نقد

في بيتنا رجل.. يبارك الاغتيال السياسي بذكاء لتجاوز المشكلات السياسية (1-2)

 ناصر عراق

 

الواقعية هي الهدف والمبتغى لهنري بركات، ولكن أية واقعية بالتحديد؟ هنا بالضبط تتضح عبقرية بركات، فالمخرج الكبير يصر على أن تكون أفلامه مستلهمة من الواقع اليومي ومغلفة بغلالة عذبة من الرقة والرمانسية. تذكر من فضلك (معلش يا زهر/ لحن الخلود/ دايمًا معاك/ دعاء الكروان) على سبيل المثال.

 

من مقدمة الفيلم نعرف أن القصة مأخوذة عن رواية لإحسان عبد القدوس، وأن يوسف عيسى شارك بركات في كتابة السيناريو، لكنه تصدى بمفرده لكتابة الحوار، وفي اعتقادي أن يوسف عيسى من أهم الذين كتبوا الحوار في السينما المصرية لما يتمتع به من رشاقة في الصياغة وحكمة في التعبير، وعذوبة في الحديث.

 

نعرف أيضا أن الموسيقى التصويرية من نصيب فؤادي الظاهري، وأن وديد سري تولى مهام مدير التصوير، وأن مهندس الصوت اسمه “جان هليبليان”، واضح من اسمه أنه من الأرمن، ولعل هذا الفيلم يعد من أواخر الأفلام التي اشترك في صناعتها وتنفيذها الأجانب في مصر، قبل أن تصاب مصر بنكبة هجرة الأجانب منها، فتفقد بذلك جزءًا عزيزا غاليًا من طاقتها الإبداعية!

 

مأساة الحل الفردي

يبدأ (في بيتنا رجل) بعرض لوحات مرسومة بذكاء عن عذابات المصريين في ظل الاحتلال الإنجليزي، بينما نسمع صوت المعلق الرنان صادحًا: (قبل أن تتم معجزة الثورة “يوليو 1952″، ظلت مصر ترزح تحت نير الاحتلال أكثر من سبعين عامًا، ونجح الاستعمار في أن يقسم المصريين أحزابًا تتطاحن على الحكم ونسوا العدو المشترك..)، ونعرف من خلال اللوحات والتعليق أن المصريين لم يتوقفوا عن مكافحة الاستعمار طوال هذه السنوات، ثم تبدأ أولى لقطات الفيلم بمشهد آخر يصور قبة جامعة القاهرة، لتهبط الكاميرا تدريجيًا إلى الطلاب الثائرين، وكأن بركات يؤكد أن الطلاب هم شعلة الثورة ضد كل ظلم أو احتلال.

 

أنت تعرف قصة الفيلم وتفاصيله، لذا سأفتح معك حوارًا حول قضية (الاغتيال السياسي)، التي يطرحها الفيلم ويتعاطف معها، لأن بطل الفيلم إبراهيم حمدي – عمر الشريف – أقدم على اغتيال شخصية سياسية مصرية بارزة، هو رئيس الوزراء، بحجة أنها تتعاون مع الاحتلال، فهل من الصواب الآن الحفاوة بأحد يغتال معارضًا سياسيًا؟

 

لا يمكن فهم كيف استقبل الجمهور هذا الفيلم بسعادة ووقفوا بجانب عمر الشريف واحترموا موقف حسين رياض رب الأسرة الذي أخفاه وخبأه.. لا يمكن فهم ذلك إلا في إطار السياق العام الذي عرض فيه الفيلم، ففي سنة 1961 كان طعم العزة والكرامة والاستقلال مازال عالقا في صدور المصريين بعد حرب 1956 ضد العدوان الثلاثي، وكان الشعب كله يتذكر مرارات الاحتلال الإنجليزي، لذا – كما أعتقد – لم يجد غضاضة في أن يتصدى أحد لاغتيال أحد رجال السياسة المصريين المشبوهين الذين يتعاونون مع الاحتلال، لكن من المحال استيعاب هذا الأمر الآن بعد أن تغيرت المفاهيم وظهر الأعداء القدامى في ثياب جديدة!

 

اغتيال بلا نقطة دم!

تتجلى عبقرية بركات عندما جعل المشاهد يتعاطف مع قاتل، ويتمنى له الفرار بنجاح من قبضة الشرطة. إن عمر الشريف قتل رئيس الوزراء، لكننا لم نر وقائع جريمة القتل، ولم نر أيضا وجه رئيس الوزراء ولا جسده، ولم نر كذلك نقطة دم واحدة!

 

لقد سمعنا فقط أصوات رصاص، ثم شاهدنا عمر يخرج من المبنى مهرولا يتعقبه الرجال ويقبضون عليه! وبالتالي حافظ (البطل) على نقائه في مخيلتنا، فلم تتلوث يده بالدم، لننفر منه حتى لو كان دم رئيس وزراء خائن!

 

يضج (في بيتنا رجل) بمشاهد عذبة بالغة السحر، فبركات لا يصنع فيلمًا سياسيًا بمعناه المعروف الذي يراهن على الخطابية والمباشرة والصوت العالي، بل فيلمًا وطنيًا بحسب تعبيره، وإن كانت الحبكة الدرامية الرومانسية تطل برأسها في معظم المشاهد، فعلاقة الغرام بين عمر الشريف وزبيدة ثروت تتفجر بالرقة والشجن، ومشهد ارتباك رشدي أباظة أمام رئيس البوليس السياسي همام بك – الممثل المتميز عبد الخالق صالح – يكشف معدن المصري وموقفه من الاحتلال حتى لو كان هذا المصري من أصحاب السوء الطامع في المكافأة المالية!

 

كما لا تنسى المشهد الفاتن الخاص بفتح كوبري عباس ليسقط في النيل المتظاهرون، وندرك خسة أجهزة الأمن أيام الملك والاحتلال، كما بينت لحظة هروب عمر الشريف من المستشفى ساعة الإفطار في رمضان كيف يمكن لمغامر مصري طائش استغلال هذه الفرصة التي تتراخى فيها كل الأجهزة في الدولة، ويفعل ما يشاء.

 

باختصار.. بركات مخرج يمتلك حساسية مرهفة.. أنجز أفلامًا كثيرة مدهشة، وتورط في إخراج بعض الأفلام الساذجة مثل (حسن بيه الغليبان) و(العسكري شبراوي)، لكنه تأسف كثيرًا حين أصر المنتج على عرض آخر أفلامه (تحقيق مع مواطنة/ 1993) على الرغم من أن الرجل لم يكن قد انتهى من تصويره بعد، فحزن لذلك بركات كثيرًا وقرر اعتزال السينما بعد أن أفسدها الدخلاء.

 

في الختام… (في بيتنا رجل) فيلم جميل لا نمل من مشاهدته من قرن إلى آخر، لأنه مصنوع بإتقان شديد، والإتقان هو الممر السحري للخلود.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى