نقد

لابد إنها الجنة.. ما أضيقَ الرحلة.. ما أكبَرَ الفكرة

 

علي الضو

 

قال المخرج والفنان الفرنسي الرائد "جان كوكتو" في خضم حديثه عن صديقه "تشارلي شابلن": (عندما أشاهد أفلام شارلي القديمة لا أضحك بالطريقة نفسها، أنا أفكر في كافكا).

 

بنفس تلك الكلمات البسيطة يمكن أن نصف التجربة السينمائية للمخرج الفلسطيني "إيليا سليمان" وعلى قمتها فيلمه الأخير "لابد إنها الجنة" والذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي والحاصل على جائزة النقاد بمهرجان كان 2019.

 

لو تتبعنا أثار إيليا سليمان في عالم السينما منذ أولي أعماله الطويلة "سجل اختفاء 1996" مروراً بـ"يد إلهية 2002" و"الزمن الباقي 2009” ووصلاً لأخر أعماله يمكن أن نري العديد من الملامح المشتركة الواضحة بين أعماله الأربعة الطويلة والتي تشكل بصمته الإبداعية.

ضحكات صامتة:

بالنظر إلى تجربة إيليا سليمان عبر ذات المنظار الذي أطل منه كوكتو على تجربة تشابلن يمكن أن نري أحد أهم الملامح المميزة لتلك التجربة والتي تجعلنا ندرك مدي العمق والتعقيد الذي تحمله هذه التجربة تحت قناع البساطة التي ترتديه، فأفلام سليمان المبنية على مجموعة من المفارقات التي ترتكز على كوميديا الموقف والتعبير المرئي الذي ينحي الحوار جانباً نري فيها تشاؤمية دفينة مخفية تحت عبثية ومرح الموقف.

 

عند سليمان الضحك نبتة تنبع من قلب المأساة والمأساة عنده ذات مستويات متعددة يقبع على رأسها التراجيديا الفلسطينية بكل ما تحمله من تفاصيل وتعقيدات، يركز إيليا في تناوله على الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني ويحاول الابتعاد بشتى السبل عن الأحداث الكبرى ويسلط اهتمامه على الأحداث الصغرى اليومية الروتينية وتأثرها المباشر وغير المباشر بالصراع بالقضية الفلسطينية.

 

يجد إيليا في تجربته الشخصية البوابة الأنسب للدخول إلى عالم الفلسطينيين بعيداً عن الخطابية والتنميط، فهو أبن أسرة خاضت تجربة النكبة والحياة داخل بيئة معادية –ينتمي إيليا سليمان إلي عرب 48- وخاض بذاته تجربة البعد عن الوطن ثم العودة إليه مما يجعل من تجربته مثالاً نموذجياً للحياة الفلسطينية عقب النكبة.

 

خلال الأفلام الثلاثة الأولي الطويلة وعبر تجربته الذاتية يعزف إيليا موال المأساة الفلسطينية الذي يسرد القصة من الأسفل حيث يحي الناس داخل هذا المعترك الطويل متأثرين به ومنخرطين داخل مستوي أخر من المأساة وهي مأساة الإنسان في العصر الحديث وكيف يصارع الظروف والعوائق والروتينية من أجل أن يعيش بشكل طبيعي، لا تخلوا المشاهد من العبثية ولا تخلوا الإسقاطات السياسية ولا تعبير البسيط والفذ عبر الصورة واللقطات الجمالية ولا تخلوا من الضحك والكوميديا التي تعبر فيما تعبر عن مأساة متجذرة وواقع متشح بالسواد .

 

رحلة التحطيم:

يخرج سليمان في تجربته الأخيرة عن نطاق الثلاثية-وهو تقسيم لا يحبذه شخصياً – ليقدم تجربة جديدة تحمل بصمته إلا أنها تتعمق فيما هو أبعد من سيرته الذاتية والقضية الفلسطينية.

 

الخروج الأول كان خروجاً عن النطاق الجغرافي لفلسطين فالفيلم يدور في فلك رحلة مكوكية من فلسطين إلى باريس ومنها إلى نيويورك ثم تكون العودة إلى فلسطين مجدداً وهو الخروج الأول عن حدود الأرض الفلسطينية منذ أن بداية مشروعه السينمائي والذي يمكن أن نعتبره محاولة لاستكشاف العالم أو لنكون أكثر دقة محاولة لاستكشاف "نظرة العالم".

 

الرحلة التي بدأت كمحاولة للبحث عن تمويل لفيلمه الجديد سرعان ما تتحول إلى دعوة لاستكشاف فلسطين من داخل عيون العالم المقابل بعيد عن الصراع مع إسرائيل وبعيد عن حياة مواطنيها اليومية التي لطالما انغمست فيها تجربة سليمان علي مدي أكثر من عشرين عاماً.

 

يصطدم إيليا بواقع غارق في التنميط يضع الشخصية الفلسطينية في قالب ضيق يزداد ضيقاً مع تزايد التعاطف الإنساني مع القضية وأهلها، يحاول إيليا طوال مسيرته تناول الحياة الفلسطينية من منظور إنساني بعيد القوالب والأنماط السائدة في الخطاب المتعاطفة أو المعايدة للفلسطينيين وقضيتهم ففلسطينيوه أناس عاديون يمارسون حياتهم اليومية ويعيشون صراعاتهم وأزماتهم ويعبرون عن أفكارهم في خضم الصراع الكبير الذي يؤثر على حيواتهم الذي لا يهتفون أو يلقون الخطابات باسمه لكنهم لا ينسلخون عنه.

 

تصطدم هذه الرؤية بما هو سائد من تصور عن الفلسطينيين وهو ما يتجلى في رفض مختلف الجهات تمويل فيلمه الذي لا يتناول فلسطين لا من منظور مأساوي ولا نضالي ولا حتي لا يجهر بالسياسة جهراً، هنا يتجلى الخروج الثاني لإيليا عن روح الثلاثية فهنا ينتقل إيليا في صراعه إلي جبهة جديدة بعيداً عن صراع الوجود داخل الأرض الفلسطينية ليبدأ صراعاً إنسانياً جديداً يفكك فيه ما تراكم من تصورات للشخصية الفلسطينية علي مدي عقود طويلة ويحاول فيه انتزاع حقها في التعبير عن ذاتها كأي جماعة من البشر لها حياتها وتنوعاتها وثقافتها وحياتها التي تشكل القضية جزء هاماً في قلبها يؤثر فيها من جهات مختلفة.

 

كانت الكلمة:

يخرج إيليا سليمان عن عرفه المعتاد فينطق بكلمات معدودة ضمن سياق أحد المشاهد (أنا من الناصرة، فلسطيني) قبل أن يعود مرة أخري في نهاية رحلته إلى فلسطين يراقب عن كثب مجموعة من الشبان والفتيات يتراقصون على كلمات "عربي أنا" وكأنها رسالة للمشاهد أننا هنا نعيش حياتنا كما الجميع لكن حتى في لهونا لم ننسي من نحن وإلى أين ننتمي.

 

نهاية "فللينية" –نسبة لفيردريكو فلليني- الطابع تذكرنا بنهاية "8½" حيث تفشل مساعي المبدع في إتمام عمله إلا أننا نكتشف في النهاية أننا طوال تلك المدة كنا بين ثنايا تلك التجربة التي فشلت داخل السياق الدرامي لكنها خرجت إلي النور في سياق الواقع.

 

حداثة ساحرة لكنها هذه المرة بنكهة عربية ساخرة تتحدث عن فلسطين بمختلف الألسنة ومن مختلف النظرات وتجسد جمالية سينمائية متداخلة مع قضية إبداعية وصراع مستمر من أجل الوجود ومع الحياة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى