نقد

عن ثنائية القهر/التمرد في أفلام المخرج عاطف الطيب (2-6)

حسن حداد

ثانيا: السيناريو والحوار

هناك تساؤل تستحدثه تلك الثنائية المعروضة في فكر عاطف الطيب، وهو: هل استطاعت المعالجة الدرامية (السيناريو والحوار) عند عاطف الطيب أن تجسد الموضوع المطروح بشكل جيد؟  فالمتتبع للببلوغرافيا الإحصائية لأفلام الطيب، يرى بأن هناك ضعفاً عاماً يسود أفلام الطيب بالنسبة لمعالجة تلك الثنائية التي سبق الحديث عنها، فيما لو استثنينا أفلام (سواق الأتوبيس) و(الهروب) و(إنذار بالطاعة). 

فسنرى بأن السيناريو في فيلم (التخشيبة) ذو إيقاع سريع موحٍ ومحفز، تشوبه بعض المفارقات الدرامية في نصفه الأول. صحيح بأنه نجح في الاحتفاظ بعنصر التشويق والغموض والتوتر في بناء الأحداث.. إلا أنه في النصف الآخر يتحول إلى سيناريو ضعيف تقليدي، خاصة بعد أن ينكشف الغموض وينقلب الفيلم إلى لغز بوليسي انتقامي من غير مبررات منطقية. وفي فيلم (الحب فوق هضبة الهرم) يقدم السيناريو شخصيات واقعية جداً في المجتمع، لكنه لم يقدم جديداً في المعالجة الدرامية وبدا تقليدياً في تركيبته وكتابته للسيناريو، وكان اعتماد السيناريو بشكل كبير على الحوار في توصيل أفكار الفيلم، نقصد الحوار الزائد في كثير من المشاهد، والواقعي والجميل في بعضه. 

أما في فيلم (ملف في الآداب) فنجد سيناريو يتصف بأنه جيد جريء واستفزازي، إلا أنه كان متسرعاً ومتناسياً إيجاد مبررات لتصرفات شخصياته، حيث لم يتوقف بالتأمل والتحليل للمراحل التي مرت بها بعض الشخصيات. وقد كان واضحاً بأن السيناريو يتعجل الوصول إلى النتيجة المثيرة للمتفرج. حيث يقفز بنا الفيلم إلى مشهد المحاكمة، دون المرور على الآثار الجانبية الهامة التي لحقت بعائلات المتهمات في قضية الدعارة. كذلك في فيلم (البريء) حيث كان السيناريو تقليدياً في معالجته لموضوع هام وخطير، وضاع بين الميلودراما المؤثرة المصحوبة بالعنف، وبين أطروحات الفن الملتزم، ولهذا جاء السيناريو ركيكاً في كتابته الدرامية، معتمداً في نجاحه على فكرته الجريئة. 

كما أن السيناريو قد ركز في بنائه للشخصيات على الشخصية المحورية فقط، والتي جاءت صادقة ومرسومة بعناية، وبالتالي تناسى الاهتمام بالشخصيات الأخرى. وفي فيلم (ضربة معلم) فإن السيناريو لم يوفق كثيراً بالدخول في أعماق شخصياته ودراسة انفعالاتها وتحليلها نفسياً واجتماعيا، لذلك بدت ردود أفعال بعض الشخصيات وتصرفاتها ساذجة وغير مقنعة. 

ولولا عنصري التشويق والحركة، الذي حاول الفيلم الاحتفاظ بهما حتى النهاية، لسقط الفيلم في الكثير من السطحية، وتبين بشكل جلي ذلك الضعف في شخصيات الفيلم. أما السيناريو في فيلم (كتيبة الإعدام) فقد اعتمد على حكاية تقليدية قديمة جداً، ألا وهي حكاية القتل والانتقام. وبالرغم من إن السيناريو قد أضاف بعداً سياسياً للفيلم، بعد تقديمه لبعض الحيثيات والإسقاطات المعاصرة، ليتحول السيناريو إلى قضية شرف ودفاع عن الوطن، وهو أن مرحلة الانفتاح الاقتصادي هي خيانة لحرب أكتوبر، إلا أن السيناريو قد أخفق تماماً في التعبير عن هذا درامياً، بل إنه لم يقنعنا ولم يقدم أية مبررات منطقية لتصوره هذا، إضافة إلى أن السيناريو أساساً قد اعتمد على فكرة غير منطقية مختلقة وبني عليها مجمل أحداثه.

أما بالنسبة لسيناريو الأفلام الثلاثة (سواق الأتوبيس ـ الهروب ـ إنذار بالطاعة)، فقد نجوا من ذلك الضعف والتذبذب في المستوى. ففي فيلم (سواق الأتوبيس) نحن أمام سيناريو خلاق وبسيط، بعيد عن المباشرة، يتحاشى جاهداً تقديم مواعظ وخطب رنانة ومباشرة عن الشرف والأمانة والوطنية. هذا إضافة إلى الحوار الذكي واللماح والمركز، والذي ابتعد عن الثرثرة الكلامية. 

كذلك في فيلم (الهروب) حيث نجد سيناريو أكثر ما يمكن أن يوصف به كونه جيداً وواعياً في الرؤية والمعالجة. الشخصيات فيه مدروسة بعناية، والأحداث منطقية ومتماشية مع منطق الشخصيات. حيث كان من الممكن أن تسوده حوادث الانتقام كما في الكثير من الأفلام المشابهة، إلا أننا أمام سيناريو يحطم هذا القيد ـ بعد حادثتين فقط ـ ويتطرق إلى عدة قضايا مهمة تضع المتفرج في مواجهة مناطق جديدة وبشكل جريء في الطرح الاجتماعي والسياسي. كذلك سيناريو (إنذار بالطاعة) الجيد والمحفز، والذي نجح في تقديم قصة حب رومانسية في إطار جديد ومشوق وغير مباشر. كما نجح السيناريو في تقديم شخصيات واقعية ومرسومة بعناية، تنطق بحوار جميل ومركز بعيد عن الثرثرة الكلامية.

وأمام كل هذه الأمثلة المطروحة، يتبين للمتتبع بأن عاطف الطيب كفنان.. كان همه الأول والأخير، من خلال أفلامه، هو طرح مواضيع وقضايا لصيقة بهذا الإنسان، مهما تكن النتائج (…يبدو لي أن الذي يميز أفلامي هو موضوعاتها، فاختيار الموضوعات يتم بعناية، ولابد أن تكون مرتبطة باهتمامات المواطن. إني أتلمس المشاكل التي تهم المواطن من الطبقة المتوسطة، وبالذات من أبناء جيلي…). و(…يجب أن نكون شاهدين على عصرنا، بلا تزييف أو تشويه.. فأنا أترجم ما يمكن أن يمس كل ما يعتمل داخل الناس، ويؤثر فيهم.. كل ما يهزهم في حياتهم اليومية. وخلاصة القول.. أن نحاول التعبير بصدق وأمانة.. عيوننا على ما يحدث في مجتمعنا.. في الحياة، ونشحن هذا بأعمالنا الفنية…).

وهذا بالضبط، ما حرص على تجسيده عاطف الطيب في جميع أفلامه.. البحث في قضايا تهم الناس وتناقش مشاكلهم. ومن المؤكد بأن هذا الدافع والهم الاجتماعي الذي حمله على عاتقه، قد جعله يكثر في الإنتاج، ويلهث وراء الموضوع الاجتماعي أساساً. ومن البديهي القول بأن السينما ليست موضوعاً فحسب، وإنما هي فن بصري يعتمد أساساً على التكوين في الصورة السينمائية، فالموضوع شيء يختلف عن السيناريو (هيكل الفيلم)، فالأهم من ذلك هو كيفية معالجة هذا الموضوع، من خلال سيناريو مناسب ومنطقي.. وإلا كيف نفسر تميز فيلم (سواق الأتوبيس) مثلاً، عن بقية أفلام تناولت مرحلة الانفتاح، فالموضوع واحد هنا.

ثم كيف إن فيلم (الهروب) مثلاً، يتميز عن جميع أفلام عاطف الطيب الأخرى. ولا نعتقد بأن هذه النقطة الأساسية والبديهية قد غابت عن مخرجنا الطيب، ولكننا نراه يندفع بحماس وبنوايا حسنة وراء موضوع مهم، متغافلاً أهمية تلك العناصر الأخرى (تصوير ـ إضاءة ـ لون ـ ديكور وغيرها من مكونات الكادر السينمائي).. فالحماس والنوايا الحسنة ليست دوماً طريقاً لفن جيد. حيث من الملاحظ بأن عاطف الطيب لم يكترث كثيراً بتكوينات كادراته الجمالية والشكلية، مما جعله يقع في ـ أحيان كثيرة ـ في مآزق فنية، نتيجة ذلك التباين الملحوظ في مستوى أفلامه من حيث الشكل وحتى المضمون أحياناً، ما بين الجيد والأقل جودة والرديء، مما أوحى للمتتبع بأن عاطف الطيب لم يتبن ـ قط ـ رؤية سينمائية محددة وواضحة يحمِّلها جميع أفلامه، فيلماً بعد فيلم.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى