نقد

في بيتنا رجل.. يبارك الاغتيال السياسي بذكاء لتجاوز المشكلات السياسية (1-2)

 

ناصر عراق

 

تمر اليوم، 10 يوليو، خمس سنوات على رحيل عمر الشريف، وقبل شهر مر أيضا 106 أعوام على ميلاد المخرج المتفرد هنري بركات، لذا سأحدثكم اليوم عن واحد من أهم الأفلام المصرية التي اشترك الاثنان في إنجازها.

ولكن دعونا نطل سريعًا على نشأة بركات وجذوره.

 

 

البداية

وفقا للفيلم القصير الذي شاهدناه في حفل افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي بمحكى القلعة في 2014، فإن بركات كما قال بنفسه في الفيلم ولد بحي شبرا بالقاهرة في 11 يونيو من عام 1914، وأنه من أصول شامية، وأنت تعلم أن مصر ظلت منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين قبلة لكل الجنسيات في العالم خاصة أولئك الهاربين من بطش السلطات أو من الأوبئة والأمراض.

 

 

وأنت تدري أن الأرمن – على سبيل المثال – قد تعرضوا لمذابح فظيعة على يد الأتراك في زمن الحرب العالمية الأولى (1914/ 1918)، إذ بلغ عدد الضحايا نحو مليون إنسان. أما الناقد السينمائي الكبير مجدي الطيب فيؤكد في كتابه "بركات زعيم المحافظين في السينما المصرية" الصادر عن مهرجان القاهرة السينمائي في 2014، فيؤكد أن (جدّ بركات جواهرجي كان يعيش في دمشق، ولما استشعر تنامي الاضطهاد الديني ضد المسيحيين قرر الهرب، وساعده في ذلك جاره السوري المسلم حسن الذي خبأه في بيته، ثم دبر له وسيلة للهرب إلى مصر). وفي القاهرة التحق انطون بركات – والد هنري – بكلية الطب وكان من النابغين فحصل على رتبة البكوية!

 

 

على أية حال درس الابن هنري بركات المحاماة وتخرج في كلية الحقوق، وظل مفتونا بالسينما والموسيقى فهجر قاعات المحاكم، وذهب إلى باريس ليتعلم ويدرس الفنون، وهناك تعرف على فتوح نشاطي – عم عزيز رأفت في فيلم شارع الحب لعبد الحليم – وتلقى على يديه دروسًا في فنون التمثيل والحركة، ثم عادا معًا إلى مصر قبيل الحرب العالمية الثانية.

 

 

في القاهرة اقتحم بركات ستوديوهات السينما، ومارس معظم الأعمال خلف الكاميرا مثل ملاحظ سيناريو ومونتير حتى أتقن القيام بمهمة مساعد المخرج، وفي سنة 1942 أسندت له آسيا إخراج أول أفلامه وهو (الشريد). ثم توالت أعمال الرجل بعد ذلك سريعًا، فقد عرض له فيلم (لو كنت غني) في 26 نوفمبر من العام نفسه، ثم (المتهمة) في 30 ديسمبر من سنة 1942.

 

 

هكذا أثبت الرجل مقدرته في دنيا الإخراج حتى بلغ ما أخرجه حتى عام 1950 أكثر من 14 فيلمًا من أشهرها (العقاب/ الواجب/ حبيب العمر/ معلش يا زهر/ شاطئ الغرام/ أمير الانتقام) ومعظمها من إنتاج آسيا، إذ يبدو أنهما كانا متفقين فكريًا وفنيًا. وقد تعاون أيضا مع فريد الأطرش ومحمد فوزي، إذ أخرج من إنتاج الأول عدة أفلام مثل (ماتقولش لحد/ لحن الخلود/ رسالة غرام/ ماليش غيرك)، وأخرج من إنتاج الثاني (ورد الغرام/ دايما معاك).

 

 

 

اللافت أن معظم هذه الأفلام تتكئ على فكرة اجتماعية واقعية، ولعل هذا ما يفسر غرام هنري بركات بإنجاز أفلام تحاكي الواقع الاجتماعي المعاش وتفخر بذلك في مقدمة فيلم (في بيتنا رجل) كما سنرى بعد قليل.

 

 

السياسي أم الوطني؟

لم يكن (في بيتنا رجل) أول أفلام بركات الذي تعالج قضية سياسية واضحة، بل كان الفيلم الثاني بعد (أمير الانتقام/ 1950)، أي أنه ظل زاهدًا 11 سنة كاملة في الاقتراب من دنيا الأفلام السياسية، إذ عرض (في بيتنا رجل) للمرة الأولى في 17 أبريل من عام 1961.

 

 

في اعتقادي أن الأجواء السياسية الصاخبة التي حدثت في مصر طوال هذه الأعوام هي التي دفعت بركات إلى عدم المغامرة، فآثر اجتناب الفيلم السياسي، فلما استقرت الأوضاع، ونجحت ثورة يوليو 1952 في تثبيت أركانها، قرر الرجل العودة إلى "بساتين" السياسة ممتطيًا جواد الواقعية الذي برع فيه وتفنن، فأنتج وأخرج (في بيتنا رجل).

 

 

في مقدمة هذا الفيلم نطالع هذه الفقرة بالنص: (أفلام بركات يشرفها أن تتقدم بواجب الشكر وعميق التقدير إلى السيد المحافظ ومدير بلدية القاهرة/ إدارة الشئون العامة بوزارة الداخلية/ إدارة جامعة القاهرة والمستشفيات/ هيئة الفتوة/ ضباط وجنود الشرطة/ مصلحة السياحة.. على ما بذلوه من جهد صادق وتعاون وثيق، ومن مساعدات فنية قيمة حققت للفيلم ما نفخر به من واقعية وروعة).

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى