نقد

عن ثنائية القهر/التمرد في أفلام المخرج عاطف الطيب (4-6)

حسن حداد

رابعا : المكان
إن للمكان في السينما دوراً بارزاً وهاماً في التأثير على الأحداث والشخصيات. وفي كثير من الأحيان، يصبح للمكان شخصية مستقلة وشكلاً خاصاً، ليلعب دوراً درامياً فعالاً وهاماً في التعبير الدرامي، بدل بقائه كخلفية فقط للحدث الدرامي. هذا ـ بالطبع ـ إذا إستُغِّل هذا الدور التأثيري. أما كيفية قياس هذا الدور للمكان، فلا يكون ـ طبعاً ـ بالحيز الزمني المتاح للمكان على الشاشة، بل إن قياسه يكمن في أهمية هذا المكان من حيث كونه شخصية فاعلة ومؤثرة في الشخصيات والأحداث. 

وبالرغم من أن عاطف الطيب قد قام بتصوير مجمل أفلامه خارج الأستوديو (المدينة ـ القرية)، إلا أن المكان في أفلامه، قد تأرجح بين الدور الإيجابي والدور السلبي، معتمداً على ما يحمله السيناريو في هذا الخصوص. وغالباً ما نرى كاميرا الطيب تجوب الشوارع والأزقة متتبعة للشخصيات وانفعالاتها، دون أن يكون للمحيط المكاني دوراً في هذه الانفعالات.

ففي فيلم (التخشيبة) مثلاً، لم يكن لمواقع التصوير دوراً حقيقياً في التأثير على الأحداث والشخصيات، هذا بالرغم من الإحساس بالكآبة في مكاتب الأمن ومراكز الشرطة. لذلك كان المكان مجرد خلفية للأحداث فقط.

وفي فيلم (البريء)، نلاحظ بأن شخصية القرية كانت بارزة، وتأثيرها على تصرفات الشخصيات كان واضحاً، بل أن الشخصية الرئيسية نفسها أخذت مصداقيتها من جو القرية. أما بالنسبة للمعتقل كمكان، فكان فقط خلفية للأحداث، وتصرفات الشخصيات كانت تعبر عن نفسها وتعبر عن الحدث. وهناك مشهد قصير صور في القطار، فبالرغم من قصر هذا المشهد، إلا أن القطار كان تأثيره واضحاً على المشهد، وكان وراء ذلك التصرف الذي قام به أحمد زكي في محافظته ودفاعه عن إلهام شاهين.

كما إن الجو البوليسي والمطاردات التي احتواها فيلم (ضربة معلم)، قد فرضت أماكن معينة تناسب هذا الجو، وبالتالي أصبح المكان خلفية للأحداث فقط.

أما في فيلم (الهروب)، فقد اتخذ المكان حيزاً هاماً، بل كان له دور البطولة أحياناً، وكان ذو شخصية واضحة ومؤثرة في الأحداث والشخصيات في غالبية المشاهد، فكل جزئية فيه محسوب لها، ومستقلة في تكوين الموقف والحدث. مثلاً، في مشاهد محل الخضار في السوق، بالذات مشهد التفتيش عن منتصر عند تعلقه في السقف، حيث لم يكن أن يحدث لولا وجوده في هذا المكان بالذات. 

وفي مشاهد القرية، وبالذات مشهد الجنازة، حيث كان طابع الجنازة مرتبطاً ارتباطا كلياً بالطابع العام للقرية، ولولا هذا الطابع الخاص والمؤثر على الحدث، لما تمكن منتصر من الهروب من أيدي الشرطة. بالإضافة إلى ذلك المشهد الليلي، عند مفاجأة منتصر من قبل الضابط، وهو مستغرق في التفكير. وفي مشاهد شقة صباح أيضاً، وبالذات مشهد افتعال «الخناقة» ليتمكن منتصر من الهروب. وكل هذه أمثلة فقط، وليست حصراً لأهمية المكان في فيلم (الهروب)، حيث المكان مختار بدقة وعناية فائقة.


وللمكان في فيلم (إنذار بالطاعة) شخصية مؤثرة في الحدث الدرامي، وكان لصيق بالشخصيات، بل أنه قد أعطى مبررات منطقية للأحداث ولتصرفات الشخصيات. حيث نرى الحواري الضيقة التي تحاصر الحركة وتطبق على الأنفاس، والبيوت البسيطة ذات الجدران المتهالكة، والتي تحاصر ساكنيها وتدفعهم إلى الهرب والفكاك منها.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى