نقد

“كولونيا”.. معركة جروح لا يعترف بعضها ببعض بين الأب والابن


رانيا الزاهد

يقدّم المخرج محمد صيام في أول أفلامه الروائية الطويلة، كولونيا، دراما عائلية تراهن على الاقتصاد السردي والتكثيف النفسي بدل الحبكة التقليدية. في عرضه العربي الأول ضمن الدورة الثامنة لمهرجان الجونة السينمائي، بدا الفيلم كعمل واعٍ بحدوده، صادق في نواياه، لكنه في الوقت نفسه غير محصّن من اختيارات درامية وأدائية تستحق التوقف عندها.

الفيلم، الذي يقوم على مواجهة واحدة تقريبًا بين أب وابنه داخل فضاء مكاني مغلق، لا يسعى إلى المصالحة بقدر ما يسعى إلى تفكيك العلاقة الأبوية بوصفها بنية سلطة فقدت أدواتها مع الزمن.

يختار محمد صيام أن يحصر زمن فيلمه الروائي الاول في ليلة واحدة، عشية عيد الأضحى، داخل شقة في أحياء الإسكندرية القديمة، تبدو كأنها خارج الزمن. يعود الأب إلى منزله بعد غيبوبة استمرت ستة أشهر، ليواجه واقعًا لم يستعد له: ابن أصغر صار غريبًا عنه، وبيت لم يعد يشعر بأنه ينتمي إليه. الابن فاروق، الذي يؤديه أحمد مالك، لا ينتظر لحظة عاطفية للقاء ولا يمتلك رفاهية الترحيب.

العلاقة بينه وبين الأب محمّلة بتاريخ طويل من القسوة، الغياب، والأخطاء التي لم تُسمَّ يومًا بأسمائها. ومع تقدّم الليل، يتحول الحوار المتحفظ إلى مواجهة نفسية بطيئة، تنكشف خلالها طبقات من الألم المكبوت والخيبات المتراكمة.

بعد وفاة الأم، انسحب فاروق، الذي كان شابًا واعدًا، من كلية الصيدلة، وانغلق على نفسه، وبدأ في تعاطي المخدرات، بل حاول الانتحار. صُبّ غضب فاروق وإحباطه وحزنه على فقدان والدته في مواجهة مباشرة مع الأب، الذي يحمّله مسؤولية ضياع حياته، ويتهمه بسوء إدارة متجر الصيد البحري الذي أوكله له، وتحويله لمكان لترويج المخدرات، بالإضافة إلى علاقته بفتاة وصفها بفظاظة بأنها “عاهرة”.

في صباح اليوم التالي، يُعثر على الأب ميتًا. عندها، يعيد الفيلم شريط الزمن إلى الوراء ليكشف ما جرى خلال الأربعٍ والعشرين ساعة السابقة. تتكشف الأحداث، في معظمها داخل غرف البيت القديم، على نحو يُشبه العرض المسرحي، في مبارزة نفسية بين أب وابنه، استحق احمد مالك عن أدائه لها جائزة أفضل ممثل من مهرجان الجونة.

فيلم كولونيا
فيلم كولونيا

هذه المواجهة تخللها استطرادات قصيرة يخرج خلالها فاروق للقاء “زبائنه” أو حبيبته سارة (ميان السيد)، قبل أن يصل الفيلم إلى ذروته في رحلة ليلية بالسيارة عبر المدينة، يصطدم خلالها الطرفان بصورة أكثر عنفًا. خلال هذه الرحلة، تطفو على السطح ذكريات صادمة، وتُطلق اتهامات بالأبوّة الغائبة والعنف الأسري، وتُكشف أسرار قديمة ظلت مطمورة لسنوات.

يُظهر محمد صيام الذي درس السينما في القاهرة وباريس ونيويورك، وحصل على منح دولية من معهد صاندانس، والمركز الوطني للسينما الفرنسي (CNC)، ومؤسسة الدوحة للأفلام (DFI)، وبرنامج Final Cut في فينيسيا، مهارة لافتة في تشكيل الفضاء السينمائي، مع اعتماد حركة كاميرا محدودة، واختيارات إخراجية دقيقة، وحساسية عالية في توجيه بطليه.

ليلة واحدة… وسنوات من الكتمان

يحصر صيام زمن الفيلم في ليلة واحدة، عشية عيد الأضحى؛ ليلة لها دلالة في الوعي الجمعي العربي، مرتبطة بالذبح والقرابين، ما يمنح العمل طبقة دلالية إضافية. أما المكان —شقة قديمة خارج الزمن— فهو أكثر من مجرد فضاء مغلق: إنه مسرح العلاقة الممزقة، وشاهد على تاريخ لم يواجهه أحد.

منذ عودة الأب من غيبوبة استمرت ستة أشهر، يبدو واضحًا أن الفيلم لا يسعى لترميم العلاقات، بل لفضح بنية السلطة التي انهارت منذ زمن. الأب يعود بلا أدواته: ابن غريب، بيت لم يعد بيته، وماضٍ لا يريد أحد استحضاره. هنا يكشف صيام عن حساسية درامية ناضجة: الأب ليس رمز القوة، بل رمز الهشاشة.

فيلم كولونيا
فيلم كولونيا

يقدّم أحمد مالك أحد أكثر أدواره نضجًا، أداء يُبنى من الصمت والنظرات، لا من الانفجارات الانفعالية. عيناه تحملان التوتر المزدوج: حزن الأم المفقودة وغضب الأب الحاضر/الغائب. لا يتوسّل التعاطف؛ يفرضه، وهو ما جعل فوزه بجائزة أفضل ممثل في الجونة نتيجة منطقية لا مفاجأة.

أما كامل الباشا، فعلى الرغم من جديته، يرتكب خطأً كبيرًا في الاندماج باللهجة المصرية، ما يفقد الشخصية جزءًا كبيرًا من مصداقيتها داخل البيئة السكندرية. يبدو الأداء أحيانًا مفصولًا عن المكان، وتتحول بعض الجمل إلى تمثيل صريح لا ينسجم مع حساسية الفيلم الواقعية. عدم التجذّر اللغوي أدى إلى عدم تجذر درامي.

الأحداث لا تقوم على مفاجآت درامية تقليدية، بل على تفكيك تدريجي للعلاقة: كل جملة تحمل ما لم يُقَل، وكل صمت يفضح أكثر مما يُخفي. يتقاطع الماضي مع الحاضر دون “فلاش باك” مباشرة، بل عبر نظرات وذكريات عالقة في الهواء، تجعل المشاهد شريكًا في بناء المعنى. بهذا الاختيار، ينجح الفيلم في تحويل التفاصيل اليومية البسيطة مثل إعداد الطعام، الجلوس في غرفة المعيشة، انتظار الفجر، إلى أفعال مشحونة بالرمزية، حيث يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث؟ بل: لماذا لم يحدث الاعتراف في وقته؟

على المستوى البصري، يقدّم الفيلم واحدًا من أكثر الأعمال المصرية حديثًا تماسكًا وسلاسة. مدير التصوير عمر أبو دوما يستخدم إضاءة خافتة ودافئة تلتصق بوجوه الشخصيات، كأن الكاميرا تبحث عمّا لم يُقل. الديكور بألوانه الباهتة وأثاثه المُنهك لا يؤدي وظيفة خلفية فقط، بل يصبح شاهدًا على زمن متوقف، وعاطفة صدئة. كل تفصيله مثل مرآة غير صافية، ساعة معطلة، ستائر مغلقة او زجاج مموه تعمل على تعميق البعد النفسي للشخصيات. الصورة لا تشرح، بل تقترح، ولا تتزين، بل تكتفي بصدقها.

فيلم كولونيا
فيلم كولونيا

الأداء في “كولونيا”: حالة خاصة

الحديث عن الأداء في “كولونيا” له وضع أخر، لم يكن فوز أحمد مالك بجائزة أفضل ممثل سوى اعتراف مستحق بأداء يُعد من الأكثر نضجًا وصدقًا في مسيرته. في هذا الفيلم، يصل أحمد مالك إلى مرحلة مختلفة في رحلته كممثل. أداء لا يعتمد على الاستعراض أو الانفجار، بل هدوء يفضح عمق جرحه وكانت عينيه وحدهما تحملان ثقل الشخصية: شاب غاضب، متعب، ومكسور دون أن يسمح لنفسه بالانكسار الكامل.

مالك هنا لا يمثل الألم، بل يتركه يتسلل تدريجيًا من خلال الأداء، فهو لا يطلب تعاطفًا، بل يفرضه بصمته. وربما هنا تحديدًا تكمن قيمة أدائه وقدرته على جعل المشاهد شريكًا في الوجع، لا متفرجًا عليه. فوزه في الجونة لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لأداء يؤكد نضجًا حقيقيًا وخيارًا واعيًا بالابتعاد عن السهل والمألوف.

على الجانب الآخر، يظل أداء كامل الباشا هو النقطة الأضعف في الفيلم، لا بسبب غياب الموهبة أو الخبرة، بل بسبب اختيارات لم تُحسن خدمة الشخصية. اللهجة المصرية جاءت غير سليمة في أكثر من موضع، وأثّرت بشكل مباشر على مصداقية الأب داخل البيت السكندري. الجمل بدت أحيانًا مصطنعة، والإيقاع غير طبيعي، ما خلق مسافة واضحة بين الشخصية والمكان. محاولات الباشا في التعبير الجسدي والنظرات واضحة وصادقة، لكن افتعال بعض الانفعالات، إلى جانب عائق اللهجة، أفقد الأداء عمقه.

إقحام لا ضرورة له: حين تخون الفكرة نسيج الفيلم

من أكثر ما يثير الجدل في “كولونيا” هو مشهد فتاة الليل التي يقابلها مالك في السيارة لنكتشف من خلال حديث ركيك أنها متحولة جنسيًا وكانت صديق له في الماضي.  المشكلة هنا ليست في الموضوع بحد ذاته، بل في غياب مبرره الدرامي. فالمشهد لا يضيف بعدًا نفسيًا للشخصيات، ولا يخدم تطور السرد، بل يقطع الإيقاع ويضع فكرة خارج نسيج الفيلم. في عمل يتكئ على الواقعية الهادئة والبناء النفسي الدقيق، بدا هذا الإقحام وكأنه استعارة جاهزة، لا نابعة من قلب الحكاية، بل مفروضة عليها، ما أضعف وحدة التجربة بدل أن يُثريها.

لكن رحلة “كولونيا” من Final Cut in Venice حيث حصد خمس جوائز، إلى عرضه في مهرجان الجونة، تؤكد أن الفيلم رغم هذا الاقحام ينتمي بوضوح إلى السينما التي تفضّل العمق على الانتشار، والصدق على الصخب. إنتاج محمد حفظي، وحساسية محمد صيام الإخراجية، يقدّمان عملًا متماسكًا، ذكيًا، ومشحونًا بالمشاعر دون ابتزاز.

في “كولونيا”، لا تتحقق المصالحة، ولا تُلتئم الجراح، وهذا ما يمنح العمل صدقه النفسي. الفيلم لا يعرض حكاية عن التصالح، بقدر ما يضع المشاهد داخل مأزق أخلاقي وعاطفي لا يمنحه مخرجًا مريحًا. فهو يختبر قدرة السينما على تعرية العلاقات الأبوية دون تجميل، ويكشف هشاشة السلطة الأبوية حين تُسحب منها اللغة، وحين يتحوّل البيت من مساحة أمان إلى ساحة محاسبة متأخرة لا تشفي، لكنها تفتح نافذة للغفران.

“كولونيا” فيلم صغير في بنيته، ثقيل في طروحاته، جاد في سعيه لتقديم دراما غير تصالحية. ينجح في بناء عالم نفسي خانق مدعوم بأداء متميز من أحمد مالك وبصورة واعية بذاتها، لكنه يتعثر عند مفاصل حاسمة تتعلق بالأداء وبالاختيارات السردية. هو عمل يستحق النقاش أكثر مما يستحق الإجماع، ويؤكد أن السينما الصادقة لا تُقاس بنجاحها فقط، بل بقدرتها على إثارة الأسئلة… حتى حين تترك بعضها بلا إجابة.

فيلم كولونيا
فيلم كولونيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى