نقد

لؤلؤ الهندية وتحابيش الفرجة

عماد النويري

نهاية مجدي المحزنة لا تمثل الخطيئة الأولى، ولا العيب الأول في البناء الحكائي الذي وصلنا عبر الحلقات الأربعين لمسلسل (لؤلؤ) الذي انتهت حلقاته منذ أيام.

لكن قبل التعرض للخطايا والعيوب من المهم الاعتراف والإشارة إلى أن المسلسل حقق نسبه مشاهدة عالية مع التحفظ تماما على الإحصاءات، الأعداد، والنسب التي تمت الإشارة إليها فيما نشر من أخبار.

ولابد أيضا من الاعتراف أن هناك الكثير من عوامل الجذب التي ربما استحوذت على انتباه من تابع المسلسل بشغف، أو حتى بنصف شغف. مثلا هناك الأغاني والاستعراضات المبهرة التي قدمتها لؤلؤ بمصاحبه كلمات، وألحان، وحركات، وملابس مثيرة، وهي قريبة إلى عيون وأذان قطاع كبير من المشاهدين.

لؤلؤ 1

رحلة صعود

وهناك رحلة صعود بطلة من القاع إلى القمة، وهذا يستهوي كل الحالمين بالصعود حتى لو كانت قصة الصعود تعتمد على الصدفة. صدفة لقاء رجل الأعمال طارق نصار “جسد احمد زاهر الشخصية باقتدار وان كرر بعض لزمات شخصية فتحي”، وصدفة لقاء ملحن ومنتج موسيقى مغمور يعطى الفرصة الأولى للغناء.

وهناك صراعات نسائية كانت دافعا لمتابعة شيقة من قبل النساء داخل البيوت وخارجها (صراع لؤلؤ مع كاميليا، وصراع لؤلؤ مع نهال مساعدة طارق نصار وأم ابنته، ثم صراع لؤلؤ مع داليا زوجة طارق) ولعل الصراع الأهم الذي استحوذ على انتباه قطاع كبير من الشباب والشابات هو حكاية لؤلؤ وبودى (بدر)، ثم صراع لؤلؤ مع مروة بعد اكتشاف خيانتها.

وهناك أيضا أسلوب التشويق الذي اتبعه كاتب السيناريو منذ البداية حيث بدأ الأحداث بمحاولة قتل البطلة، وما أعقب ذلك من تفريعات وحبكات فرعية في الأحداث ساعدت كثيرا على جذب الانتباه منها حكاية أم لؤلؤ وزوجها، حكاية بودي مع مروة، وحكاية طارق مع نهال.

لؤلؤ 7

وهناك أيضا تلك التيمات والثنائيات الدرامية المحببة عند المشاهد العربي بشكل عام مثل الغرام والانتقام، الخيانة والتسامح، الحب والكره، والحب والتضحية، وكل ذلك في صيغ حكائية عصرية تدفع الأحداث تجاه واقع رجال الأعمال بكل أمراضه وصراعاته وأطماعه وأخلاقياته، وواقع الشباب بكل مشاكله وأحلامه البسيطة وما يجرى فيه من جرائم مواقع التواصل.

ويعنى ذلك كله أن المسلسل قدم على مائدة الفرجة كل ما يمكن تقديمه من أطباق لتلائم كل الأعمار والأذواق. لكن لم تكن كل الأطباق على المستوى المأمول من الجودة سواء بالنسبة للبناء الدرامي للمسلسل، أو بالنسبة لبناء الشخصيات وحتى طريقة حكاية الحكاية!!

لؤلؤ5

قانون الصدفة

قد نتجاوز بناء الأحداث كلها عن طريق صدفة لقاء طارق نصار بلؤلؤ في إشارة مرور فمن الممكن أن يحدث هذا أحيانا في الحياة فالكثير من حوادث الحياة مبنية على الصدفة وأكثر من نصف الأفلام المصرية القديمة، وثلاثة أرباع الأفلام الهندية مبنية على الصدفة لكن كان من المهم الابتعاد ولو قليلا من الصدفة الثانية التي جعلت اكتشاف صوت لؤلؤ وموهبتها يتم أيضا عن طريق الصدفة، وكان من الأفضل طبعا لو تم الاهتمام أكثر بتأسيس شخصية لؤلؤ بشكل مقنع.

طبعا من المقبول أن تصعد بعض المواهب سلم الشهرة والمجد بسرعة الصواريخ، لكن لؤلؤ التي تربت في الملاجئ لا نرى لها أي ملامح تدل على عظمة إبداعاتها وعبقريتها الفنية، التي تجعلها تصعد سلم الشهرة وتتربع على القمة في بضع سنوات قليلة، لتبدأ في توزيع الملايين على صديقاتها وأقربائها.

لؤلؤ2

فلم نعرف مثلا أنها التحقت بمعهد فني لدراسة الغناء والموسيقى ولم نر في بداياتها أحد أساتذة الموسيقى وهو يثنى على هذه الموهبة الرهيبة!! ثم حكاية الاتفاق مع مجدي كي يحاول قتلها لاكتشاف من يعاديها لم تكن منطقية ابدأ.

ثم بعد ذلك حكاية تلفيق التهمة لأبيها لإعدامه شنقا، والسعي لقتل مروة على يد بدر، كل ذلك يلقى بظلال سوداء على شخصية درامية نتوحد معها أحيانا ونطلب منها أن تحمل قدرا من التسامح مهما كانت قساوة الواقع، ومهما كانت خيانة الأصدقاء والأقرباء، وقد يكون ذلك من بعض الأسباب التي جعلت الكثير منا لا يتعاطف كثيرا مع هذه اللؤلؤة الثمينة!

محاسبة الشرير

في القرن الثامن عشر عندما ظهرت ما يسمى بالكلاسيكية الجديدة كمنهج أدبي ونقدي وكمدرسة فنية كان لها تأثيراتها على كل أشكال الفنون ظهر ما سمى بالعدالة الشعرية بمعنى أن الحياة إذا كانت عاجزة عن محاسبة الشرير، وإذا أفلت من العقاب في الواقع فلا يجب أن يفلت من العقاب في الفن.

لؤلؤ3

نعم بمرور الوقت ظهرت مدارس ومناهج وبناءات درامية مغايرة لكن استمر الحال على أن يتم معاقبة الأشرار على أفعالهم الشريرة ومكافئة الأخيار على أعمالهم الخيرة، ولم يحدث ذلك في مسلسل لؤلؤ لأسباب لا يعلمها إلا الكاتب.

مثلا أرى فيما أرى أن طارق نصار كان هو الأولى أن يعاقب بالدخول إلى السجن بدلا من أم ابنته نهال وربما زوجته داليا. فهو لمدة طويلة كان متهربا من تحمل المسؤولية نحو ابنته من خلال رفض الاعتراف بها لسنوات طويلة، رغم انه مشارك رئيسي في فعل إنجابها. وهو أيضا الذي خان زوجته بان أقام علاقة مع لؤلؤ وزوجته على ذمته.

وإذا اعتبرنا انه لا يحبها فكان من اللائق كرجل جنتلمان ومتحضر أن يطلقها لكن دفعته أنانيته أن يتركها لتربى ابنه مالك. وفى اغلب الوقت ظهر طارق نصار كشخصية انتهازية ونموذج للذكر العربي صاحب الأنا المتضخمة والمصاب بمرض الازدواجية الكريهة وهو يتعامل مع زوجته بالضرب والتحقير كلما تسنى له ذلك ولا نبرر للاثنتين أبدا الشروع في قتل طارق ولؤلؤ.

خيانة

وأرى فيما أرى أن عقاب مروة بالقتل مقابل خيانتها لصديقتها لؤلؤ كان مبالغا فيه أيضا لان لؤلؤ نفسها قامت بخيانة طارق مع بدر وهي على ذمته، ولم تملك الشجاعة للإعلان عن حبها لبدر قبل أن ترتبط به للمرة الثانية. ثم النهاية المرسومة لمجدي ويبدو أن كاتب السيناريو احتار في إيجاد نهاية مناسبه فهدته قريحته بدفع مجدي لقتل بدر ثم إلقاء خطبة أخلاقية عن الحب في حضور لؤلؤ قبل المشهد الختامي مع كل احترامنا للحب كقيمة ومعنى.

لؤلؤ4

على الطريقة الأميركية كانت لؤلؤ التي جسدتها مي عمر بطريقة لافتة، هي المسكينة والضحية والنجمة والإنسانة والطيبة والقاضية والجلاد وكل ما حولها إما أن يقتل أو يدخل السجن أو على اقل تقدير يختفي من الأحداث وتبقى البطلة السوبر التي لا تهزم أبدا.

وعلى الطريقة الهندية كانت لؤلؤ هي البطلة (الفاجعة) والمتسببة للفواجع لكل من حولها في إطار من (البهرجة) و(الأثارة) و(الأكشن) لزوم تقديم التحابيش التي ترضى المتفرج حتى لوكان هناك قدر لا بأس به من الحوارات والمشاهد المكررة، دون ضرورات درامية مطلوبة، وقدر لا بأس به من الرسائل المغلوطة.

لؤلؤ6

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى