العلاقة، مشهد واحد مشغول بِبراعة سينمائية كان كفيلاً بِطرح المشكلة واكتشاف طبائع الشخصيتين، مشهد حواري مقتضب بين "جيزم" و"معمر" بِأداء تمثيلي رصين مع ضبط مدروس لِلإضاءة وتلاعب بالظلال بِمزامنة مع حالة الزوجين النفسية.

 

 

لم نتعرف في البداية على سبب مشكلة عدم الإنجاب، لِنكتشف لاحقاً أن لا مشكلة! وهذه إشارة دلالية ملفتة، إذ أن بعض الرجال لا يمنعهم عائق بدني أو نفسي، يمنعهم انخفاض الرغبة، الرغبة التي تعلو وتتعاظم حين المساس بِفحولتهم، مما يدفعهم للاغتصاب أحياناً بِغرض إثبات الذات، بينما في علاقاتهم الزوجية هم أضعف من ممارسة الجنس ويلجأون لممارسة العادة السرية بديلاً عن المواجهة حين يخطِؤون بِحق الشريك العاطفي.

 

 

في إشارة أخرى، يقدم "أوهال" العنف ضد المرأة من زاوية مختلفة، العنف ليس شخصياً بالمطلق، لا يستلزم وجود أسباب تتعلق بِالضحية، وهو ما عبر عنه بِمشهد اغتصاب "معمر" لِامرأة في شارع مظلم اكتشف بعد انهاء فعلته أنّها زوجته "جيزم".

إذاً، العنف ضد المرأة دليل نقص حاد، ورغبة بِإملاء فراغ ذاتي، لا يحتاج أسباباً استفزازية بِالضرورة.

 


 

 

التباعد يتفاقم بين الزوجين بعد حادثة الاغتصاب، يُساوي "أوهال" جريمة الاغتصاب بِالقتل في مشهد فنتازي يدفن بِه الزوج زوجته الميتة.

حمل الزوجة لا يمكن أن يُعدِل الوضع، فَهي تعتبر حملها غير شرعي، كيف لا والأب مغتصب جبان، الإجهاض هو القرار الأنسب لها بعد وصول العلاقة لِطريق مسدود، فَقد أصبحا شخصين منفصلين تماماً يتشاركان المكان الداخلي، فَهل آنّ أوان الطلاق؟

 

 

لاشك أنّ الفكرة واردة جداً، لكن "أوهال" اختار لِنهاية فيلمه حلولاً مفتوحة، "جيزم" تشتري البرتقال وتمشي طريقها، لازالت تلك المرأة متمسكة بالسلام، تريد النضارة لحياتها وألواناً تكسر السواد الداكن.

 

شارك الفيلم في 40 مهرجان سينمائي دولي وحصد 20 جائزة عن عدة فئات.

 

 

«الصدع في الجدار» الإجرام الجنسي إرضاءً للدين

 

في فيلمه الثاني «الصدع في الجدار» (2018، 14د) يتابع "أوهال" بحثه في تيمة الحرمان العاطفي، ويتطرق في هذا الشريط لِموضوع الكبت الجنسي بِواعز ديني.

 

يُعلي المخرج سقف الجرأة في التعاطي مع هذا الموضوع ويحصره في خانة الإجرام عبر حكاية "فاهيت" أداء: (عزيز جابكورت) شاب في نهاية العقد الثالث من عمره، منعزل اجتماعياً، يعمل بِمناوبات ليلية في إحدى المستشفيات، ملتزم دينياً إلى حد التزمت، يعيش صراعاً مع رغباته الجنسية وأحلام عن جماع مع امرأة تأتيه في المنام، مما يكسر سكينته ويقلب عالمه الصامت إلى ساحة معركة بين حاجاته الجنسية الطبيعية وقناعاته الدينية وعواقب خرقها.

 

 

لم يتبع "أوهال" البناء التقليدي للسيناريو في فيلمه هذا، بل ارتأى أن يضعنا منذ المشهد الأول في عمق الصراع.

بنى دراما فيلمه ارتكازاً على صراع الخوف والحاجة وانطلق منه في بحث حول علاقة الإنسان بالدين التّي تأخذ طابع السيادة والعبودية، علاقة خوف من المحرمات ورعب من العقاب.

 

 

وعلاقته مع الجنس، تلك العلاقة الأصلية وهي جزء من تكوينه الفيزيولوجي والنفسي، هي حاجة وحق مشروع.

الضحية في هذا الصراع المعقد هو الإنسان، المعاناة تعتبر جنحة بِحقه وحين تودي الجنحة للموت تصبح جريمة.

 

 

كما فيلمه الأول؛ يفتتح "أوهال" شريطه هذا بِعبارة فلسفية، هنا للفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه» (1844-1900) يقول بِها:" الإيمان هو أنّك تريد ألّا تعرف الحقيقة"

نرى "فاهيت" في خضم هذا الصراع شخصية بائسة ومغلوب على أمرها، فَما أحوج هذا الرجل لِعدم المعرفة بالحقيقة في خضم واقعه المزري! فَالرجل يعمل بِمهنة زهيدة الأجر ويعيش في شقة متداعية، أحواله المادية لا تساعده على الزواج وتفادي معاناة الرغبة بالجماع، وبالتأكيد يستحيل عليه إقامة علاقات غير شرعية، فَهو شخص متدين وملتزم بِفروضه ويخشى ارتكاب المحرمات في دينه.

 

 

لكن الملفت في تعاطيه مع الدين هو التزمت المبالغ بِه، والخوف الشديد من العقاب عن أفعال لا ذنب له بِها.

نراه بعد استيقاظه المفاجئ من أحلامه التي قضاها بالجماع؛ شديد الخوف ويتطور لِمرحلة الارتياب حين يستشعر احتلامه اللاإرادي!

 

 

هنا تساؤل مبطن عن صوابية المحرمات في الدين، هل الاحتلام خطيئة؟ كيف تكون خطيئة والعملية تتم دون قصد أو إرادة! وهل "فاهيت" قد فهم دينه وتعاليمه بِشكل صحيح أم ضاع بين الفتاوى والتنظيرات؟

 

 

تتعاظم حالته سوءاً ويصل لِمرحلة الهوس والتهيؤات، صوت أزيز مزعج يعترض سمعه أحياناً وكأنه تحذير له، يصل به الوهم لِرؤية نفسه ميتاً داخل نعش، حتّى أنّه يصبح غير قادراً على التركيز في أداء فروضه الدينية.

 

 

يدق مسماراً في جداره ويعلق عليه مصحفاً، ظناً منه أنّه سيحرسه من الأحلام المحرمة.

يبدو أنّ سطوة الدين على "فاهيت" بلغت أشدها، فَالصدع الذي أحدثه في الجدار تشعب وكبر في عقله الباطن.

 

 

المس الذي أصابه من هول معاناته كان أسرع للقضاء عليه، وتعصبه الديني أودى بِحياته.

ولكن من القاتل المجرم؟ الدين أم الجنس؟ أم تعصب الضحية للدين؟

في المشهد الأخير تظهر "زكية" أداء: (كوبرا كيب) شقيقة "فاهيت"، لِظهورها وهي امرأة حامل؛ رمزية تتجلى في خوفها على جنينها، خوف من مصيره حتّى قبل ولادته، إنّه الخوف من المستقبل وسط هذا العالم المقيد بالتعصب.

 

 

شارك الفيلم في عدة مهرجانات سينمائية دولية وحصد جوائز، وكان من المقرر عرضه عربياً في سوق الأفلام القصيرة بالدورة الأولى من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بالسعودية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى