نقد

في ذكراه أتذكر … نور الشريف الذي عرفته

محمد الروبي

عدت بنور مرة أخرى إلى جائزتي المفترضة، والتي كنت قد منحتها له عن دور «يوسف كمال» في «البحث عن سيد مرزوق» وأخبرته أن هناك دورا آخر مرشحا بقوة لهذه الجائزة، لكنه لن يحصل عليها لأسباب لا تخصه، لكنها تخص السيناريو وكذلك أسلوب المخرج في هذا الفيلم وهو دور «جعفر الراوي» في فيلم «قلب الليل»، سيناريو محسن زايد، عن رواية نجيب محفوظ، وإخراج الراحل القدير عاطف الطيب.

قلت له: قبل أن أسمع تعليقك.. دعني أسألك حول إحساسي بأن هذا الفيلم خارج عن سياق عالم عاطف الطيب، وإنني أراه جديرا بعوالم مخرجين آخرين أولهما داود عبد السيد والثاني هو سعيد مرزوق؟

أنصت نور باهتمام لملاحظاتي حول الفيلم خاصة فيما يتعلق بإحساسي بأنه ـ الفيلم ـ فقد الكثير من حالته «الحُلمية» أو الأسطورية في جزئه الثاني خاصة بعد لقاء “جعفر وهدى صديق” سليلة الأسرة الأرستقراطية، وصاحبة الصالون الثقافي.

كما أن الفيلم -هكذا رأيته- تردد بين أن يكون على مستوى الرواية العامرة بمستويات عدة للتفسير والقراءة وبين أن يحافظ على مستوى واحد يخص القراءة الاجتماعية للعصر الذي سجن نفسه فيه، وتحديدا بإصرار السيناريو على أن يجسد شخصيات حقيقية في الفيلم مثل «طه حسين وسلامة موسى وبيرم التونسي وكامل الشناوي» الأمر الذي أفسد المعني الفلسفي للفيلم، وهبط به إلى أرض واقعية غير جديرة به، كما أن هذا التحديد لهذه الشخصية جعلنا ندور في فلك البحث عن المرادف الواقعي لشخصية “جعفر”.

اتفق نور معي تماما في خطأ إقحام أسماء تاريخية في سياق العمل، بل أكد لي أن تلك تحديدا هي إحدى الملاحظات المهمة التي أخذها هو نفسه على السيناريو وأشار بها على السيناريست محسن زايد والمخرج عاطف الطيب.

في ضوء هذا الحديث سأكتشف أن نور أيضا قارئ مدقق لعوالم نجيب محفوظ السينمائية فها هو يتحدث أمامي باستفاضة عن رواية «قلب الليل» في علاقتها بروايات أخرى لمحفوظ، وها هو يتحدث عن البعد الفلسفي والأسطوري لشخصيات الرواية وأحداثها بفهم واع ومدرك لطبيعة الرحلة التي استهدف نجيب محفوظ أن يصحبنا عبرها لاكتشاف الذات والعالم والكون.

ها هو يقول: «لفت نظري في أدب أستاذنا نجيب محفوظ أن أسماء الشخصيات لديه ذات دلالة، وأنه في هذا العمل تحديدا لا يمكن إغفال معنى اسم الغجرية التي أحبها جعفر في البداية وهي «مروانة» أي مرة «امرأة» والـ«وانه» بمعنى ما تملكه من غريزة، كذلك ستجد اسم المرأة الأخرى التي سيتعرف عليها جعفر فيما بعد ويتزوجها وهي «هدى صديق» أي العقل والعلم.

وهكذا رأيت في جعفر الراوي أنه الإنسان الذي يتأرجح ما بين الغريزة والعقل، وأنه إذا تعامل مع الغريزة فقط سيخسر، وكذلك إذا تعامل مع العقل فقط، فالإنسان خلق ليكون ابن هذا المزج بين الغريزة والعقل.. ولعلك تلاحظ أن عنوان الرواية هو «قلب الليل «أي أشد لحظات الليل إظلاما، إنها اللحظة التي لا تستطيع أن ترى فيها شيئا، وعليك أن ترى ذاتك».

كنت أستمع إلى تفسير نور للرواية والأسماء وأنا منبهر بهذا التحليل، الذي أتفق معه في أجزاء وأختلف معه في أجزاء أخرى، لكني في الحالتين أحترم هذا الاستعداد وهذا الإعداد الصادق الذي يعدُّه ممثل لأداء دور.

وهنا لابد لنا أن نتذكر معا الفيلم لنرى من جديد تلك القدرة الفائقة على التدرج في الأداء بين «جعفر» في بداية حياته وهو في كنف جده، وبين جعفر في نهاية حياته، وبينهما مرحلة مغايرة مع «هدى صديق» وعالمها الخاص.

تدرج الأداء من البراءة الكاملة إلى التشكك، إلى امتلاك الوعي الزائف، إلى الإحباط باكتشاف زيف ما يمتلك، هي درجات من التغير النفسي والعقلي مع الحفاظ على ملامح أساسية للشخصية لا يستطيعها ممثل يعتمد فقط على موهبته، لكنها تحتاج إلى ممثل يعرف كيف يقرأ الشخصية بوعي في إطار قراءة واعية وأرحب للعمل ككل.

لا يبقى لي في النهاية إلا الاعتراف بأنه إذا كان الحديث عن نور الشريف هو نوع من المتعة الخاصة فإن المتعة الأكبر كانت في الحديث مع نور الشريف، فهو بحر من بحور العلم في تخصصه «الأداء التمثيلي» وبوابة كبيرة إلى عوالم إنسانية شاسعة، وروح نقية لم تفلح النجومية في أن تفسدها. وربما لذلك استحق نور الشريف كل هذا الحب الذي أحاطه به من عرفه عن قرب ومن لم يعــــرفه إلا عبر الشاشة.. كبيرة كانت أم صغيـــرة

مقطع من كتاب “نور الشريف … الباحث”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى