نقد

لازلو نيميس.. وغروب القارة الأوروبية

محمد كمال

 

التجربة الأولى للمخرج المجري لازلو نيميس في 2015 والتي حملت اسم "ابن شاؤول" حصل من خلالها على الجائزة الكبرى في مهرجان كان وأيضا أفضل فيلم أجنبي في الأوسكار جعلتني محبطا لعدم مشاهدة تجربته الثانية "الغروب" والتي شارك بها في المسابقة الرسمية لمهرجان فينسيا العام الماضي خصوصا وأن الفيلم لم يحقق نفس نجاحات التجربة الأولى، لكن يظل لازلو نيميس صاحب بصمة قوية بأول أفلامه.

 

 

يعتمد لازلو نيميس في "الغروب" على نفس إسلوب فيلمه الأول حيث التركيز الأحادي على شخصية البطل الذي نرى الأحداث من خلاله فقط والأخرين مجرد شخصيات ثانوية لهم مهمة لحظية أحيانا تنتهي مع المشهد، مشاهد طويلة ولقطات قريبة ومتوسطة، والكاميرا تلاحق البطل من الخلف ثم تدور بشكل كامل إلى أن تصل إلى الوجه تسير في نفس خطواته مع الإفراط في استخدام مشاهد "وان شوت"، البطل "ابن شاؤول" أو البطلة في "الغروب" في قمة التوتر والقلق والخوف والوجه المتهجم العابث، في الخلفية أصوات تعبر عن حالة الفيلم سواء صرخات التعذيب في "ابن شاؤول" أو الانفجارات في "الغروب".

 

في "الغروب" تعود "إيريس" إلى العاصمة المجرية بودابست قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى مباشرة للعمل في متجر فخم للقبعات يسمى "لايتر" في السابق كان ملكا لوالدها قبل حادثة وفاته لتجد نفسها محاطة بمجموعة من الألغاز أثناء رحلة البحث عن شقيقها، وبواسطة حركة الكاميرا المستمرة من الخلف إلى الحركة الدائرية مع إيريس يجسد نيميس الحالة العامة للعاصمة المجرية التي تبحث عن نفسها، عن هويتها المفقودة، عن جذورها، عن الإمبراطورية التي سحقت، المعاناة بسبب الحالة الاجتماعية المتدنية والعنف الذي يعد السمة المسيطرة على تلك المدينة التي أصبحت كالإناء الموضوع على اللهب الذي وصل لمرحلة الغليان قبل الانفجار.

 

اعتمد نيميس في الفيلم على تغيير سياق الأحداث فجأة في مرات عديدة ليظهر لنا جانب مظلم جديد للفتاة "المدينة" الهاوية المترنحة فقد كان الفيلم أشبه بتقديم نماذج لم تدعم كثيرا في الحبكة الدرامية لكن تأثيرها الأقوى كان في رغبة نيميس الملحة في إظهار حالة ما قبل السقوط وهي النقطة الأساسية التي أفقدت تجربة نيميس الثانية متعة وجمال التجربة الأولى، وبالعودة إلى فيلمه الأول "ابن شاؤول".

 

 

وبرغم استخدام نيميس نفس الأسلوب وطريقة السرد حتى على مستوى الأداء التمثيلي للبطل جيزا روريج الذي كان متشابها مع بطلة الفيلم الثاني جولي جاكاب التي ظهرت في الفيلم الأول بمشهد واحد فقط لكنها كانت بطلة الفيلم الثاني وقدمت أداء مميز ومعبر جدا ونجحت في نقل حالة التوتر والقلق والخوف.

 

لكن يظل ابن شاؤول أفضل وأعمق على مستوى الفكرة والطرح وتسلسل الاحداث، ففكرة المحرقة رغم تقليدية موضوعها إلا أن نيميس قدمها من منظور جديد، تغلغل إلى أعماق شخصية "شاؤول" المتوتر عابث الوجه الذي ينتظر الموت الباحث عن رجل دين لدفن ولد صغير توفي في المحرقة، شاؤول الغير متدين يبحث من خلال الصلاة عن نفسه وهويته وإحساسه إنه مازال موجودا وقادرا عل استخدام نزعته الإنسانية.

 

 

نتفق أو نختلف عن فيلم نيميس الثاني "غروب" وإصراره على تقديم نفس الأسلوب السردي "المربك" لكن المؤكد أن المخرج المجري سطر اسمه كأحد المخرجين الذين يملكون أسلوبا خاصا بهم في أفلامهم، فتلك الجملة "أسلوب خاص" اعتدنا على استخدامها في الصحافة المصرية عن مخرجينا كوصف لهم في مقدمات الموضوعات "المخرج صاحب أسلوب خاص" لكن بمرور الوقت وتراكم الخبرات وزخم تجربة المشاهدة واتساع الأفق يكون إعادة التفكير في جملة قد تبدو بسيطة نستخدمها بهدف الاستسهال وتعظيم شأن من نتحدث عنهم لكن دون معرفة أهميتها وخطورتها في التوظيف حين تصف مخرج بأن له أسلوب خاص.

 

 

لكن لازلو نيميس بالفعل مخرج خلال فيلمين أثبت أن له أسلوب خاص به مختلف عن السائد , يحاول نيميس الإجابة على سؤاله المعتاد حول القارة المتقدمة التي دمرت ذاتها وفقدت هويتها بعد أعوام من الازدهار، في البداية بسبب الثورة الصناعية أو كما يطلق عليها الثورة القاتلة، مرورا بالتقدم التكنولوجي الكبير والذي يعد نيميس أكثر الساخطين منه لأنه اجتاح العالم وأفقده جذوره وشخصيته .

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى