نقد

«فَقدتُ جسدي» رحلة شاعرية بين الواقع والفنتازيا

 

نوار عكاشه

 

هل يمكننا تغيير أقدارنا حقاً أم أنَّ ظننا هذا مجرد وهم؟ وما تُسمى طُرقاً مُحددة لنا مُسبقاً؛ هل باستطاعتنا التحويل عنها في مسار حيواتنا أو أنّ الأمر مستحيل؟

يطرح فيلم التحريك «فقدتُ جسدي» (2019، 81د) هذا السؤال الوجودي، وهو الفيلم الطويل الأول لِمُخرجه الفرنسي «جيرمي كلابين» (1974) وكتب السيناريو له بِالشراكة مع «غيوم لورانت» عن رواية للأخير بِعنوان «يد سعيدة» صدرت عام 2006، سؤال مُؤرِق، لاسيما لِمَن أشقته الحياة بِقسوة، وبَدلَت أحلامه اللامحدودة لِواقع مقيت.
 

 

 

 

رحلة شاعرية بين الدراما والفنتازيا

 

بِشاعرية ممزوجة بالبوح؛ يأخذنا الفيلم في رحلة بحث عن الذات عبر قصة حُب تجمع الشاب "نوفل" أداء صوتي: حكيم فارس، و"غابرييل" أداء صوتي: فكتوريا دو بوا، قصة بدأت بِمُصادفة صوتية جاءت كَالإلهام لِحثّ "نوفل" على تغيير قدره، تعقدت أكثر من اللازم؛ لكنها نجحت في قلب الاستكانة والتسليم لِصالح الانطلاق للأمام راميةً الوحدة والفقدان والانكسار وراءها.

على الجهة الأُخرى من المدينة يد مقطوعة، هي يد "نوفل" التي نتتبع هروبها من ثلاجة المشرحة وزحفها بِاتجاه رافعة بناء، نكتشف لاحقاً أنّها تحاول الوصول لِجسدها حيث تنتمي.

هكذا جمع "كلابين" في فيلمه التحريكي بين الدراما والفنتازيا مُقدماً حكاية إنسانية تثور على الخوف وتنتصر للأحلام.

 

 

يقوم الشريط على عدة أزمنة سردية لِيُشكِل سرده السينمائي الخاص، يتنقل بِأناقة في إطار زمني سردي بِاستمرار إلى الأمام والخلف في عدة مراحل عمرية لِبطله مع مناورات لونية ديناميكية، يبتدأ بِالماضي القريب ويتنقل زمانياً ليقف في الدقيقة (65) لِيتابع بالحاضر التام حتّى نهاية الشريط مع استعراض ومضات من الماضي.

البداية مع "نوفل" ويده المقطوعة مرميين على الأرض، لا نعلم ما حدث حتّى وقت لاحق من الشريط.

 

 

في المشهد التالي نرى "نوفل" طفلاً مع والديه، يسأل والده عن كيفية الإمساك بِذبابة، فَيأتيه الجواب بِأن عليه الهجوم عليها بِيده من الجانب على عكس توقعاتها فَهي تستشعر الخطر وعليه مفاجأتها، وإن لم ينجح؛ فَعليه تكرار المحاولة.

 

بِتلك الافتتاحية يُقدم "كلابين" فكرة فيلمه، فَالأقدار كَتلك الذبابة، حذرة ونبيهة، لا يُمكن التغلب على حُكمها إلّا بِفعل مُفاجِئ وغير متوقع، وبِصبر وإصرار عنيد.

 

 

الطفل "نوفل" حالم ومُتعدد الأهداف، تلك النوعية من البشر هي الأكثر إغراءً للقدر كي يصدمها، وهو ما نتابعه في تغير ظروف الطفل حتى مرحلة الشباب، شاء القدر أن يمتهن من حَلُم أن يصبح (رائد فضاء وعازف بيانو) مهنة (عامل توصيل البيتزا) في مفارقة غريبة تُصيبه بِالإحباط والحزن وتُجبره على التخلي.

 

تجمعه الصدفة بِصوت شابة تهتم لأمره وتُحادثه، هي "غابرييل" التّي يعجب بِها حتّى قبل رؤيتها، يعتقد أنّها ألهمته كي يُغير حياته البائسة المحددة بِعمل لا يناسبه وسكن بِرفقة أقرباء فوضويين، يتتبعها ويتعرف بِها وينتقل للعمل في ورشة نِجارة لدى عمها المريض "جيجي" أداء صوتي: باتريك داسومكاو، كي يبقى على تواصل معها، يُخفي حقيقة إعجابه وغايته من العمل، مع أنّ الأمر لا يحتاج لذاك التعقيد، لكن ضعفاً في شخصيته مرده إحباط الحياة لهُ؛ توجه بِه لِتلك اللعبة، وهو ما أثار استياء "غابرييل" حين صارحها بالحقيقة.

 

 

بالتزامن مع حكاية الحبّ، نتابع رحلة يد "نوفل" المبتورة وهي تجتاز العوائق والمفاجآت بِإصرار كي تصل إلى جسده، يرتفع الأدرنالين بِتتبع تلك الرحلة بين الأسطح والأسلاك والمترو

هي رحلة خيالية الطرح تُعالج فكرة (الانتماء) بين عودة للجسد وذكريات الماضي، فَاليد جزء من الجسد، ليس مجرد ارتباط عضوي، بل عاطفي أيضاً، فَهي رفيقة الذكريات وأداة لِلاستكشاف، ترفض الابتعاد عنه كما يرفض المرء الابتعاد عن موطنه، وحين تعود إليه تبقى معه وإن رفض أو استحال إعادة التصاقها بِه.

 

 

أجسادنا تتكلم وأيدينا تعرف أسرارنا

 

حكاية مؤثرة يُقدمها «فَقدتُ جسدي» تَصلح لِفيلم روائي (تمثيلي) مع الاستعانة ببرامج رقمية تُحقق صورة صادقة لِحركة يد مقطوعة، لكن "كلابين" يُقدمها بِنوعية الأفلام (التحريكية) بعد 5 أفلام تحريك قصيرة في مسيرته، يبدو شغفه بِهذه النوعية سبب اعتماده لها في هذا الفيلم أيضاً، لكن ما يُميزه هنا تقنياً هو قدرته على خلق حالة شعورية جذابة للغة الجسد.

 

أجسادنا تتكلم بِأدواتها البشرية، لكن من الصعب إسقاط تلك اللغة ببراعة على فيلم أنيميشن كما فعل فريق عمل الفيلم، أيدينا تعرف أسرارنا، تعرف ذكرياتنا وما اختبرنا وما أنجزنا، لكن تلك المعرفة لطالما ارتبطت بالعيون، لِنجد في الشريط أنّ الأيدي أيضاً تعرف وتستطيع التعبير، إنّه سحر اليد وذاكرة حاسة اللمس، تتحرك وتتبدل تبعاً لحالات حسيّة مرتبطة بالموقف، وتجعلنا مراقبين لها ومتعاطفين معها.

 

ذلك ما ميّز الشريط حتّى نكاد نجزم أنّه من المستحيل الإيتاء بِذاك الدفق الشعوري في حالة تقديمه بِغير نوعية سينمائية.

 

 

ذبابة تصنع أقداراً

 

يتكرر ظهور الذبابة في الشريط، حشرة مزعجة وضئيلة الحجم، لكنها مؤثرة بِقوة وقادرة أن تغير الأحوال وتُحقق أقداراً مريبة!

سواء اتفقنا أو اختلفنا في آراءنا حول مفهوم (القدر)، إلّا أنّنا نؤمن جميعاً كَبشر بِأنّ التفاعلات الكونية تُؤثِر وتخلق بِأفعالها وقائعاً مفاجئة لا قدرة لنا على تغييرها، والذبابة في الشريط مثال على ذلك، فَهي على صغرها وضعفها؛ بدلَت أحوالاً بِشكل صادم، أودت بِحياة والدي "نوفل" فَحولت عيشه ومستقبله إلى مأساة، كما تسببت بِقطع يده فَفقد جزءاً لطالما رافقه وأمسى بعده أكثر عجزاً من الناحية العضوية على الأقل.

 

لكنها أيضاً أيقظت يده المقطوعة من سُكونها عدة مرات كي تمضي بِطريقها، وكأنها تطالب بِاستكمال الصراع في لعبة القدر العجيبة.

 

نجاح غير تقليدي

 

لاقى «فَقدتُ جسدي» استحساناً عالمياً وحقق نجاحاً غير تقليدي لِنوعية أفلام الأنيميشن التي تغلب عليها قصص خيالية عن مغامرات الممالك والغابات والعائلات… وغيرها.

 

فَاستطاع بِقصته وصنعته التأثير فكرياً وعاطفياً بِالمُشاهد مُطلقاً أسئلته للإنسان داخلنا، وساهمت موسيقا «دان ليفي» بِشكل كبير بِهذا التأثير، موسيقا عذبة بين السوداوية والبهجة رافقت الشريط، كما استطاع المونتير «بنيامين مسوبر» خلق توليفة فيلمية جذابة عن مادة يُمكن وصفها بالسهل الممتنع، فضلاً عن سحر هذا المزيج اللوني، بين مشاهد بِالأبيض والأسود حيناً والألوان حيناً آخر.

 

وقد نال الفيلم نصيبه الوافر من الجوائز العالمية وأهمها الجائزة الكبرى في قسم (أسبوع النقاد الدولي) ضمن الدورة 72 من مهرجان كانّ السينمائي 2019، وأكثر من 22 جائزة من مهرجانات سينمائية دولية، كما نافس ضمن القائمة القصيرة للأوسكار عن فئة أفضل فيلم أنيميشن طويل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى