نقد

“لقشة من الدنيا” يعري الحرب على الإنسان في الاحياء المفقرة

وفاء الهمامي

عندما تكون فنانا عضويا تنبت لك جذور في الواقع، حتى وان حلقت بأجنحة السينما نحو أفق أرحب، وتكون قادرا على تجاوز مرحلة "استنساخ " الواقع، استنساخا مقيتا، لتغوص في عمق الحكاية.

 هذه هي حالة المخرج التونسي نصرالدين السهيلي الفنية، التي برزت من خلال افلام عديدة سابقة "مر وصبر" و"بوطليس" و"الشاق واق".. وها هو الآن يلتحم بواقعه في قصة فنية جديدة اسمها "سوبيتاكس" أو "لقشة من الدنيا".
 
سينما التدخل في الواقع الاجتماعي.. سينما "الأندرجراوند" التي تعصف بكل مساحيق التجميل للكذب على الواقع.. سينما الآن وهنا، ما مشكلة الشباب المفقر المهمش الان؟ الاقراص المخدرة التي تحول الانسان إلى "زومبي"، وحش مخيف يحترف العنف والادمان.

 

 تغوص كاميرا نصرالدين في عمق الأحياء الشعبية، وتسرب الاحاسيس وتعبر عن علاقات انسانية عظيمة بين المدمنين، رغم الحرب المقامة هناك ضدهم، حرب الفقر والجوع والتهميش.

عندما يكون المخرج سينمائي مرهف الإحساس وواعيا، بإمكانه صنع عالم فني يطرح أكثر العلاقات الخلافية اجتماعيا، مثل موضوع المثلية الجنسية، ويبسط الموضوع بدقة متناهية.. يبرز الفيلم العواقب الوخيمة لتعاطي المخدرات، وخطر العدوى الفيروسية عبر الإبر المستعملة، وتعترف الشخصيات أن الهروب نحو المخدر عمق مشاكلها ولم يشكل الحل البتة، وتعبر عن ندمها.

 فيلم وثائقي تابع حياة الشخصيات الحقيقية فيه على مدى خمس سنوات، اعتمد تقنية المونتاج الذكي حمال المعاني وباث المشاعر، الفيلم موجع وصادم، هذا حقيقي، لكنه ليس أكثر بذاءة من الواقع الذي يكتوي بناره شباب الاحياء الشعبية.

 من الهامش يقول نصرالدين السهيلي "اغفروا للهامش الادمان والعنف والبذاءة فالمركز اشد بذاءة" لان المركز أي الدولة مسؤولة عن ضياع المراهقين وانسداد الافاق وضياع الأحلام، في هذه الاحياء الخلفية العفنة حيث ينتشر الذباب فتشعر بالغثيان.

وإذا كان جون بول سارتر قد كتب رواية "الغثيان" ومسرحية "الذباب" لتعرية معنى الوجود والانتصار لإنسانية الانسان، فان "سوبيتاكس" يعري الوجه المظلم للأحياء الشعبية حيث يعيش حياة لا إنسانية، تشع نقطة ضوء هي العلاقات الانسانية الصادقة، حيث يحمل الضحايا بعضهم بعضا على منهج درويش الذي قال:

‏حاصر حصارك لامفر
اضرب عدوك لا مفر
سقطت ذراعك فالتقطها
وسقطت قربك فالتقطني
واضرب عدوك بي
فأنت الآن حرٌّ وحرٌّ وحُرّ!
حاصر حصارك
بالجنون وبالجنون
ذهب الذين تحبهم
نعم … ذهبوا
فإما أن تكون أو لا تكون

فيلم "لقشة من الدنيا" بوابة من لا يعرف لعوالم خفية عن حياة مدمني الاقراص المخدرة وضمير المدمن، أو من هو قريب منه، فيلم جماهيري يشد التونسي مهما كانت طبقته الاجتماعية، إما من باب الفضول، أو من باب كونه يعبر عنه بصدق بعيدا عن الكذب والزيف.


 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى