نقد

في صراعات The favourite  لا سُلطة على مملكة الأرانب

نوار عكاشه

إعادة اكتشاف تحريضي للعادي والمألوف وتقديمه بِصورة صادمة وغرائبية، استلال الأفكار من البديهيات وإعادة بلورتها بأسلوب حاد وقاسٍ، إنها التيمة السينمائية المميزة للمخرج اليوناني «يورغوس لانثيموس» (1973)، سينماه المقرونة بالشخصيات الدستوبية والمعالجات الإشكالية؛ ألمعت اسمه في السينما العالمية كأحد صُناع الفرادة والدهشة على الشاشة الكبيرة.

بإبداع متصاعد صنع لانثيموس أفلامه، وعلى قلة عددها؛ إلّا أنها كانت كفيلة بِجدليتها وتأثيرها وصنعتها لتحصيله إشادة عالمية كأحد أكثر المخرجين المعاصرين تميزاً، توجهه لِلغة الانكليزية والاستعانة بِنجوم عالميين في أفلامه الثلاثة الأخيرة سهل انتشارها عالمياً، كما تحصله على الجوائز والترشيحات من كُبرى المهرجانات العالمية.

يوسع لانثيموس مساحة سينماه بناءً وأسلوباً في أحدث أفلامه «The favourite»، فيلم (2018، 121د)، سيناريو «ديبورا ديفيس» و«توني مكنمارا»، يقترب من الوضوح والمباشرة، يتخلى عن عادته بالمشاركة في كتابة نص الفيلم ويكتفي بإخراجه، كما يتعامل وللمرة الأولى مع فئة الدراما التاريخية، لكنه يُحافظ على بصمته الخاصة بِمعالجة مفهوم السلطة وصراعاتها بِكوميديا سوداء، وتقديم القسوة البشرية والجنس بِتماس معها، لِيصنع بالمحصلة فيلماً مُختلفاً ومُستقطِباً تفوق جماهيرياً على أفلامه السابقة.

The favourite

تدور أحداث الفيلم في البلاط الملكي البريطاني أوائل القرن الثامن عشر إبان الحرب مع فرنسا، يُغيِّب لانثيموس مظاهر الجيوش والمعارك تماماً، ويستبدل معالجة ظلاميتها بِظلام النفوس، يقتحم ردهات القصر ويُعري شرور الملكية والحُكم؛ شهواتها الفكرية والجسدية ونوازعها المُتستِرة والتوائية أساليبها، عبر مثلث الصراع والهيمنة في علاقة ثلاث شخصيات نسائية تُشكل حكاية الفيلم.

الملكة الحاكمة «آن ستيوارت» (أوليفيا كولمان)، شخصية مرضية مضطربة، مُبررة بِحرمانها من الأمومة بعدما فقدت 17 طفلاً، استعاضت عنهم بتربية نفس العدد من الأرانب في غرفتها، طفولية في تصرفاتها وردود أفعالها، تبكي كالصغار وتلعب مع الحيوانات وتأكل بِشراهة…، شخصية ضعيفة، متقلبة، وغير مسؤولة، وغالباً غير آبهة بِسُلطتها الملكية، مما يجعلها غير قادرة على إدارة البلاد بالشكل الأمثل.

The favourite

لا نعلم إن كانت حالتها النفسية أم غريزة فطرية هي ما جمعها بِعلاقة حُب مثلية مع صديقة طفولتها «سارة تشرشل» (ريتشل وايز)، دوقة مالبورو التي تهتم بِشدة لأمور البلاد ومستقبلها على عكس ملكتها، مما يبقيها لصيقة بِها تُرشدُها وأحياناً تأمُرها بما يتوجب إصداره من قرارات ملكية.

تهتم بالملكة وتعتني بأسباب سعادتها وتحاول تخفيف وجعها حين تُعاني نوبات النقرس، تتأرجح في طريقة تعاملها مع الملكة بين المسايرة نتيجة حُبها الصادق بِوضوح لها والقسوة التي تتطلبها إدارة البلاد وصون المصلحة العامة والأمان في حالة الحرب.

تلك العلاقة العاطفية والجنسية المُستقرة بارتباط سرّي تبدأ بالاهتزاز مع وصول «أبيغيل هيل» (إيما ستون)، ابنة عم «سارة» من نسب غير لائق، قادمة من عائلة ارستقراطية فقدت احترامها بعد إفلاس الأب إثر مقامرات ومراهنات فاشلة كان آخرها بيع جسد ابنته لِثري ألماني، مما دفع «أبيغيل» بعد هذا التدهور للعمل كَخادمة في القصر الملكي.

The favourite

على خلفية الحرب مع فرنسا، والحرب داخل البرلمان بين حزب الأحرار برئاسة «غولدفين» وحزب المحافظين المعارض برئاسة «هارلي»؛ تلتهب الحرب تصاعدياً بين «سارة» و«أبيغيل» للحصول على تفضيل الملكة.

لم تتوقع «سارة» وهي تُعامل «أبيغيل» بِود ولطف وثقة؛ أنها ستكون أول ضحاياها بعدما صنعت منها قاتلة!، فالأخيرة المحافظة على السيدة في داخلها؛ أجادت التقاط الخيوط وعملت بِشجاعة ودهاء إلى اكتساب رضا الملكة وقربها مدفوعة بِرغبة جامحة لإعادة مكانتها.

شخصية الملكة المُهتزة وهشاشتها العاطفية؛ أوقعتها ضحية لعبتين مختلفتين في وسيلة المنافسة وغايتها، لعبة «سارة» تبدو أكثر إنسانية ومنطقية، على الأقل كانت دوماً صادقة معها ومخلصة لها، بالتوازي مع هاجسها بالوصول إلى وضع أمن ومستقر للبلاد، أما لعبة «أبيغيل» فهي المكائد والدسائس بِدهاء ومكر إلى حققت أهدافها بعد مراوغات وحيل ناجحة ونالت ما كانت تصبو إليه من مكانة وسلطة.

The favourite

يروي لانثيموس قصته عن شرور الرغبات وهوس السلطة بِمواربة حكائية للمثلية الجنسية، يبتعد بِها عن الأحكام الأخلاقية ويهتم بِتعاطيات البشر معها بين الحب والمصلحة، لِيعكس مدى تأثير الرغبات على السياسة، وكيف لِاهتزاز العلاقات وارتجاجها أن ينعكس تشوهاً في الوضع العام لِبلاد كاملة.

يُحاكي شرور النفوس دون أن يُخرجها من إطارها الإنساني، فالمبررات موجودة لِكل الشخصيات مهما اشتدت قسوة أفعالها، لها جراحها التي تدفعها لِهذه السلوكيات.

ملامح جديدة أضافها الفيلم لِسينما لانثيموس، فَعلى عكس أفلامه السابقة؛ الشخصيات هنا أكثر وضوحاً وعمقاً، اعتناء جاد بِخلفياتها وطبائعها ومبرراتها، حتى أنها طغت بِتركيباتها النفسية وتفاعلاتها على حبكة الفيلم، مع ترك مساحة للممثلين أمام الكاميرا لِطبيعية الأداء وحرية التعبير عن اختلاجات العواطف والجراح، فَكان الأداء مُبهراً بِصدقه وعفويته للممثلات الثلاث اللواتي برعن بِتقديم الشخصيات عبر لغة الجسد ودلالات العيون ونبرة الصوت، فَحصلن على أهم الترشيحات والجوائز المُستحقة عن فئة التمثيل النسوي.

The favourite

ومن الملامح التي ميزت الفيلم أيضاً؛ التقسيم الحكائي إلى 8 فصول acts  مُعنونة بإيحاءات غريبة خلقت نوعاً من الترقب لدى المُشاهد، تقسيم بِشكل أوبرالي يُوائم تلك المرحلة التاريخية التي شهدت نشأة وصعود فن الأوبرا، والربط بين هذه الفصول ومشاهدها بمونتاج مُحكم حافظ على إيقاع عالي وتشويق جاذب طوال الفيلم.

كما استخدامه للعدسات الواسعة لإعطاء إيحاء بحجم الفراغ الذي يحتوي تلك الشخصيات، تحديداً توظيفه لِعدسة عين السمكة fish eye lens  في عدة مشاهد، تلك العدسة تُقعر أطراف الصورة، فأظهرت الشخصيات بأطماعها ونزعاتها ضمن مساحة شاسعة رحبة، تائهة في الكادر في انعكاس لحالتها النفسية، مما يعطي المُشاهد إحساس الـ distortion وانطباعاً عن تشوه المنظور العام، فَتَمسّه الريبة من غرابة هذا العالم، لكن هذا الاستخدام رغم سلامة توظيفه؛ بدا غير ملائم لِفيلم دراما تاريخية ومُشتتاً للانسجام البصري المرافق لهذه النوعية.

أما الإضاءة؛ فَيحافظ المخرج على عادته بالاعتماد على الإضاءة الطبيعية (ضوء الشمس في النهار والشموع ليلاً)، النهار الشتائي بِتقلبات درجات ضوئه يُشبه شخصيات الفيلم والمكان، كما يشبهها ضوء الشموع في الليل، بِكأبتها ومراوغاتها المخفية.

The favourite

بِصورة صادمة يُنهي لانثيموس فيلمه، طابع جنائزي يطغى على الختام، لا سُلطة على مملكة الأرانب، والكل خاسر في هذه الحرب، «سارة» هي الأقل تضرراً رغم نفيها الظالم، المشهد الختامي و«أبيغيل» بين قدمي «آن» بِوضعية الخضوع الجنسي؛ آسر بِعبقرية إيحاءاته وقطعه المونتاجي بين وجه «آن» المُتعب الكئيب بعد إدراك خسارتها للحب الصادق، والرعب البادي على وجه «أبيغيل» بِصدمتها وعينيها المشدوهتين لاكتشافها أنها لاتزال خادمة مُستعبدة حتى ولو أصبحت المُفضلة، تغيب الوجوه تدريجياً لِتحتل الأرانب الشاشة، رمزيتها للموتى تأخذنا إلى مراسم عزاء للإنسانية.

يستثمر لانثيموس زمن فيلمه حتى تتر النهاية، أغنية «Skyline pigeon» بِصوت «إلتون جون»؛ تُعبِر ببلاغة فائقة عن حالة ملكة مُقيدة تروم التحرر والتحليق كَالحمامة بعيداً عن عرشٍ تتصارع عليه الشرور.

لقي الفيلم حفاوة كبيرة ومستحقة نقدياً وجماهيرياً، واستأثر بِعدد وافر من الترشيحات والجوائز، كان لِبطلته «أوليفا كولمان» نصيب دائم منها، ابتداءً من ترشيحات جوائز مهرجان فينيسيا (75) وحصده جائزة أفضل ممثلة، ثم ترشيحات الغولدن غلوب (76) وحصده أيضاً جائزة أفضل ممثلة في فيلم كوميدي أو موسيقي، كما لاقى 12 ترشيحاً لِجوائز البافتا (72) حصد 7 منها، إلى 10 ترشيحات لِجوائز الأوسكار (91) حصد منها جائزة أفضل ممثلة دور أول.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى