ريفيو

فيرتيجو.. أعظم فيلم على مر العصور 

محمد اليسوف

"عندما تنقذ حياة شخص تصبح مسؤولاً عنها للأبد". 
سيناريو: آلك كوبول وسامويل تايلور 
قصة: بيري بويليو وتوماس نارسجك 
تصوير سينمائي: روبرت بيوركس 
موسيقى تصويرية: بيرنارد هيرمان 
إخراج: ألفريد هيتشكوك 
بطولة: جيمس ستيوارت وكيم نوفاك 

 

عندما سئل هيتشكوك عن أفضل مراحل صناعة أي فيلم يقوم به، أجاب: "فترة إعداد السيناريو"، ولكن عندما نأتي إلى "الدوار" باختلاف تلك القصة والسيناريو المحبوك نجد أن هيتشكوك كان يشعر بأن كل مرحلة من مراحل صناعة "فيرتيجو" كانت الأفضل. 

لم تتغير امرأة هيتشكوك في تاريخ أفلامه: شقراء، باردة الأحاسيس، ومنعزلة، لا تُظهر جميع مشاعرها، تدمج الكثير من الأناقة والإغراء المبهم، أضف إلى ذلك أن "نوفاك" أتقنت تلك الشخصية الباردة بشكل كامل، نشعر أن هيتشكوك أرادها دمية حقيقية كما كان يرى أنه يجب على الممثلين أن يكونوا. 

فيرتيجو

كما أن المرأة بالنسبة إلى هيتشكوك هي نظرة مقربة إلى الجنس ويجب على تلك النظرة أن تكون غامضة ومبهمة، غير واضحة الملامح. 
موسيقى "بيرنارد هيرمان" تُدخلنا إلى تلك الأجواء الغامضة، إن "فيرتيجو" هو ثمرة تعاون طويل بينه وبين هيتشكوك ولكنه وصل هنا إلى درجة الكمال من خلال ربط الصورة مع الموسيقى إذ يكفي أن نشاهد المقدمة حيث الكلمات التي تظهر على وجه مادلين "كيم نوفاك" حتى نهيئ أنفسنا لعمل عظيم نحن مقبلون على مشاهدته. 

"سكوتي" محقق متقاعد يعاني من رهاب المناطق المرتفعة، يكلفه "غيفن أليستر" الصديق القديم بمراقبة زوجته، فهو يشك بأن روحاً ميتة استحوذت على تصرفاتها ولكن القصة أبعد من أن تكون جريمة قتل محبوكة بأعلى مستوى. 

بدأ سكوتي "جيمس ستيوارت" بمراقبة مادلين خطوة بخطوة باحثاً عن السر المبهم الذي تخفيه تلك الشخصية خلف ملامحها البريئة والباردة، مادلين التي تنشر هالة من الغموض أينما حلت: في سيارتها، وعند شرائها لباقة من الورود، وعند زيارتها لقبر يبدو عليه اسم غريب "كالوكتا"، وعند جلوسها مراقبةً تلك اللوحة وحيدة تراقب ذاتها، فكالوكتا التي تتأملها مادلين تشبهها "بشعرها الأشقر، وكياستها، وهدوئها اللامحدود"، كل ذلك جعل "سكوتي" يغوص في تلك القصة أكثر فأكثر. 

إن هيتشكوك أراد أن يبقينا على مسافة واحدة من شخصياته من خلال دمج كل شخصية بلون خاص: مادلين كل ما يحيط بها من لون أخضر يرمز إلى الماضي أو الروح الخارقة أو اللغز المحير، في حين أنه ربط سكوتي باللون الأحمر أينما ذهب تحركه مشاعره، أما "ميدج" صديقة سكوتي فهي تشعر بغيرة من مادلين فربطها باللون الأصفر، وعندما يجتمع سكوتي ومادلين في منزل واحد يتبادلان الألوان وكأن هيتشكوك يريد أن يقول: لقد وقعا في الحب الآن، حكاية الألوان مع هيتشكوك لن تنتهي إلا مع نهاية الفيلم. 

تبدأ المؤامرة الحقيقية وسكوتي يقع في حب مادلين محاولاً الغوص في أحلامها عازماً على ربطها بالحاضر أكثر كي يريها أن أحلامها كلها هي حقيقة تحدث الآن ولكنه ما زال يبحث عن الخيط المفقود. 

فيرتيجو

مادلين يائسة ولكن سكوتي يقول لها إن من ينقذ روحاً يصبحْ مسؤولاً عنها للأبد، وعندما تعاودها كوابيسها يذهبان معاً إلى الكنيسة والبرج القديم ليخلصها من الماضي ليثبت لها أن أحلامها هي واقع تعيشه الآن، أما هي فتظل مصرة على أن الأوان قد فات، وقبل أن ترحل إلى البرج تقول له تلك الكلمات: "يجب عليك أن تصدق مهما حدث فأنا أحبك"، وترحل مسرعة نحو الموت المحتوم وسكوتي يحاول أن يلحق بها قبل أن تصل إلى قمة البرج فهو يدرك أن "الأكروفوبيا" ستمنعه من الوصول إلى أعلى البرج. 

يقدم لنا هيتشكوك تقنية مبتكرة وسابقة لعصرها في هذا المشهد كان قد استخدمها مارتن سكورسيزي فيما بعد. "Dolly zoom" صرخة واحدة ورؤية جثة مادلين تتهاوى كافية لتحفر في ذاكرة سكوتي للأبد تلك الصورة المؤلمة، ويبدأ طيفها بمطاردة أحلامه في مشهد الحلم القابل للدراسة فباقة الورود أصبحت أوراق خريف متساقطة، وخطوات سكوتي المتسارعة نحو القبر المفتوح، أحلام "كالوكتا" عادت إلى سكوتي في حين أن كيان مادلين المتمثل باللون الأخضر يسيطر على عقل سكوتي في أحلامه. 

فيرتيجو

سكوتي يصبح عاجزاً من جديد، إذ نشعر في هذه التحفة بأن جميع شخصيات هيتشكوك مضطربة؛ مادلين التي سكنت فيها روح ميتة، "كالوكتا" بتلك الروح الهائمة في الشوارع باحثة عن ابنتها كما تقول قصص سان فرانسيسكو، وسكوتي الذي يبحث عن طفلته المدللة مادلين في وجوه جميع النساء إذ يراها في كل مكان لعلها تعود إلى الحياة من جديد، كل ذلك الضياع حتى يرى "جودي" التي تبدو أكثر إثارة وأقل أناقة فينطلق بنا هيتشكوك إلى رحلة مشابهة للأولى ولكن بدوافع مختلفة.

 "جودي" كانت أداة بيد الجميع بشكل حقيقي؛ كانت أداة بيد "غيفن" لكي تشبه مادلين من أجل المال، وسرعان ما تصبح أداة بيد سكوتي الذي يريدها أن تكون نسخة عن مادلين مصحوباً بشهوة استرجاع امرأة ميتة واستحضار شبح لا وجود له، أما هي فتقبل بذلك بدافع الحب أو لعله هو الإحساس بالذنب الدفين. 

فيرتيجو

مشهد عظيم آخر قابل للدراسة، ضوء النيون الأخضر في غرفة فندقية بينما سكوتي يراها مادلين في كل لحظة هي بجانبه، وحين تخرج من باب الحمام وإذ بتلك الهالة الساحرة تعود من جديد، لقد حضرت مادلين وكأن تلك اللحظة عاشها من قبل: القبلة ذاتها، والشغف ذاته، وحتى المكان بدا ذاته. 

في هذا القسم الثاني استطاع هيتشكوك أن يضعنا في موقع الوسط بين تلك الشخصيات، سكوتي وجودي وحتى غيفن وإن لم يكن موجوداً إلا أن أثره باقٍ بينهما، سنشعر بالشفقة تجاه شخصية جودي بشكل عفوي وقد كانت تحت سطوة المال أولاً والحب ثانياً، إنها أكثر الشخصيات الهيتشكوكية إثارة للشفقة حتى بعد أن يكتشف سكوتي الحقيقة المرة؛ بأنه وقع ضحية لمؤامرة لم يكن يتوقعها أما جودي فقد وقعت في فخ الحب الذي سرّع من فضحها، بعد ذلك يأخذها مرة أخيرة إلى البرج ليتخلص من ماض لازمه وتخرج الكلمات من عروقه: "هل وجّهك؟ هل دربك؟"، تصرخ بخوف وهو يسحبها متجاوزاً خوفه ومحملاً بالغضب الذي وضعه على حافة الجنون: "لقد فعلتها". 

وصل إلى القمة وكلماته الأخيرة: "قد أحببتك كثيراً يا مادلين" حتى بعد أن علم أنها جودي في حين أنها تتوسل إليه، يأتيها القدر غفلة ليقدم لنا واحدة من أعظم النهايات على مر العصور. 

هناك أفلام جميلة، وهناك أفلام مؤثرة، وهناك "فيرتيجو" أيقونة سينمائية خالدة لا تعرف معنى الزمن أو الاندثار.

فيرتيجو
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى