ريفيو

عن الله والحب والرغبة.. والأفلام التي نشعر بها أكثر مما نفهمها

المخرج: جان بيير ميليفيل

رواية: بياتريكس بيك

بطولة: جان بول بلموندو -ايمانويل ريفا

محمد اليسوف

على مدار سنوات عرف جان بيير ميليفيل بأفلامه عن الجريمة وعالم العصابات وتميز بها ولكنه هنا قدم نموذجا مختلفا ورائعا عن فلسفة الوجود الإلهي وفلسفة عميقة قد تشعر بها أكثر مما تفهمها.

 

بارني تعيش في مدينة فرنسية هادئة لم يعكر صفوها حتى مجيء الإيطاليين كان احتلالا خفيف الظل كوميدي نوعا ما بريشة معلقة فوق قبعاتهم كل شيء يبدو ممتعا حتى قدوم الألمان حيث كل شيء سيتغير.

تعمل بارني في مكان يغلب عليه الطابع الأنثوي هي وحيدة مع ابنتها الصغيرة ولكن هناك من سيوقظ مشاعرها النائمة ويشعلها إنها سابين امرأة بقوة حضور الرجال كظل شجرة نخيل عيونها الداكنة وثقتها اللامحدود جعلتها تكسب أية معركة متبادلة تخوضها بعيونها، هل كان شعورها تجاهها رغبة جامحة في النوم معها؟؟  كان أمرا جنونيا ولكنها كانت تشعر بسكينة أن هناك من ينتصر عليها في هذا العالم دائما، وكانت سابين تلك الأنوثة الممزوجة بفحولة لا متناهية

 

 

بارني تحمل الكثير من التناقضات والأسئلة التي تهمها وحتى لو كانت ساخرة فنجدها تتفق مع صديقتها لتعكر صفو هؤلاء الكهنة الذين تمقتهم، لنراها تذهب وتختار اسما عشوائيا من بين اثنين اختارت الأب ليون مورين كان يبدو اسما ريفيا خفيف النطق على اللسان.

يأتي شخصا هادئ طويل وحسن المظهر إنه الكاهن ليون (جان بلموندو) (الذي عرف بأدوار الجريمة مع ميلفيل)

لقد قالت أول جملة بدون تردد: الدين أفيون الشعوب.

 

بدا الأب ليون أكثر اتزانا ورصانة ولم يبدو محتدا كما تهيأ لها أنه سيبدو، وحتى لم يحاول جرها للاعتراف كما يحاول الكهنة عادة ولم يظهر لها بأنها مكروهة أو خارجة عن دينها مما جعلها تشعر بأنها سهلة المنال سريعة الإقناع يدعوها إلى منزله لكي يعيرها بعض الكتب وتتبادل الأفكار مع أخيها الإنسان.

تخرج هي بمشاعر متناقضة حزن وسعادة عبرت كيانها الخجول لوهلة شعرت في هذه اللحظة بأنها اليوم لم تعد كما كانت لم تنتظر مجيء صباح جديد لكي ترى سابين تحدق في عيون تمتلئ ذكورة وأنوثة في وقت واحد.

 

يأتي موعد اللقاء تمشي في الشوارع متلفة يمينا ويسارا لكي تنسى الانتظار تصعد السلالم بخطوات ثقيلة وكأن الأب ليون ينتظرها وتتأمل هي لباسه التقليدي ورقعة صغيرة على كتفه، يعطيها كتاب حياة المسيح ويدور حديث بينهما عن أدلة وجود الله هي ملحدة لا تؤمن بشيء.

 

ولكنه يقول لها أن الأرض دائرية وحتى وإن لم تؤمن بذلك فهذا لن يغير شيئا

انها لاتعرف حتى بعد قراءة الكتاب هل الله موجود؟

يخبرها عن أن الله غير موجود إنه الوجود بحد ذاته

وما الدليل على وجود الله وهل هناك برهان على وجود الحب تلك الأمور نعقلها بأحاسيسنا.

ربط الحب بالله ذكرني بحوار دار بين كاهن وسيدة في فيلم مذكرات كاهن ريفي لروبيرت بريسون:

(الحب أقوى من الموت حتى كتبك المقدسة تقول ذلك، نحن لا نخترع الحب فلديه قوانينه ونظامه، الرب هو سيد الحب أيها الرب، الرب ليس سيدا للحب وإنما هو الحب بذاته).

 

هكذا الأب ليون يشبه الحب بالملكوت الإلهي وترى بارني أن هناك فرق بين الحب والله ولكنه يريد أن يرسمها ليثبت لها لن يرسم وجهها الجميل وشعرها الخلاب ولا حتى ابتسامتها الهادئة سيرسمها كنقطة إنك أنت هي النقطة ويرسم دائرة كبيرة حول النقطة إنه الله لا يمكن للنقطة الصغيرة أن تحيط بالدائرة الكبيرة هذا مستحيل.

لقاء بعد لقاء ويحفر في ذاكرتها كل تفاصيله الأب ليون وهو يعزف على البيانو وأرضية لامعة ومظهر بسيط وقريب على قلبها الحمد لله لخلقك لعبدك ليون رجلا جميلا وصالحا هكذا.

 

تزداد الأمور تعقيدا بين الألمان وأهل المدينة ويبدأ نفي اليهود وغير المسيحيين خارج فرنسا، وها هي سابين كيف يكبر الإنسان سنوات في أسابيع فقط أنظر إلى وجهها وعيونها فقدت بريقها القديم فأخوها قد تم ترحيله من قبل الجستابو وكل ما بدا لها بأنه حب بدأت شعلته تتهافت وانعدم تدريجياً وحل محله شفقة لا حدود لها لذلك الجمال النادر.

 

ويوم وراء يوم تلك الحوارات لا تنتهي أو يمل منها شعرت بأن الأب ليون بدا أقرب إليها منها هي نفسها

هل هو الحب الذي يجعلها تزوره في كل مساء؟

أم هي تبحث عن روحها التائهة؟

في يوم تزوره صديقتها ماريون الذي يقع في عشقها جميع الرجال تحاول إغراءه في كل مرة، إنها تريد أن ينضم إلى صف معجبيها الذي لا ينتهي ولكنه يبدو مستحيلا.

 

 

هي تتمنى أن تستثيره بنظراتها الذابحة ولكن نظراتك يا ماريون لن تنجح ليست لأنها من المحرمات ولكن ليون قالها بأن نظراتك يا ماريون ليست لطيفة والسؤال الذي يطرح نفسه هل كان ينظر إلى عيون بارني برفق؟ وهل كانت نظراتها تمثل له اللطافة التي يريدها؟

مسكينة أنت يا ماريون ومحظوظة إن الله يحبك كثيرا والجنة خلقت لأمثالك.

لقد رأتها بارني في الكنيسة متضرعة تستغفر ربها وتنتظر الاعتراف ها هي ماريون وكأن روح ملائكية بريئة نفخت في غريزتها فأهمدتها.

 

وأثناء عطل الأعياد وهي تقضي وقتها في العلية تتذكر ليون كان يقضي وقت طويل في العلية وأنه عندما كان طفلا عاش طفولة قاسية ولكنها لم تكن معذبة بقدر ما كانت مفيدة له.

 

فتقول له أنها لن تأتي مرة أخرى لأنها بدأت بالإيمان مرغمة لا حيلة لها ولا قوة شعرت بأنها محاصرة ولكن هذا الشيء ألم يريده ليون؟  حاول أن يقول لها ألا تستعجل هل لأنه لا يريد لتلك الحوارات الفلسفية ألا تنتهي أم لأن هناك رغبة داخلية لم يظهرها.

 

هناك أشياء لا يمكنك البوح بها دع صمتك يعبر عنها وحتى إن بقت مخفية للأبد ياله من إنسان الانسان يخطئ ولكن ليون مورين لم يخطئ مرة واحدة أبدا.

 

وأثناء ذلك رحل الألمان وهناك أمورا كثيرة يجب إعادة ترتيبها لقد انتصر الحلفاء ولكن ذلك لم يكن سببا لعودة السعادة إلى تفاصيل حياتها بدا الأمر أصعب بأن تذهب إليه في كل مساء لتتبادل معه الحوارات وكأنه عشق حقيقي لا على شكل قبل وكلمات غزل ولكن تبادل الحب بفلسفة لاهوتية عميقة آبية أن تتوقف ولكن الأب ليون يريد أن يتبادل الأفكار في منزلها فيخبرها باحتمال زيارته لها مساءاً بين الحينة والأخرى

 

مازال يعاملها في طور الأبوية وحتى وإن لمسها قصدا في صلاة الأحد بلباسه الكهونتي قد تكون مباركة لها وليشعرها بأنه موجود معها في كل مكان أما هي عاودتها أحلام الرغبة وكأن روح ماريون نفخت فيها وفي يوم شعرت بالوحدة أتاها الأب ليون ليؤنس وحدتها ويقطع لها الأخشاب تسأله بجدية لو لم تكن كاهنا هل تتزوجني؟

 

فأجابها مسايرا نعم بكل تأكيد ولكنها أعادت السؤال بشكل جدي أكثر ليجاوب بصمت بدون كلام نظرة واحدة في عينيها ويرحل بغضب لعله لن يعود أو لم يعد كما كان ولكن رغبة ماريون تتأجج فيها من جديد مازالت تخالج شعورها عندما يحاول أن يشرح لها كتاب فلسفي آخر لقد أنشدت نفسها الآثمة بكلمات الخطيئة التي تدركها جيدا (ربي حقق لي رغبتي مرة واحدة فقط وبعدها بارك لي العذاب الأبدي) ولكن ذلك العذاب الأبدي أصابها فورا عندما صدها ويقول لها سيدتي أنا لست سابين لكي تشاركين عواطفك معي.

 

ألن تأتي مرة أخرى؟

لماذا لن آتي؟

أنتظرك مساءا للاعتراف ولكنها تأبى عاندة تحت موقف ضعيف وقعت به ولكن لا حيلة لها ولا قوة ويقول لها ليون آه منك أنت تتصرفين كالغصن الميت الذي يحترق وبعد أن يحترق يقطع إنه ليون الذي لا يخطئ إنه لا يخطئ.

 

لم تنقطع زيارته أبا ومرشدا لابنتها الصغيرة ها هو داخل غرفتها الصغيرة وعلى سريرها ليس كعشيق أو كزوج ولكن كنور يضئ حياتها المظلمة.

لقد حان وقت الرحيل فتلك البلاد الواسعة سيهتدي بها ألف بارني، يستعد للرحيل وتصعد خائفة هي من لحظة الوداع الأخيرة فتأتي الى منزله الفارغ ها هي أغراضه البسيطة ملاعقه وصحونه وبدلته القديمة.

 

كل ركن في المنزل سيشتاق لخطواتك ياليون حتى البيانو قد باعه سيصنع بدلا منه مزمارا خشبيا ليشدو به أنغاما سوف تشتاق إلى سماعها ولكن ليس كل وداع لا لقاء بعده يقول:

إلى اللقاء

اللقاء تعبير مجازي نحن لن نلتقي مرة أخرى

لن نلتقي في هذا العالم ولكن سنلتقي في العالم الآخر

هذا وداع مشاعر لا تحتاج لكلمات يكفي أن تنصت لتعابير وجوههم الذي ينضح بالكلمات والمشاعر

الكاهن ليون مورين فيلم عظيم وقابل للدراسة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى